دودين: الحركة هي الحاسة السادسة للطفل

تم نشره في السبت 11 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً
  • دودين: الحركة هي الحاسة السادسة للطفل

         تغريد الرشق

عمان - الصلة العميقة بين اللعب، كوسيط للتعلم، والفنون ما تزال موضع تساؤل وسوء تطبيق، مع ان نظريات بياجيه واريكسون وفويكوتسي وفروبل كلها تصب في اهمية توطيد العلاقة بين التعلم واللعب والفنون، بخاصة في مرحلة النمو المبكر لدى الاطفال الصغار. هذا الهاجس هو محور عمل وحياة سمر دودين، المخرجة وأخصائية الدراما الابداعية.

تتساءل: "لماذا لا يخرج الأطفال إلى الشارع للتعلم، وكيف يمكن للتعلم ان يكون محددا داخل غرفة مغلقة، ومن خلال سبورة وكلام مجرد؟" هذا تساؤل من مجمل تساؤلات طرحتها دودين على نفسها حين كانت تراقب "التصاق اجساد الأطفال بالمقاعد وحركتهم، مقارنة بسكونهم الذي يعتبر ضد طبيعة الطفل نمائيا"، فهي ترى أن الحاسة السادسة للطفل هي الحركة: "يجب ان يتحرك الطفل ليتعلم".

بعد تخرج دودين الحاصلة على البكالوريوس في فنون المسرح، مع التخصص بدراما الأطفال من جامعة سانتا كلارا بكاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية، وعودتها للأردن العام 1985، قررت ان تصب اهتمامها لتطوير نهجها الفني والتربوي على مراقبة واستكشاف الصلة الوطيدة بين نمو الطفل وتعلمه عن طريق اللعب والتعبير، وبالذات للفئة العمرية الاقل من 8 سنوات. وتقوم هذه العملية على الاستكشاف والتجربة والخطأ المرتبط باستكشافه لبيئته المحيطة والمساحة التي يعيش فيها.

وتوظف دودين في عملها طريقة مختلفة تقوم على استخدام الفنون كوسائط للتعلم تماشيا مع ثقافة وخيال واسعين، وتدرك وفقا لأفكارها المتعلقة بالتعلم، ضرورة أن يتمتع المتعامل مع الأطفال بقدرات لا محدودة، وان لا يتصرف وفقا لأحكام مسبقة، ويكون مرنا. وتؤكد ان دور من يتعامل مع الطفل ينحصر في استثارة الأطفال من اجل التعلم.

كما يجب ان يكون المتعامل مع الأطفال قادرا على طرح أسئلة ذات طبيعة مركبة وجوهرية، فيوفر لهم من خلالها حرية كبيرة في التعامل مع الوسيط الفني، سواء كان لوحة او قطعة موسيقية او موقفا دراميا او اي وسيط آخر. وتركز دودين على "المساحة غير المريحة"، وتعرفها بمساحة سؤال التوتر وليس المشكلة او الصراع بالنسبة للطفل، وهو ما يجعل الطفل يعيد التفكير بالمسلمات، وتمكنه من التغلب على هذا التوتر باستخدام الخيال ودخول واقع آخر. ويتأتى هذا، وفقا لدودين، في فترة صغيرة ووجيزة بين تغميض عيونه وخلق صورة بعقله، وهذا يقوي من وعيه بتداخل الأزمان. ففي زمن واحد يستطيع ان يخلق الطفل زمنا جديدا او أن لا يكون أسير زمن قديم.

تطور اجتماعي وعاطفي

وتولي تجارب دودين المتعددة في سياق الطفولة اهتماما خاصا بالنمو والتطور الاجتماعي او العاطفي الابداعي للأطفال والشباب، بتخصصها كخبيرة على مستوى المنطقة العربية بالفنون والدراما كوسائط تعلمية من خلال عملها مع الاطفال والشباب في مدارسهم ومجتمعاتهم.

وعن بداية تطبيقها لأفكارها العملية في الأردن تقول: "قمت بتجارب في المدرسة الأهلية للبنات كمرحلة اولى، وكنت أقضي مساحة من الوقت مع الأطفال لاكتشف فيها تواصلهم مع مثير بصري او لمسي"، وتعطي مثالا على المثير البصري بأنه قد يكون اي جسم، فمثلا إذا وضعت جرة قديمة في هيئة معينة وسألت الأطفال ماذا ترون؟ اين تسكن هذه الجرة ولماذا هي ملقاة بهذا الشكل؟ فإنك تحصل على إجابة يحدد من خلالها الأطفال السياق والتوتر.. لمن هذه الجرة، ولماذا وقعت؟".

وتتابع: "كان الأطفال يخرجون بتوقعات، وكنت ارتجل دورا معينا لأتمّ حلقة المعنى. فمثلا جاءت اجابة طالب تقول: "هذه الجرة تستعمل للزينة وهي موجودة في بيتنا"، فقمت بتمثيل دور الجدة التي تزور بيت الطفل وقلت: كنت دائما اقول لا تتركوا الجرار فاضية!. وعندما سألت الاطفال لماذا تقول الجدة هذا الكلام أثرت حوارا جعل الاطفال يدركون وجود مستويين للمعرفة (الممتلئ والفارغ) و(القديم والجديد)، وكيف تتغير علاقتنا مع الأشياء بمرور الزمن، فأم الطفل لديها صحون وأوان حديثة ولم تجبل بالصلصال جرة، في حين كانت هذه الجرة لها قيمة حقيقية في السابق لدى الجدة وكان مفهوم الممتلئ والفارغ له دلالات اخرى".

علاقات للتعلم

وتبين دودين أن الطفل يمر بتجربة اتصال وتواصل مركبة فلا يتعلم عن الممتلئ والفارغ بمعزل عن العلاقة بين الماضي والحاضر والجيل القديم والجديد، كما لا يمكنه التعلم بمعزل عن المادة التي تصنعها يد الانسان والأخرى المصنوعة بالمصنع، وما هي الأشياء التي نستعملها والتي لم نعد نستخدمها.

وفي مثال آخر يبين كيفية توصيلها للأفكار عن طريق الوسائط الفنية كالدراما تقول دودين انها لاحظت وجود (الشللية) في الصفوف بين الطالبات وسيطرة واستغلال مجموعة من الفتيات للأخريات، فطلبت من كل طالبة ان تكتب اسماء 3 فتيات تحبهن وتفضلهن، ووجدت ان اختيارهن وقع على فتيات قائدات يتصفن بـ "البلطجة" والقوة.

وتضيف: "بحثت في الأدب فوجدت قصة لأوسكار وايلد عن علاقة بين بائع ورد وطحان يظهر خلالها جليا عدم توازن العلاقة بينهما، فالطحان يأخذ والآخر يعطي. استخدمت هذا القصة كوسيط لأنتقد بطريقة غير مباشرة انقياد الفتيات للسلطة من دون احتجاج".

وسخّرت هذه القصة لبناء مسرحية صغيرة احتوت مجموعة مواقف تطلبت من الفتيات القيام بفعل رمزي لتحديد ادوارهن حول مفهوم الأخذ والعطاء، وتوازن العلاقات مع كل الناس. لماذا تعطي الآخر وهو لا يعطيك؟ كيف تعرف اذا كان يحبك وهو لا يعطيك في اشارة الى الطحان الذي اخذ ولم يعط على الرغم من عدم حاجته وبهدف الاستغلال فقط، ولماذا ومتى يكون التنازل؟

وتشير المخرجة الى ان المسرحية تركت أثرا لدى الفتيات وطرحت تساؤلا عن هذا الحب الذي يجعلني اتعذب على حساب قيمة نفسي؟ وانه كان الأجدر ببائع الورد ان يحب نفسه في البداية قبل ان يطلب الحب من الآخرين، وتؤكد على ان هذا الأمر ساهم في تفتيت هيمنة الفتاة القوية على الأخريات وعلّمهن العمل في مجموعات لحل المشاكل، ما سيفيدهم في حياتهن المستقبلية وفي تعاملهم مع قضية الحب تحديدا.

تنمية الدهشة

وتنوه دودين بغياب المنهج العاطفي من الكتب الدراسية، وتشدد على اهميته بقولها: "من خلال هذا المنهج يتساءل الطفل من انا؟ وما علاقتي بالكون وعناصره؟ وهذا بدوره ينمّي محور الدهشة لديه ويوعيه اكثر بذاته. فالمفكرون والمخترعون بدأوا بسؤال ما صاغ كينونة انتاجهم لاحقا".

وتشدد دودين على اهمية اعطاء الواقع قيمة وربط العلم بثقافة العلم، متسائلة: "لماذا لا نثقف الأطفال من خلال المناهج  بأحداث وحقائق مرتبطة بما يتعلمه؟ مثلا لا يوجد ما يعرّف الأطفال الصغار عندما يبدأون بكتابة اي شيء عن كيف شكل الانسان الأول الخط، ولا وجود لقصة عن دلالة الخط بالحضارة العربية الاسلامية وما هي الثقافة التي نريد ان يحملها الطفل اثناء تعلمه لهذه المهارة".

وتشير دودين كذلك الى غياب ثقافة تجعل استيعاب مفاهيم كحقوق الانسان وربطها مرتبطة بسياقنا العربي الاسلامي التنويري، مستشهدة بمحنة ابن حنبل عندما عذبوه لرفضه الإجابة عن سؤال هل القرآن مخلوق، وابن رشد وحرق كتبه في الأندلس، وتتابع: "لماذا لا توجد محطات حول قصص تاريخية لعلماء مثل جاليليو في نضاله لإثبات فكره وتحديه لسلطة الكنيسة التي وضعت السلطة الدينية في المقدمة واعتبرت سلطة العلم نوعا من الكفر والزندقة "، معتبرة ان العلم اصبح مفرغا من ثقافته.

وترى دودين ان الفنون بصفتها وسائط ومداخل تجعل الأطفال اكثر قدرة على التأمل والاستكشاف لذاتهم وللحكايات الشخصية التي تؤنسن العلاقة بين الكون والطفل، وهذا بدوره ينمي قدرتهم كأطفال على التفكير الانتقائي الجوهري والإبداعي والتعبير باختزال وتلقائية بالوقت ذاته      ويحدّ من "ضجيج التفاهة" بحسب رأيها.

مراقبة ألم الذات والآخرين

وترى سمر ان الشفاء من الألم عملية اساسية في حياة الانسان، وان الفنون تجعل الطفل قادرا على ان يراقب ألمه وألم الآخرين من خلال الصورة او الرسمة او الموقف الدرامي المرتجل. وتضيف أن خلاصه وشفاءه يكمنان في العيش ضمن هذين المستويين، بما فيهما من تناقض. وتوضح قائلة: "هذان الفعلان فيهما تمكين عال لذات الطفل، بحيث يصبح العالم بالنسبة للطفل مسرحا له ادواته، ويعرف انه سيختار اما ان يكون جزءا من الدراما او يكون مراقبا عن بعد. وفي الحالتين فإنه متصل بذاته، ويؤصل صوته الداخلي"، وتزيد: "تماما كما كان وهو صغير.. يلعب ليستكشف ويتعلم بدافع ذاتي وليس من اجل الحصول على اهتمام احد او حكم الآخرين بعيدا عن اي  تظاهر"، وبهذا يكبر وهو قادر وواع لقوته واكثر تعاطفا مع ضعف الآخرين واكثر قبولا لأخطائه.

واخيرا تقول دودين ان "عملية التأمل في تلك المساحة القصيرة في اللحظة تمكن الطفل ان يتأنى في تفكيره وحكمه على موقف يبدو للوهلة الاولى عاديا وغير مهم. وعندما يستكشف الطفل المفاهيم والمعاني من خلال وسائط الفنون الابداعية فانه يوظف خياره في ان يرى ما يريد، وان يؤصل ترجمته الخاصة بما يمر به، او يكون شاهدا عليه وان يبحث فيما لا يعرف وان يبقى مسكونا بدهشة هذا الكون وعناصره، فيكون مع كلية الكون والكينونة حرا وصادقا وشجاعا يراقب ويلعب في توازن دائم بين الفعل والتأمل في الفعل ليمتلك المعاني وليتمكن من قوة التعبير والتفكير."

يذكر ان دودين تعمل  كمخرجة مسرحية مستقلة وتنتهج اسلوب ورشة العمل الجماعية مع الاطفال والشباب لإنتاج مسرحها وهي مؤسسة لتكوين ورشة المسرح والفنون ومستشارة في مجال توظيف الدراما والفنون كوسائط للتعلم وعضو مؤسسة لمبادرة شبكة الإبداع، كما أنها عضو في مجلس أمانة عمان الكبرى.

(تصوير ساهر قدارة)

 

التعليق