الترجمة هل هي خيانة للنص الأصلي ؟

تم نشره في السبت 25 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • الترجمة هل هي خيانة للنص الأصلي ؟

نقل الابداع من لغته الأم بين الاستثمار الثقافي والتجارة

 

عزيزة علي

    عمان-هل تعتبر الترجمة خيانة للنص خصوصا اذا كان النص إبداعيا مثل الشعر!! وما هي الشروط التي يجب ان تتوفر في المترجم الذي يقوم بنقل النص إلى اللغة الأخرى، ما دور اللغة في هذا النقل، وهل يكفي اللغة ام ان هناك أشياء أخرى اكثر ضرورة لإخراج النص كما يجب من ناحية إبداعية ؟

     ومن جهة أخرى هل يمكن ان تكون هناك دار نشر عربية تقوم بالاهتمام بترجمة ونقل الثقافة والأدبي العربي إلى لغات أخرى. ما هي معوقات مثل هذه الدار ؟ كل هذه اسئلة تثار منذ بدأت حركة نقل العلوم والآداب الى العربية .

     "الغد" كان لها هذا الاستطلاع حول هاجس الترجمة في الوطن العربي اشكالياتها وآفاقها وعن حاجة العرب إلى دار نشر تقوم بترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى.

صناعة واستثمار

     ويرى فتحي البس صاحب دار الشروق للنشر والتوزيع ان  "الترجمة صناعة واستثمار في الثقافة تلجأ إليها دور النشر إذا كان هناك جدوى اقتصادية ولذلك تلجأ الأمم التي ترغب في نشر ثقافتها إلى تخصيص ميزانية لدعم نقل ثقافتها إلى لغات أخرى، وذلك من اجل نفوذ سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، ومن يدقق في الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية يجد أنها تنقسم إلى قسمين، ما تنشره دور نشر خاصة لأنه يلاقي رواجا فيحقق ربحا لهذه الدور، وما تقوم بدعمه جهات لها مصلحة في هذا النشر، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الميزانيات الضخمة التي تخصصها الولايات المتحدة الأميركية عبر البرامج المختلفة لنشر الكتب التي تحبب القارئ بالنظام السياسي والاقتصادي، ونمط الحياة الأميركية.

    ويضيف البس: إذا قدم لي نص مترجم يكون لدي السؤال التالي: هل حصل المترجم على حقوق الترجمة للعربية من صاحب النص الأصلي؟ فإذا لم يكن حصل على هذا الحق نوجهه إلى كيفية الحصول عليه أو نقوم نحن بأنفسنا بالإجراءات اللازمة، إذا كان الكتاب يدخل ضمن خطة النشر لدينا، فبعد الحصول على الحقوق نقوم بتكليف شخص مختص بإجراء المقابلة اللازمة بين الأصل والترجمة لمعرفة مدى إبداع المترجم أو صدقه.

ليس هناك تطابق كامل

    يؤكد الياس فركوح مترجم وصاحب دار أزمنة للنشر والتوزيع "انه لا يمكن ان يحدث التطابق الكامل بين النص الأصلي بلغته الأولى وترجمته إلى لغة أخرى، بصرف النظر عن قدرة المترجم. والتطابق أجمالا ليس مطلوبا في الترجمة خصوصا إذا كان النص نصاً شعريا، لان الشعر يعتمد على إيقاع وصورة وشفافية تملك خصوصيتها في لغته الأولى.

     اما الترجمة فهي محاولة للاقتراب من ذلك كله ولكن في إطار خصوصية اللغة المنقول إليها. إذن نحن لسنا في صدى التطابق عند الترجمة الأدبية والشعرية على وجه الخصوص بقدر ما نحن حيال اقتراب ما بنسبة ما".

    وحول مقومات المترجم يرى فركوح "أن لذلك مجموعة من الخصائص: أولها ان يكون محبا للنص الذي هو قيد الترجمة وان يكون ملما بشكل كاف بمناخ وموضوع أو تخصص النص المراد ترجمته. وان يكون قادرا على التعامل مع لغته كمترجم بحيث يستطيع من خلال ذلك ان يطوعها لتتناسب مع لغة النص الأول".

    عن حاجة العرب إلى دار نشر تقوم بترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى، يقول  فركوح" انا ضد اقامة دار نشر عربية تختص بترجمة نتاج الأدب العربي إلى لغات أخرى، وذلك لسببين: الأول ان من يستطيع القيام بهذه المهمة في بعدها الاقتصادي التمويلي خاصة هي جهات حكومية بالضرورة.

    ولا أثق في أي جهة ثقافية حكومية تتصدى لمهمة ثقافية، فالقدرة هنا غير راسخة ومشكوك بها من جهة اختيارها للنصوص، المراد ترجمتها وذلك للفساد والمحسوبية المعروفة لدى الجميع، مما ينتج عن ذلك صورة مشوهة عن الأدب العربي".

    السبب الثاني، عجز دور النشر الخاصة عن القيام بهذه المهمة وبالتالي سيكون هذا المشروع عرضة للخسارة والتوقف دون ان يؤتي ثماره".

وراء كل نص مؤلف

    يروي سيمر عزت -صاحب دار النسر للنشر والتوزيع ومترجم- تجربته مع الترجمة: "بعد ترجمة ونشر ما يربو على المائة كتاب أدبي من رواية ومجموعات قصصية ومسرحيات وأعمال كلاسيكية مبسطة مزدوجة اللغة وكتب سياسية عامة، سأتجه إلى مناقشة الترجمة الأدبية فقط لأهميتها ولصعوبتها ولاقترابها من روح الأسئلة المطروحة، مثل هل الترجمة تعتبر خيانة للنص الأصلي "إن وراء كل نص شخصا يؤلفه، وكل شخص في العالم غارق في جزئيات عديدة:البيئة الأسرية والجغرافية والدراسية والثقافية ومرجعياته التي جمعها من قراءاته العديدة طيلة حياته المهنية والثقافية؛ فتنعكس كل هذه في كتاباته، أسلوبا ولغة وأفكارا، وكلما اقترب الكاتب من هذه المرجعيات والتجارب المادية والفكرية في حياته  ظهر العمل المكتوب له أكثر صدقا وإقناعا للقراء. فكاتب معاصر مثل جان جينيه الذي عاش في بيئة انحلال وشذوذ يختلف عن ألبير كامو مثلاً، من حيث المفردات التي يستعملها واللغة التي يلوح بها امامنا".

    ويرى عزت ان هذا الكلام ينطبق أيضا على المترجم والمؤلف فحتى يصل المترجم إلى روح المؤلف ما فإن عليه أن يعيش حياة ذلك المؤلف من جميع جوانبها. ولكي يتم هذا، لابد ان نضع الاثنين في بيئة واحدة وظروف واحدة الخ؛ وهذا من قبيل المستحيلات. ولكي يقترب المترجم من المؤلف الذي اختار ترجمة عمل من أعماله، لابد أن يقرأ الكثير من أعماله ويتعب في ملاحقة تجاربه وحياته اليومية والثقافية. ومن الصعب الوصول إلى الحد الأقصى من كل ما ذكرت؛ لذلك يكون النص الأدبي مختلفا عن الترجمة الصادرة عنه، وهو ما يردده البعيدون عن هذا الحقل بخيانة النص الأصلي. لكن هذا لا يعني ألا تقل نسبة هذه الخيانة إلى حد أدنى في هذا المجال، وألا لأغلقنا الباب أمام الترجمة والمترجمين".

    وعن الأساس في تقديم ترجمة جيدة قريبة من روح النص الأصلي يوضح نصار "كلما كان المترجم متمكنا ومستوعبا ومتبحراً بلغته الأصلية التي يترجم إليها ومتفهما لأصول اللغة التي يترجم عنها ومتفهما لمفرداتها وظلال معاني مفرداتها ومبحراً في أجواء وبحور وعالم وفكر ولغة الكاتب الذي ينقل عنه فيعرف دقائق حياته وتجاربه، ويتأتى هذا من قراءة جل أعماله الأدبية والفكرية، كان مترجماً جيداً لهذا الكاتب أو ذاك فالدراسة المتأنية والدقيقة لأي كاتب تعرفنا به جيداً، فنفهم ما يفكر فيه ونعيش ما عاشه  وعايشه، فنكون خير ناقلين لخير أعماله الكثيرة".

عمل ابداعي

   يشرح الناقد والمترجم فخري صالح الكلام السائد حول الترجمة "إنها خيانة للنص الأصلي"، وان أي مترجم يدعي الأمانة لا يمكن ان يكون أميناً بالفعل"،  فأكد صالح "إن الترجمة من وجهة نظري تعد من أعظم الأعمال الإبداعية التي يقوم بها المرء، كونها وسيلة التواصل بين الثقافات، وتطور اللغة المنقولة لها وتأثيرها بصورة خلاقة على الأساليب".

    واستطرد صالح إن "الأمم التي تكثر من الترجمة عن اللغات الأخرى تعد من بين الامم المتقدمة والمتميزة بين أمم الأرض مضيفا انه علينا ان نستعيد القرون التي كان فيها العرب يترجمون أعمالا يونانية وفارسية وهندية في الفلسفة والأدب والعلوم، حيث أصبحت الترجمات العربية عن تلك اللغات من المصادر الأساسية في فكرة النهضة الأوروبية، لكي يتواصل مع الحضارات القديمة في العالم. ولكن العرب للآسف يعدون من بين أقل الأمم ترجمة في هذا الزمن. وتلك في اعتقادي من بين اكبر المشكلات التي يواجهها العرب في هذا العصر".

   وعن مقومات المترجم يرى "يجب أن يتمتع المترجم بإتقان اللغة التي ينقل منها واللغة التي ينقل إليها، لكن هذا لا يكفي فيجب ان يكون عارفا بصورة متمكنة بالمادة التي ينقلها فهناك أناس يتقنون اللغتين ولكنهم يجهلون الموضوع الذي يترجمونه ولذلك، تصبح الترجمة ألغازا وكلاما غامضا لا معنى له". يضاف صالح "يجب ان يكون المترجم مبدعاً وصادقا بحيث يكون قادرا على خلق حياة جديدة للنص المترجم في اللغة التي ينقل إليها وأشير هنا إلى ترجمة رواية الروائي الاميركي (لهيرمان ملخيل، موبي ديك) التي نقلها إلى العربية الراحل المرحوم د. إحسان عباس. بحيث أعطاها حياة جديدة في العربية. في ترجمة لا تضاهى ولا أظن انني سوف أقرأ ترجمة بهذا البيان الرفيع".

    وأكد صالح على ضرورة انشاء دار نشر عربية تهتم بالترجمة "نحتاج كعرب إلى دار نشر متخصصة في نقل الإبداع والثقافة العربيين إلى اللغات الحية في العالم لأن حجم ما يترجم من العربية إلى لغات أخرى قليل للغاية، وإذا قارنا أنفسنا بالأمم والشعوب الأخرى مثل اليابان فسنجد بأن تلك الأمم تقوم بدعم ترجمات لغاتها إلى لغات أخرى وكان الاتحاد السوفياتي يمتلك دور نشر تعمل على ترجمة الثقافة السوفياتية إلى اللغات الأخرى ".


التعليق