"من الشعر الى الرواية ": الاعتماد على التشظي والزمن المكسر

تم نشره في الأحد 22 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً

       راجعه/ زياد العناني

    يعود الناقد د. ابراهيم خليل في كتابه "تيسير سبول- من الشعر الى الرواية" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في مقدمته الى رحيل سبول المفاجئ والفاجع مذكراً باحتفاظه بسره الذي لم يبح به لأي انسان باستثناء ابيات شعرية قليلة تؤلف مقطوعة توشك تكون رثاء الشاعر نفسه يؤكد فيها ان الحياة- بين قوسين- وهم يقوده الى حيث لا يدري وهو ايضاً في هذا العالم لا يفتأ يتخبط غريباً بلا ملامح لا يعرف مبتدأ امره ولا منهى غايته والشيء الوحيد الذي يعرفه هو النهاية التراجيدية: السقوط الذي هو الموت المأساوي معبراً عنه بالظلام: "سأسقط لا بد أسقط يملأ جوفي الظلام عذيرك بعد اذا ما التقينا بذات منام تفيق الغداة وتنسى عليك السلام عليك السلام".

     ويرى د. خليل ان معظم الذين كتبوا عن تيسير سبول قد اهتموا بمأساة انتحاره وتركوا لاقدامهم ان تصول وتجول فتفصل مأساته على هذا المقاس او ذلك فهو لم يدع رسالة واضحة تحدد لنا الاسباب التي دفعته دفعاً الى الانتحار لذا اختلفت الآراء وتباينت الاستنتاجات والظنون واكثر الآراء مدعاة للقول انه اطلق النار على نفسه في مثل هذا اليوم- قبل واحد وثلاثين عاما- احتجاجاً مذكراً بمحاولة (عربي) بطل روايته الوحيدة- انت منذ اليوم- الانتحار بتناول علبتين كاملتين من الاسبرين ثم تراجع عن ذلك حين اصغى لصوت المؤذن متذكراً امه التي كانت تقول دائماً: "لا بد ان يأتي للحزينة يوم تفرح فيه".

     كما يرى د. خليل ان بعضهم ذهبت به مطاوي الظن مذاهب اخرى فقيل: ان عذاباً نفسياً حل به نتيجة تهديده بمرض عضوي وبعضهم رأى في نشاطه الروحي في اخره من ايامه سبباً لذلك مشيراً الى ان معرفة الاسباب التي ادت الى انتحاره لا تؤدي بالضرورة الى التشاغل بسيرة الكاتب الشاعر عن قراءة اعماله الشعرية وروايته المذكورة لافتاً الى عدم مسوغ لهاتيك الاطاريح التي كتبت عن حياته ومماته متجنبة الخوض في اعماله على ما تتسم به من قلة العدد اذا قيست بأعمال غيره من المكثرين.

    ويتطرق د. خليل الى مجموعة تيسير سبول "احزان صحراوية" التي اكدت بصدورها تلك البشارة التي لاحت في قصائده الاولى المنشورة في مجلة "الافق الجديد" مشيراً الى انه لفت الانظار بلغته القائمة على الايحاء والتصوير والتشخيص والرمز المكثف وموسيقاه الجديدة التي لا تستخف بقيمة الايقاع الداخلي والتوازن الصوتي الخارجي ولا تفتأ تنهل من ينابيع الشعر المصفى من آثار الاندلسيين القدماء وحتى من شعر المعاصرين معتبراً ان الناظر في اشعاره يتوقف عند عناوين كثيرة تجد الشعور بالتناقض:

شتاء لا يرحل/ لحظات من خسب/ اغنيات الضياع/ قطعة قلب للبراءة/ رعب/ كلمات قليلة/ عصفورة قلبي.

     مبيناً ان قصائد سبول لا تحتاج من قارئها الى التكهن او الرجم بالغيب فأكثر ما يلفت النظر فيها شدة شفافيتها مع كونها نسخة مطابقة لقصائد الحداثة في ذلك الحين مشيراً الى ان تيسير قد استطاع ان يجمع بين مكتسبات القصيدة الجديدة والحفاظ على الحبل السري الذي يشدها الى رحم الشعر العربي شداً وعلى هذا الجسر الذي اوله في القديم واخره في الحديث يعبر الكثير من الايحاءات والصور والتعبيرات المجازية الجديدة.

    كما يتطرق د. خليل الى رواية تيسير سبول الوحيدة "انت منذ الآن" التي فازت بنصف جائزة النهار للرواية العربية 1968 والتي وضعته على قدم المساواة من الروائيين الاردنيين والعرب والتي وضعت وقرنت برواية "الغريب" لـ "كامو" او برواية "فريفو النقول" لـ "اندريه جيد" مستذكراً ذهاب ناقد الى ابعد من ذلك حين عدها اول رواية عربية كتبت بطريقة رواية ما بعد الحداثة وهي في رأي د. مجذوبة اسبق من رواية فونوجيه "التي تعد اول رواية ما بعد- حداثية في الادب الغربي والتي صدرت في العام 1969 اي بعد سنة واحدة من رواية تيسير المذكورة.

    ويشير د. خليل الى بناء رواية "انت منذ اليوم" المعتمد على التشظي وعلى الزمن المكسر وعلى الحبكة المفككة بدلاً من الحبكة المتماسكة وعلى اختلاط الراوي المشارك (المسرح) بالراوي الموضوعي الذي يستخدم معه المؤلف ضمير الغائب الى جانب الفجوات الكثيرة التي يبثها المؤلف بين المواليات السردية وهي فجوات تتخلل النسيج السردي فتؤدي الى انتقاء التماسك وتغييب التسلسل الشريطي في الحوادث مما يستدعي تدخل القارئ لملء الفجوات وتعبئة الفراغات مذكراً بكلمة "جاك دريا" عن القارئ الذي يسهم الى جانب المؤلف في استكمال النص" علاوة على ان سبول بتجنبه الاحداث الاكرونولوجي والتعويض عنه بتقنية المرواحة في الزمن زاد من تعقيد النسيج السردي مستشيراً قدرة القارئ على تجميع ما هو متفرق وفوق هذا نجده يكتفي عند تقديم الشخصيات بأنصاف النعوت تاركاً الشخصية نهباً لما يجري حولها من حوادث.

    ويؤكد د. خليل على ان رواية تيسير سبول قد أثارت بأساليبها الجديدة ولغتها الحيوية اللاذعة في بعض الاحيان فضول الكثير من الباحثين فكتبت عنها عشرات المقالات والدراسات والبحوث واهتم بها عدد من النقاد مثل: عبد الله ابراهيم وسعيد يقطين ومحسن جاسم الموسوي واحمد مجذوبة والياس خورس وعام محفوظ وخليل الشيخ وفخري صاع وسليمان الازرعي وكلهم عدها من الروايات النادرة الرائدة شكلاً ومحتوى لا سيما اذا أخذت في السياق التاريخي الذي صدرت فيه وهو اواخر الستينيات عندما لم تكن الرواية العربية قد خطت خطواتها الاولى في طريق الحداثة.

    كما يؤكد د. خليل على ان رواية سبول كانت كشعره قطعة قلب- يتخللها الشعر والتاريخ والسياسة والاعلاميات والسرد القصصي والسرد الذاتي- السيرة- ومن هذا المزيج كله صاغ تيسير ادانته للواقع العربي عشية الخامس من حزيران يونيو 1967 وعرى القيادات والتكتلات والاحزاب الطبقية المثقفة من اوراق التين.

التعليق