الحاجة لطيفة: ستون عاما من تخفيف الام الناس

تم نشره في الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • الحاجة لطيفة: ستون عاما من تخفيف الام الناس

تعالج "عرق النسا والملعونة " بالكي  
 

 

 فيصل القطامين 

  الطفيلة – الطب الشعبي من أقدم اشكال العلاج وهو أساس الطب الحديث وتعاطته الشعوب منذ القدم لحاجة الإنسان للإستطباب وفي العادة  يكون الدواء من البيئة التي تحوي الكثير من الأعشاب البرية التي تحوي موادا نافعة ولها دور في الشفاء ،فالمضطر يركب الصعاب على أن شعوبا على مدى عمر البشرية استخدمت أشكالا مختلفة من الإستطباب فكان البعض يتداوى بالسحر والشعوذة لطرد الأرواح الشريرة حيث كان الإعتقاد سائدا خلال العصور الوسطى وبداية عصر النهضة أن الارواح الشريرة هي وراء كل الأمراض التي تصيب الإنسان فكانت تمارس طقوسا من الشعوذة لطرد تلك الأرواح من جسد المريض فانتشرت عملية طرد الأرواح في انحاء كثيرة من أوروبا إلا أنه تمت محاربتها في عصر المسيحية المزدهر حتى وصل عقاب السحرة الى حد حرق الساحر، واستمر استخدام الشعوذة في بعض أنحاء افريقيا لغاية الآن حيث تمارس على نطاق واسع في بعض المناطق التي يعاني سكانها من الفقر والجهل   .

وعرف التاريخ الاسلامي الكثير من العلماء المسلمين الأطباء والجراحين امثال الطبيب ابو بكر الرازي وابن سينا وابن الهيثم وغيرهم وكانوا في الغالب يستخدمون العقاقير والسموم في مكافحة الأمراض حيث يتم ضمن مقادير معينة خلط أنواع من الأعشاب أو المواد الكيماوية لتصبح عقارا يتداوى به وتعتبر الحضارة الأسلامية العريقة في مجال الطب أساس متين قام عليه الطب الحديث.

    الحاجة لطيفة البداينة التي بلغت من العمر الخامسة والثمانين والتي بقيت تعالج الناس منذ قرابة الستين عاما واحدة من اهم المعالجين الشعبيين في منطقة الطفيلة.

وتقول الحاجة لطيفة أنها ورثت تلك المهنة من والدتها فكانت تراقب كيفية معالجة المرضى إبتداء من تشخيص المرض ولغاية إعطاء الوصفة الطبية التي إما أن تكون في الغالب موجودة لدى المعالج أو توصف مقادير من أعشاب مختلفة لتطحن وتمزج بالعسل أو زيت الزيتون أو حبة البركة " الحبة السوداء " وطريقة استخدام العلاج إما بالدهون أو " اللبخات"  فيما يتعلق بالأمراض الجلدية أو العصبية او العضلية أو بشرب الدواء لأمراض باطنية أو يتم احيانا استخدام التدليك كعلاج طبيعي يمارس حتى في المستشفيات على أن استخدام النار في المعالجة  يأتي كمرحلة هامة لدى الحاجة لطيفة التي تعطيها أهمية بالغة لشفاء الكثير من المراض الذي يعجز الطب الحديث أحيانا عن شفائها حسب اعتقادها

وتذكر أنها عالجت الكثير من الحالات التي لم ينفع معها الطب الحديث كمرض " الملعونة " وهو عبارة عن بثرة أو مجموعة من البثور تظهر في البداية على شكل رأس ناتئ يميل الى اللون الأزرق الغامق وتحدث آلاما كبيرة للمريض عدا عن حكة شديدة يرافقها ارتفاع درجة حرارة الجسم وإذا لم تعالج بشكل مبكر فإنها تنتشر في الجسم على شكل تدرنات كبيرة وتخرج منها مياه صفراء فتحيل حياة المصاب بها الى جحيم.

وتقول الحاجة لطيفة في هذه الحالة لاينفعها إلا الكي بالنار رغم قساوة العلاج . ويستمر الحديث الشيق مع الحاجة لطيفة وتضيف " أنني كنت في البدايات أعالج الأطفال " لأنهم لايحتملون المرض وأمراض الأطفال كثيرة كحالات الإسهال والحمى أو انزلاق العظام من المفاصل بسبب كونها غضة لم يكتمل اشتدادها بعد نتيجة حمل الطفل بطريقة خاطئة،وتعتقد الحاجة لطيفة بتأثير طير البوم على الأطفال حيث يمكن أن يمتص لسان الطفل فيؤدي الى إختناقه والبعض منهم إذا كتبت له السلامة يبقى مريضا يعاني ، وعند سؤالها عن تأثير البوم قالت أن هذا الطير نذير شؤم فهو كعادته يطير ليلا وتستهويه روائح الأطفال الرضع فيهبط على الطفل النائم ويمتص لسانه وقليل منهم من يعيش بعد ذلك حيث يعانون من أعراض مرضية حيث يقل نشاطه ويبقى مرتميا وتقل شهيته للرضاعة مع إصفرار في الوجه وعينين غائرتين مع تناوله لكميات كبيرة من الماء لإحساسه بالعطش ، وبالنسبة لعلاج مثل تلك الحالات لفتت الى انه يتم باستخدام ما سمته بـ " الوشقة " وهي مادة عبارة عن خليط من مواد مختلفة تتميز برائحة كريهة نفاذة حيث تذوب بالماء وتبلل خرقة بالمذيب ثم تجفف بالشمس وبعد ذلك توضع على أنف الطفل ليستنشق كمية من روائحها وبعدها ينام الطفل نوما عميقا ويعرق جسمه عرقا كثيفا باردا ليفيق بعد ساعات وهو يتمتع بافضل حال ويعاود نشاطه كالمعتاد وعلى أكمل وجه .

وبالنسبة للتمزق أو ما تسميه " الملخ أو الملع " الذي تفسره بأنه تمزق إما في العضلات أو الشد العضلي فعلاجه يكون باستخدام التدليك بزيت الزيتون أو زيت حبة البركة على المناطق المصابة حيث تقوم بتحسس المنطقة المصابة من الجسم وتحدد بالضبط مكانه وتستطيع معرفة المنطقة المصابة من الجسم من خلال تألم المريض في حال ضغطها باليد على المكان أو كما تقول بأنها تحس بوجود حفرة صغيرة في الجسم تعرف حينها أنه التمزق وفي حال الشد العضلي يكون على شكل نتوء بارز عن مستوى شكل العضلة وفي مرحلة متأخرة من علاج هذه الحالات تميل الحاجة لطيفة لإستخدام " كاسات الهواء " حيث تقوم بوضع العجين على المكان وتضع كأس تحرق داخله ورقة ليتم إفراغه من الهواء بواسطة الحرارة وتلصقها على الجسم وبعد أن يكون الجلد قد بدأ بالتقوس الى داخل الكأس ترفعه برقة عنه ويتم دهنه بالزيت ليشعر المريض بتحسن ملحوظ بعد ذلك .

   وبالنسبة لاستخدام الكي بالنار فله أهمية كبيرة في علاج بعض الأمراض كعرق النسا و " الملعونة " حيث تشخص نوع المرض لدى المريض وتقوم باستشارته حول استخدامها للنار كمادة علاجية فإذا ابدى المريض موافقة فإنها تحضر أدواتها البسيطة وهي على شكلين فقد تستخدم قمة مسمار حديدي تضعه على النار الى أن يتوهج كالجمر وتضعه على المكان المصاب وفي الغالب يكون في مناطق محددة مدروسة سلفا تعرفها جيدا أو قد تستخدم ما تسميه بـ " القدحة " وهي نبات بري تطحنه الى أن يصبح كمادة القطن خفيف سريع الاشتعال ويكون حجمه بقدر حبة الحمص توضع على منطقة أسفل الرأس من الخلف في اعلى العنق ثم تشعلها ويصدر عن إشتعالها نار خافتة  لا تكون على شكل لهب وتبقى الى أن تنطفئ وتتلهف الحاجة لطيفة بعد أيام من الكي لمعرفة نتيجة عملية التداوي هذه من خلال المريض الذي يأتيها فرحا مسرورا أنه تخلص من مرضه على يدها بفضل من الله كما تقول دائما . ويرتبط مرض الفتاق بالأطفال عادة حيث انهم الأكثر عرضة له ويتم علاجه بحسبها بعمل لبخة من الطحين والبيض ومبروش الصابون وتوضع على خرفة ليلف بها بطن الطفل لمدة اربع وعشرون ساعة ليشفى بعدها تماما .

وتعالج الحاجة لطيفة أمراض الجهاز الهضمي كالغازات وأشكال المغص المعوي حيث تعزو معظم أمراض المعدة الى المياه الملوثة التي يشربها الناس أو الخضار غير المغسولة أو التنوع في الطعام وتستخدم  جذور شجيرة البلان والقيصوم والشتيلا والبابونج للخلاص منها على شكل مغلي خليط أو منفرد من هذه الأعشاب .

وبالنسبة لأمراض الكلى والمثانة فتقول يؤتى بالقهوة الحب النيئة وتغلى الى ان يصبح لون الماء أخضر ويبرد ويشرب صباحا على الريق فإنها تنظف الكلى والمثانة بسرعة .

والكثير من المراجعات لطبيبة الأعشاب الحاجة لطيفة من النساء اللواتي لم يرزقن بالأطفال نتيجة العقم فتقول أن العقم لدى النساء أهون بكثير من عقم الرجال وامكانية أن تنجب المرأة  أكبر وتعرف الحاجة لطيفة أمكاناتها بهذا المجال حيث تقول أنني اقوم بسؤال المريضة فيما إذا كانت الدورة الشهرية منتظمة لديها أم لا أو لديها ضعف في المبايض وهذه الحالة تتطلب الذهاب لطبيب النسائية والتوليد ، وتسأل أذا كان زوجها قد أجرى فحصا للحيوانات المنوية فإذا كانت الأمور على ما يرام  فإنها تقوم بالمعالجة عن طريق التدليك على اسفل بطن المريضة وتفسر ذلك بأن الرحم يكون فيه هبوط أو إرتفاع عن مكانه المحدد حيث يجب أن يكون تماما في مكانه الطبيعي وإلا فإن المرأة لن تنجب . وفي حال عدم إنتظام الدورة الشهرية فإنها تصف خليطا من القرنفل والعسل والحبة السوداء على شكل تحاميل والتي تعمل على إنتظام الدورة الشهرية لدى السيدات وعقم الرجال مرتبط بمرض العروق الخضراء أو " الدوالي" حيث يؤثر سلبا عليه وتعالج مرض الباسور بالكي بالنار وليس بالضرورة في نفس مكان المرض بل في أنحاء اخرى من الجسم .

وقد استشهدت الحاجة بعدة حالات قامت هي بمداواتها وكان البعض منهم مشرفا على الموت وبفضل معالجتها لهم فإنهم تعافوا، واضافت قمت بمعالجة طبيب في إحد المستشفيات حيث كان يعاني من مرض عرق النسا وقامت بمعالجته وشفي من مرضه.

على أن الكثير في وقتنا الحالي من لا يعتقد إلا بالطب الحديث الذي طغى بأساليبه العلمية والتكنولوجية واستخدامه التصوير الطبقي والشعاعي و أفضل الأجهزة للقضاء على الأمراض حتى اختفى العديد منها او كادت ان تختفي أو قل تأثيرها لدرجة أصبحت فيها بعض تلك الأمراض كالحصبة والسل والتيفوئيد أمراضا بسيطة بعدما كانت تحصد أرواح الكثيرين من المرضى بها ما قلل وبشكل كبير من  دور الأطباء الشعبيين في التطبيب .

وفي اثناء إجراء اللقاء راجع الحاجة لطيفة أحد المرضى وهو فتى لم يبلغ الخامسة عشر من عمره  الذي قال انه يعاني من آلام كبيرة في أعلى منطقة المعدة وقامت بتحسس المكان المصاب واوضحت أن هذا المريض يعاني من تمزق الغشاء الرقيق للكبد وقد عرضت عليه الاستطباب بالكي ولكنه لم يبدي موافقته على ذلك خوفا من الكي بالنار .

وكان للحاجة لطيفة كلمة اخيرة وهي ان الشفاء من عند الله وحده والله يسخر الناس لخدمة بعضهم بعضا .

التعليق