المتنزهات العامة .. متنفس مجاني للهروب من ضغط العائلة

تم نشره في السبت 4 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • المتنزهات العامة .. متنفس مجاني للهروب من ضغط العائلة

        نسرين منصور

عمان - "الكرة تتدحرج" تصرخ جواهر على صديقتها هيفاء لالتقاط كرة الطائرة التي تنحرف كثيراً عن مسارها بفعل الهواء. تركض هيفاء وتتبعها رفيقاتها الأخريات. دقيقة واحدة وتعلو أصوات الفتيات بالضحك والفرح على مشهد واحدة منهن وهي تحاول الامساك بالكرة.

    أطفال يركضون، وآخرون يطيرون فرحاً كلما زاد علو المراجيح وسيدات يجلسن هنا وهناك يتبادلن أطراف الحديث، وشباب يحتسون قهوتهم المفضلة في الهواء الطلق، ووحده نضال يمارس رياضة المشي.

    هذا المشهد ليس لقطة سينمائية لواحد من الأفلام الاجتماعية العربية، بل مشهد يومي يتكرر في "حدائق الحسين" قرب المدينة الطبية، وهي واحدة من الحدائق والمتنزهات التي زاد عددها أخيرا لعدم توفر الأماكن المخصصة للعب الأطفال وحاجة الناس للتنفيس والهروب من ضغوطات الحياة اليومية إلى الهواء "الطبيعي"، وهو ما يعكس حاجة اجتماعية واقتصادية.

    تسابق هيفاء باقي رفيقاتها وتبذل كل جهدها لالتقاط الكرة. تقول هيفاء وقد عادت ومعها الكرة: "أفضل القدوم إلى هنا مع رفيقاتي على الجلوس في أحد الكوفي شوبات، لأن المساحة واسعة والهواء نقي بعيداً عن دخان الأرجيلة"، مضيفة أن "الجو العام للحدائق بشكل عام مريح لأنه عائلي، كما أن المساحات الواسعة تتيح لنا التحرك واللعب بحرية وهذا غير متوفر إلا في المتنزهات".

    وتتفق صديقتها جواهر، الموظفة التي تبلغ من العمر 23 عاماً، على أن "الهواء النقي يساعد الانسان على الاسترخاء والصفاء من مشاكل الحياة اليومية وضغوطاتها"، لافتة إلى أنها تتردد باستمرار هي وصديقاتها للقدوم هنا للترفيه عن أنفسهن غالباً بعد الانتهاء من العمل.

    واعتاد نضال التوتنجي "رجل أعمال" على القدوم إلى حدائق الحسين لممارسة رياضة المشي مع زوجته ريثما ينتهي أطفالهما من اللعب. ويعتبر التوتنجي مثل هذه الحدائق العامة مكاناً آمناً يقضي فيه أطفاله وقتاً ممتعاً بعيداً عن مخاطر الشارع والسيارات مبيناً أنه "إضافة إلى المساحات الواسعة، فإن المكان نظيف وآمن وقريب من البيت".

ويشعر التوتنجي بالراحة النفسية لدى عودته إلى منزله بعد قضاء ساعة أو أكثر في الهواء الطلق بالاضافة إلى ممارسته لرياضة المشي التي يحبها.

     وتشجع زوجة التوتنجي على انشاء مثل هذه الحدائق والمتنزهات التي تساعد المواطن على اراحة أعصابه واستنشاق الهواء النقي من غير مقابل.

    وعلى رغم قلة الأماكن المخصصة للعب الأطفال، إلا أن غالبية العائلات تتجه إلى الحدائق والمتنزهات العامة لأنها مجانية، على رغم عدم وجود أماكن للعب كما في الأماكن المخصصة لذلك. فبعض هذه الأماكن يكون الدخول إليها بمقابل مادي، وعادة ما يكون هذا المبلغ كبيرا لا تستطيع أغلب العائلات اصطحاب أطفالها إليها خصوصاً إذا كان هناك أكثر من طفل في العائلة الواحدة.

     فها هو أحمد بشير (موظف) أب لخمسة أطفال لا يملك خياراً أمامه عندما يشعر أطفاله بالضيق والملل بما وصفه "بالأربعة حيطان"، إلا القدوم هنا ليتمكن أطفاله من اللعب والركض.

    ويعلق بشير بالقول إن "المطاعم السريعة فيها زوايا مخصصة للعب الأطفال، ولكن الوجبة هناك مكلفة ووضعه المادي لا يسمح له بذلك"، منوهاً إلى أن "دخوليات الأماكن المخصصة للعب الأطفال باهظة الثمن".

    وكما يشعر الأطفال بحاجتهم للانطلاق واللعب بعد يوم دراسي شاق، فإن المراهقين أيضا في حاجة إلى تجديد طاقاتهم أيضاً. ويشير حمزة زهران (16 عاماً) بأنه يأتي إلى شارع الثقافة هو و"شلة" من اصدقائه لركوب لوح المزلقة وتعلم حركات وفنون مختلفة خاصة بهذه اللعبة والتي يعتبرها حمزة المفضلة لديه.

    ويتابع حمزة "الأرضية الرخام تساعد على الانزلاق بسهولة، وتدرجات الأرض والأدراج تمكننا من الصعود والنزول وعمل حركات مختلفة وهذا غير متوفر في مكان آخر".

    ويقضي حمزة هو وأصدقاؤه في هذا المكان ما يزيد على الثلاث ساعات يومياً بعد مغيب الشمس تقريباً مطالباً في حديثه بتوفير وانشاء أماكن مخصصة فيها مساحات كافية لممارسة التزلج".

    وفي ظل تعدد القيود وغياب تنمية القضايا الشبابية وتفعيلها اعتاد أحمد عطا (23 عاماً) أن يأتي في فترات مغيب الشمس إلى حدائق الحسين أو حديقة الألفية الواقعة خلف جريدة الدستور عندما يشعر بأن الدنيا ضاقت من حوله.

    ويصف أحمد الجلوس هنا بأنه دنيا مختلفة عن الواقع الذي نعيش فيه، وأحياناً ينسى الشخص نفسه أمام المناظر الطبيعية كون المكان مرتفعا ويطل على مشاهد جميلة، بالاضافة إلى أن يوجد نوع من الاستقلال هنا فلا أحد يطالع الآخر أو يضايقه.

    ولا يختلف أحمد في رأيه عما سبق في كون الأماكن المفتوحة تساعد الانسان على إراحة أعصابه والتخفيف من همومه ومشاكله، فهي بالنسبة لأحمد تدخل في باب "الحاجة".

    ويرى خالد مرعي (29 عاماً) أن الحدائق والمتنزهات العامة يحتاج إليها كل انسان بغض النظر عن عمره وشريحته، لافتاً إلى أن "الناس في النهاية بشر من أحاسيس ومشاعر وفي حاجة إلى الهواء الطلق".

وخالد يعد مثالاً على جيل من الشباب الذين يعملون في شركة محاطة بجدران اسمنتية. والأمر بالنسبة له عند مغادرته العمل لا يختلف كثيراً، فهو ينتقل من الجدران الأربعة الاسمنتية إلى أخرى مع اختلاف شكلها فقط. ويتردد خالد باستمرار على حدائق الحسين هو وزوجته وطفله مرتين في الأسبوع تقريباً.

     ويلمس خالد نوعاً من الطاقة الايجابية والحركة لدى جلوسه في الحديقة ومراقبته حركة السيارات وسماعه لصوت الأطفال، فهو من وجهة نظره يعطي دفعة وحماسا للانسان للاستعداد ليوم جديد.

    ويجلس عصام أبو صلاح (26 عاماً) على أحد المقاعد في شارع الثقافة يدخن سيجارته وبجانبه عدد من زملائه في العمل ويقول بأنه "يأتي مع وزملائه في العمل إلى هنا لأن التدخين ممنوع في شركتهم وهذا أقرب مكان لهم للجلوس فيه". ويزيد أن "هذا الفراغ يريح الأعصاب ويغير الأجواء العامة لنفسية الانسان ولو لعدة دقائق، وبالرغم من أن فترة الاستراحة بسيطة الا أنها كافية للاسترخاء".

    ويؤكد عصام أنه "لا يجلس في الحدائق مثل أغلب الشباب الذين يجلسون بالساعات بلا سبب وهدر للوقت"، قائلاً  "أنا لست فاضي أشغال".

    وتعتبر المتنزهات والحدائق العامة أيضاً مكاناً لالتقاء العشاق بعيداً عن أعين الناس ويشير أحد العشاق الذي أعرض عن ذكر اسمه بأنه "يأتي إلى حدائق الحسين مع عشيقته لأنها بعيدة عن الصخب والضجيج وملاحقة أعين الناس"، ولافتاً إلى أن "الحب ما يزال مرفوضاً في مجتمعنا، لذلك فهو يلجأ للجلوس مع حبيبته لتبادل أطراف الحديث معها هنا لتجنب المشاكل لحين ارتباطهم".

     من الواضح أنه في ظل الوضع الاقتصادي المعاش وروتين الحياة اليومية القاتلة بات الناس في حاجة إلى متنفس يتيح لهم الخروج من أجواء الواقع إلى عالم أقرب إلى الخيال، فيلجأون إلى الحدائق والمتنزهات العامة، لأنها مجانية، بدلاً من صرف نصف راتبهم بين أربعة جدران اسمنتية.

التعليق