التنجيد مهنة قديمة تسللت من أيدي الجدات الى المنجدين المحترفين

تم نشره في السبت 25 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً
  • التنجيد مهنة قديمة تسللت من أيدي الجدات الى المنجدين المحترفين

  فيصل القطامين

 

الطفيلة -   ارتبطت مهنة التنجيد بحاجة الإنسان منذ القدم للتدثر بالأغطية عند شعوره بالبرد عند النوم، حيث كان ومنذ بدايات الانسان في العصور الحجرية يلجأ للغطاء سواء بلبسه أو التدثر تحته ليتقي شر البرد وتنامت لذلك مهنة صناعة الأغطية التي كانت تصنع من أنواع متعددة من المواد، كالصوف، القطن ،الوبر ،شعر الحيوانات والكتان على شكل أغطية متنوعة الأشكال والأحجام .

    وكانت صناعة تلك الأغطية عملا تقوم به النساء ويعتبر صوف الأغنام البيضاء المادة الرئيسية التي تستخدم في صناعة الأغطية والفرش، بسبب توفرها وانتشارها الكبير، لأن الناس في معظمهم كانوا يربون الأغنام ،ما وفر مادة جيدة وبكميات كبيرة لصناعة الأغطية والفرش والملابس ،ولما لمادة الصوف من مزايا متعددة ،كمادة عازلة للحرارة فتحافظ على دفء السرير شتاء ما يهيئ جوا دافئا للنائم.

    وأشارت السبعينية "حمدة الحمران" الى أن صناعة " اللحف،الأغطية ، الفرش، المخدات " ،اقتصرت على النساء فقط خصوصا في الريف الأردني، حيث تبدأ عملية الإعداد لهذه الصناعة في الغالب مع بدايات فصل الربيع لأن الجو يميل للدفء ما يعطي جوا مناسبا للقيام بهذه العملية وتضيف حمدة أن النساء يقمن بغسل الصوف على ماء سيل أو بالقرب من نبع ماء لأن عملية الغسل هذه تتطلب كمية وافرة من المياه، وفي العادة كانت تجتمع نساء الحي والجارات في " العونة " وتضيف الحاجة حمدة الى أن النساء  يبدأن عملهن مبكرا في شبه احتفال ترافقه بعض الترويدات التي يعرفها الفلاحون مثل

يما يا يما شدي لي مخداتي                     طلعت من البيت وما ودعت خياتي

     وأضافت الحمران، أنه وبعد عملية الغسل تقوم النساء بنشر الصوف المغسول على الأسوار أو صخور كبيرة كي لا يتسخ ،الى أن يجف وفي اثناء ذلك تكون صاحبة الصوف قد أعدت لـ " العونة " غداء يتشكل من " الفتة " أو " المنسف"  حسب الوضع المالي لها  وبعد أن يجف تماما من الرطوبة، يعبأ في أكياس خيش كبيرة تسمى " التبانية " أو " الشطانية " وهي عبارة عن ثلاثة أكياس من الخيش خيطت ببعضها البعض وتستخدم عادة لتعبئة ونقل التبن وتنقل الى المنزل لتبدأ المرحلة الثانية بعد جفاف الصوف تماما . وتجمع ربة المنزل " العونة " مرة أخرى من عدة نساء ومن القريبات والجارات ،لوزن الصوف فمثلا للفرشة يوزن من 7 -12 كيلوغراما  وللّحاف من 4-8 كيلو غرام وللمخدة كيلو ونصف الكيلو الى 2 كيلو غرام، وتكون ربة المنزل قد أعدت القماش " الخام الذي يكون في العادة مستطيلا بالنسبة للفرشة  والذي يجب ان يكون طوله ثلاثة اضعاف عرضه وبالنسبة للحاف فأنه يكاد يكون مربعا ويميل الى الاستطالة أكثر، حيث يبلغ قياسه على الأغلب 180 في 220 سم وقد يزيد او يقل قليلا عن هذا القياس ،بالنسبة للمخدات فإن هناك نوعين منها، النوع الأولى يستخدم متكأ " مراكي "  ويكون وزنها كبيرا حيث يمكن أن يصل الى 5 كيلوغرامات والنوع الثاني هو المخدة والتي جاء اسمها من ملامستها الدائمة للخد عند النوم وتكون ذات وزن أقل لا يصل الى أكثر من 3 كيلو غرام وتكون لينة طرية لتوفر نوما مريحا ولا يتجاوز طولها المتر بعرض نصف متر .

    ويفرد الصوف على قماش يسمى " الخام " ذو لون أبيض مائل الى الأصفر ويكون من النوع الثقيل ويضع فوقه قماش يسمى " الساتان "  بألوان زاهية وغالبا ما يكون من مادة الحرير الإصطناعي، ليضيف نعومة على ملمس اللحاف وتثنى أطراف من القماش الأبيض بعرض 10 سنتمترات على الساتان ويخاط الغطاءان مع بعضهما البعض وتعمل بعد ذلك باستخدام إبرة كبيرة وخيوط متعددة الألوان، صفوف تكون المسافة بين الخط وآخر حوالي السبعة سنتمترات على شكل مسارات وتسمى هذه العملية " التدريب" او "التنجيد " وقد تبدي بعض النساء الوانا من الفنون، حيث يطرزن أشكالا طبيعية، كالورد أو شكل قلوب الحب أو الأشكال الهندسية او الدوائر وغيرها ما يضفي أشكالا جميلة يجعلها لوحة فنية، ويضع غطاء من قماش أبيض رقيق فوق الساتان ليحميه من الاتساخ، وهو سهل الفك والغسيل وبالنسبة للفرش فإن صناعتها اسهل بكثير حيث يخاط القماش على شكل كيس مستطيل ويحشى الصوف بداخله ويبسط  فيه ويخاط، من الجهة الأخيرة التي يعبأ منها الصوف ويغطى الخام بقماش سميك يسمى " الوجه " وفي الغالب يكون ملونا ومزركشا برسوم مختلفة، وتؤكد الحاجة حمدة أن أيام "شداد المنام أو اللحف أي عملية تنجيد الفرش واللحف كانت أياما سعيدة جدا رغم التعب الكبير الذي كانت تعاني منه النساء جراء تلك العملية فقد كن ينجدن ما بين 200 -300كغم من الصوف وقد يتجمع عمل تنجيد لثلاثة أو اربعة من العرسان .

    وفي ظل التطور الحضاري الكبير، الذي شهدته حتى الأرياف وانشغالات الناس بهموم الحياة ومتطلباتها الكثيرة ودخول المرأة سوق العمل والوظائف، لم يعد هناك المزيد من الوقت لصناعتها بالطرق التقليدية فاستعاض الناس عنها بطريقتين، هما استخدام البطانيات والحرامات الصوفية زاهية الألوان خفيفة النقل والترتيب ورخيصة الثمن نسبيا، وتؤدي الى حد بعيد دور الأغطية التقليدية، وثانيها هو انتقال مهنة التنجيد الى محلات متخصصة ويسمى الذي يعمل بهذه المهنة بالمنجد حيث يختصر الزمن بكلفة مالية معقولة لأن عملية نفش الصوف وحشوه وخياطته تأخذ وقتا كبيرا، حيث يقول المنجد طلعت صلاح الدين " انني أعمل بهذه المهنة منذ 15 عاما وأتقنها تماما لذلك فإن اللحاف لا يأخذ من الوقت أكثر من ساعة ونصف ويضيف أن هذه المهنة قد أراحت الكثير من النساء ،حيث يتحول المنزل الى فوضى عارمة عدا عن الجهد والوقت وأجرة اللحاف لا تتعدى دينارين ونصف والفرشة دينار ونصف واستطيع عمل 5 لحف يوميا واربع فرشات و10 مخدات وهي مهنة جيدة تدر دخلا جيدا ولكن لها أخطارها المستقبلية حيث تسبب آلاما في المفاصل خصوصا الأرجل بسبب طول فترة الجلوس ونستخدم ماكنة للنفش حيث كانت النساء ينفشن الصوف بالطريقة التقليدية التي تأخذ جهدا ووقتا كبيرين".

     وأشار صلاح الدين الى أن الناس أصبحوا  يجدون بدائل عن مادة الصوف لغلاء سعرها فيستخدمون القطن ونفش الموكيت والبولسيترين خصوصا في المخدات، وبالنسبة للمواسم أضاف ،أن موسم ازدهار هذه المهنة في الصيف، حيث يستطيع الناس الراغبون بتنظيف الصوف القديم  بأن يتم الاستغناء عن الأغطية في هذا الفصل ويعاد نفش الصوف وصناعة الفرش واللحف من جديد وأيضا هي فترة اجازة طلبة المدراس وموسم الأعراس، ونقوم في اغلب الأحيان إذا كانت كمية الصوف كبيرة بالذهاب الى المنازل ،لأن هنالك متسعا من المساحة لا يتوفر لدى محلات التنجيد ،وأكد أن الكثير من النساء الشابات لا يتقن هذه الصناعة حاليا لعدة أمور، كالانشغال واهتمامات المرأة العصرية التي اصبحت تعمل خارج المنزل، ووجود بدائل عن الفرش والأغطية التقليدية ولكنه عاد للتأكيد، على أن اللحف والفرش التقليدية التي صنعتها جداتنا وامهاتنا افضل من الحرامات الفخمة المكلفة خصوصا في المناطق الباردة كونها لا توفر الدفء الحقيقي ودفء الأمومة والحنان.


التعليق