الزهايمر أكثر أشكال الخرف شيوعا

تم نشره في الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً
  • الزهايمر أكثر أشكال الخرف شيوعا

     إعداد: نسرين منصور

   يتعرض الكثير من الناس إلى نسيان أشياء صغيرة مثل مكان مفتاح السيارة أو الجهاز الخلوي، أو ماذا حدث معهم الأسبوع الماضي ولكن إذا تكررت حالة النسيان بشكل دائم ويومي وتضمنت أمورا بسيطة مثل عنوان المنزل وخصوصاً لكبار السن فيمكن أن تكون هذه الحالة من أعراض مرض " الزهايمر".

يجمع الأطباء على أن الزهايمر تلف تدريجي يتعذر إصلاحه في مناطق المخ التي تتحكم في التفكير والذاكرة لتضمر خلايا المخ وتموت فيفقد المريض المقدرة على التفكير والتذكر، وينتج عن ذلك اضطرابات في الذاكرة بحيث تحدث فجوات في المخيلة لدى الشخص المصاب في ما يختص بالأحداث التي لم يمر عليها وقت طويل .

فمثلا لا يتذكر الشخص المصاب بمرض الزهايمر المكان الذي قضي فيه عطلته أو الجهة التي أوقف فيها سيارته، وبعد ذلك تأتي مرحلة غياب الانتباه وصعوبة التركيز في العمل ،وخلال تلك المرحلة يكون الشخص مازال قادراً على قيادة السيارة إلا أن ما يحدث له هو أن يسير بالسيارة في الإتجاه المعاكس ولا يعرف ذلك.

ويعتبر الزهايمر أكثر أشكال الخرف شيوعاً وهو يصيب حوالي 5% من الرجال و 6% من النساء ممن تتجاوز أعمارهم 60 عاماً، وهذا طبقاً لتقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، ومع تقدم العمر ضمن فئات السكان، يتوقع لهذا الرقم أن يرتفع بسرعة على مدى العشرين عاماً القادمة. وحالياً يصاب شخصان يومياً بمرض الزهايمر في كافة أنحاء العالم.

لماذا سمي بـ "الزهايمر"؟

   تم اكتشاف الزهايمر في مطلع القرن التاسع عشر على يد الطبيب الألماني "الواس الزهايمر" (1864- 1917) المختص بالأبحاث المتعلقة بالأمراض العصبية والنفسية.

وكان يشغل آنذاك منصب أستاذ ومدير المعهد العصبي والنفسي في ميونخ. في العام 1907 تبين للبروفيسور من خلال أبحاث قام بها على مريضة في العقد الخامس من عمرها في مدينة ميونخ أنها لا تستطيع أن تتذكر بشكل جيد وأن قدراتها الذهنية قد تدهورت ،وبإجراء الفحوص على دماغها تم اكتشاف مادة ليفية غريبة داخل بعض الخلايا العصبية، إضافة إلى مواد أخرى على شكل أقراص متوطنة في قشرة الدماغ، ووقتها نشرت أبحاثه حول هذا المرض الذي صار يعرف فيما بعد باسم "الزهايمر".

أسباب المرض

   يفسر الأطباء أسباب حدوث الزهايمر بأن هناك ظاهرتين متلازمتين تحدثان معا داخل قشرة الدماغ، فمن جهة هناك بروتين يتجمع بطريقة غير طبيعية داخل الخلايا العصبية، ما يتسبب في مسلسل من "انحلال عصبي ليفي".

ومن جهة أخرى وجود ركامات بروتينية تسمي صفحيات من الكاربورات تنحشر بين الأعصاب ويرجع سبب وجود تلك الصفائح إلى تراكم غير عادي لمادة تسمي Amglloid ebeta وتأتي تلك المادة من بروتين غير غشائي موجود بشكل طبيعي داخل جميع أنواع الخلايا ولاسيما داخل الأعصاب.

وتلعب مادة App، التي تتشكل مثل جميع البروتينات من خلال تلاحق أسيدات أمينية دوراً في استمرار وجود الأعصاب ،الا أنها مع مرور الوقت تتدهور بواسطة الانزيمات حتى يصاب المريض ببعض الاضطرابات ،غير أن بعض المتخصصين يذكرون أسباباً أخرى للمرض بصفة خاصة ومنها الرضوض على مستوي الجمجمة مع فقدان الوعي، التوتر والقصور الدرقي، الجلوسية، وابتلاع مادة الألومنيوم والتناول المفرط للكحول.

أعراض الزهايمر

   يجمع الأطباء على أنه في البداية تبرز اضطرابات متباعده في الذاكرة وفيها يفقد الشخص بعض الأشياء الهامة والتي من المفترض أن يحتفظ بها في ذاكرته، ومنها أين ترك سيارته وهل يعرف مكان صديق عزيز له، ثم أحيانا يخلط بين الليل والنهار ويحدث له نسيان بخصوص تواريخ أساسية معروفة جدا.

تأتي بعد ذلك مرحلة صعوبة إيجاد التعبير أو استحضار المرادفات، تلي ذلك اضطرابات إجرائية مثلا غياب الانتباه وصعوبة التركيز في أشياء هامة تخص الأسرة ،وبعد أربع سنوات من هذه العوارض يدخل الشخص في اضطرابات إدراكية حسية من خلالها يفقد المريض كل اتصال بالعالم القائم، ومنها أنه يفقد إمكانية تمييز زر جهاز الغاز عن زر جهاز التليفزيون مثلا، ثم شيئا فشيئا يتجرد عن هويته إلى أن يصبح غريبا عن ذاته وهنا يدخل مرحلة صعبة للغاية يفقد خلالها القدرة على التعرف على أسرته.

   وأخيراً عندما تحدث اضطرابات في الأفعال الحركية لأعضاء الجسم أي ضياع الحركات اليومية العادية جدا كفتح باب أو إضاءة مصباح، فإن المريض يغرق بصفة نهائية داخل عالم من الظلام ومن هنا تظهر على المريض اضطرابات مزاجية وسلوكية ..حزن ،وغضب دائم بل عدوانية، وكذلك اضطرابات في تقدير الأمور.

من يصاب بالزهايمر ؟

   تشير الأبحاث والدراسات أن مرض الزهايمر يصيب عادة كبار السن "65 سنه" وما فوق، ولكنه نادراً ما يصيب من هم دون الأربعين، ومتوسط حدوث الإصابات يكون في سن 50 عاما ،ويصاب12 من كل100 شخص في سن 65، ولكن هذه الخطورة تزداد بنسبة 15 %في سن الثمانين وفي سن التسعين، فنصف من يصلون إلى هذا العمر يصابون ببعض الأعراض، وينتشر مرض الزهايمر بين كل الأجناس بالنسبة نفسها ولكن النساء أكثر قابلية من الرجال للإصابة به ربما لأنهن يعشن حياة أطول.

دور الطب النفسي

   الإصابة بمرض الزهايمر لا تقتصر على الأشخاص العاديين فقط بل تطال عدداً كبيراً من مشاهير العالم نذكر منهم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، بالإضافة إلى إصابة الممثلة الراحلة ريتا هيوارث بهذا المرض. وعن دور الطب النفسي في علاج مرض الزهايمر يقول د. عادل صادق أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس أن" التذكر عملية كيمائية تعتمد على وجود مادة تسمي (D.N.A) وهي الحمض النووي للإنسان وهي أقرب إلى الفيلم الحساس الذي نسجل عليه الأحداث".

ومع تقدم العمر تقل مادة (D.N.A) فتقل قدرة الإنسان على حفظ معلومات جديدة ولكنه يظل محتفظا بعدة معلومات قديمة، ويشير د. عادل صادق إلى أن " تقدم الإنسان في العمر يجعله يصاب باضطرابات في الذاكرة حتي يصاب بمرض الزهايمر، الذي يعتبر من أخطر الأمراض التي تؤدي إلى تآكل خلايا المخ وفيها يفقد الإنسان ليس فقط ذاكرته، بل وكل قدراته الفعلية تدريجيا حتى ما تعلمه طوال حياته ينساه مع الوقت".

 ويضيف د. صادق أن" الأبحاث توصلت حتى الآن إلى أن أفضل طريقة لحفظ خلايا المخ من الانكماش والضمور هو أن يظل المخ يعمل بنشاط، لذلك حين يتوقف الإنسان عن العمل عند إحالته إلى المعاش مثلا يبدأ الدخول في حالة نسيان لآن خلايا المخ كلما أعطيتها معلومات تستمر في العمل والعكس صحيح، فالعضو الذي لا يعمل يضمر، ولذلك نجد بعض الكتاب مثل نجيب محفوظ. الذين تخطوا الثمانين من عمرهم مازالت ذاكرتهم تعمل بكفاءه لأنهم يواظبون على القراءة والكتابة".

مراحل علاج المرض

   يشير البروفيسور "جان فرنسوا دارتيغ" مدير أبحاث أمراض الشيخوخة في مدينة بوردو الفرنسية في أحد أبحاثه الى أنه أجرى عدة اختبارات شملت 1300 شخص من المسنين وأسفرت هذه الاختبارات عن عدة نتائج تؤكد أن الإكثار من استهلاك فيتامين (E) يؤخر ظهور إشارات المرض، كما أن الأشخاص الذين اعتمدوا فترة طويلة على عقاقير مضادة للالتهابات على مدى سنوات عدة. إلا أن النتيجة الأكثر أهمية هي فشل كل المحاولات في إيجاد عقاقير ناجحة تحفظ دماغ المسنين من الضياع وفقدان قسم من الذاكرة أوكلها .وفي جانب آخر أشارت عدد من الدراسات الأوروبية إلى أن هناك مادة تسمي "اسيتيل الكارنيتين" توجد بشكل طبيعي في خلايا أجسامنا ويبدو أنها تبطئ من التدهور العقلي لمرض الزهايمر ويصفها الأطباء لمرضاهم كعلاج غير أن التجارب الإكلينيكية على هذه المادة في الولايات المتحدة لم تؤد إلى نتيجة بعد، أما من ناحية العقاقير فإنه يوجد عقار جديد يسمي "فاكرين" ويباع تحت الاسم التجاري "كوجينكس" وهو يبطئ من عملية التدهور إلا أنه متواضع التأثير.

في عام 1998 ظهر دواء "الدونيبيرزيل" ويتم استعماله مرة واحدة في اليوم للمريض، وهناك دواء "الريفا ستيغمين" ويتطلب أخذ جرعتين منه في اليوم الواحد ويعتبر هذان الدواءان من الأدوية الكولينيرجية الحديثة.من ناحية أخرى هناك نوع ثان من الأدوية تتكون من هامين الأعصاب حيث يتعلق الأمر مثلا بأقراص فيتامين "أ" ومادة السيلجيلين حيث تكون مهمتهما الحفاظ على الأعصاب في حاله جيدة دون تدهور أو اضطراب.

وأشارت أحدث البحوث الأمريكية أن نسبة الإصابة بمرض الزهايمر بين المدخنين أقل بكثير من نسبة الإصابة بين غير المدخنين، وأن مادة النيكوتين تحد من تآكل أو تكسير مادة (الأستيل كولين) التي تسبب الزهايمر بسبب تكسيرها أو تآكلها إلا أن كثيراً من الأطباء الباحثين في جميع أنحاء العالم والذين اعترفوا في البداية بصحة هذه البحوث الأمريكية اعترضوا أن يكون ذلك بمثابة الضوء الأخضر لإباحة التدخين بمخاطره وأضراره الكاملة، ويدرس الباحثون تأثير العوامل السيئة على انتشار مرض الزهايمر، حيث توصل عدد من الأبحاث إلى أن بعض الأشخاص المصابين بمرض الزهايمر لديهم كميات قليلة من الألمنيوم مترسبة في أمخاخهم. إلا أن العلماء الذين درسوا مصادرالألمنيوم البيئية من المواد المضادة للحموضة أو مضادات العرق أو من أواني الطهي أو ماء الشرب لم يجدوا علاقة بين الألمنيوم ومرض الزهايمر . وعلى جانب آخر أشارت بعض الدراسات إلى التأثير الوقائي للأستروجين والعقاقير المضادة للالتهابات غير الستيرويدية وفيتامين "هـ" وعوامل أخرى إلا أن تلك الدراسات مازالت بحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتؤكدها.

التعليق