المعطن قرية أردنية نسيها أهلها فحافظت على ذكرياتهم

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً
  • المعطن قرية أردنية نسيها أهلها فحافظت على ذكرياتهم

    قرية المعطن " البقيع" من القرى الأردنية، التي ترعرع بين جنباتها وفي احضانها، اجيال واجيال وباتت الآن خالية إلا من بقايا بيوت مهدمة نزعت سقوفها لاستخدام اخشابها كحطب للتدفئة ولحرق بقايا ذكريات عاشها اهلها زمنا، كان فيه مكان للتامل استبدل بزمن، يشهد هروبا من الماضي بسبب التغيرات المادية التي أضحت تسيطر على تفكيرنا والتي جردتنا من عواطفنا وماضينا، وبتنا نلهث وراء سراب ضنك الحياة وقسوتها لتمر بنا الأيام والسنون مسرعة لنفتقد كنه الزمن والمكان.

    هذه إحدى قرانا الأردنية ،التي تحكي قصصا من ماض رائع مضمخ بحناء الطيبة وعبق الماضي. جاءت تسمية القرية حسب رواية كبار السن  من " عطن الجلود" اي دباغة الجلود، حيث كانت مشهورة بكثرة الأغنام فيها ويقال كلمة "المطن" جاءت من المكان الذي" تبرك" فيه الإبل والمواشي وتطل قرية المعطن على وادي سحيق يسمى وادي "الهيج " يشكل مقطعا صخريا عموديا شديد الانحدار الى عمق يتجاوز الـ" 800" متر وهو ذو تركيبة رملية، وردي اللون كثير الكهوف على طول الفالق الصخري .

    وقبل قرابة  100 عام عجت طرقات البقيع " المعطن " بالرائح والغادي منذ صياح الديك معلنا بدء النهار، والنهار في القرى يبدأ مبكرا نشيطا مع تباشير الضوء الاولى،وليس كنهار المدن متثائبا يبدأ في وقت الضحى بعد أن تكون الشمس قد اسرت جزءا كبيرا من مساحة الأرض,كان الناس بهذه القرية لايزيد عددهم عن الثلاثمئة نسمة، ورغم القلة في عدد سكانها،إلا أن التعاون بين الجميع كان شعارهم دائما، فيبدأ نهارهم بالعمل المضني الجاد الذي كانوا يستسيغون طعمه وكأنه العسل، فرغم الشقاء والبؤس والحاجة ،إلا أن الجميع استطاعوا أن يعيشوا حياتهم كما يرغبون وليس كما ترغب الحياة، فتسمع أنغام شبابة الراعي تصدح سمفونية الأمل وهنالك مجموعة من الفلاحين يحصدون سنابل القمح الذهبية وترتفع عقيرتهم بالغناء " منجلي ومنجلاه " الى آخر هذه الأغنيات الحنونة ،التي تبعث في النفس الراحة والهناء.كما ترى مشهدا آخر، صبايا القرية يذهبن" زرافات" وعلى رؤوسهن جرار الفخار، يردن نبع القرية التي تظلله اشجار الخروب والسدر لجلب الماء الى المنازل. ومشهد وقت العصر عندما يتحلق الرجال حول " السيجة " يلهون بها حيث انها من الوسائل القليلة للترفيه،غير عابئين بمرور الوقت ومشهد النساء الذاهبات الى " الطابون " لإعداد الخبز يحملن صحونا فخارية مليئة بالعجين وبعد فترة قصيرة يخرجن ويحملن على أطباقهن المصنوعة من القش الملون، أرغفة خبز الطابون وردية اللون، الذي افتقدنا نكهته واستعضنا عنه بخبز الأفران الآلية وخبزها المصنوع من القمح الأبيض الذي لانكهة له، فخبز الفلاحين فيه نكهة لايمكن أن تتوفر في غيره ففيه نكهة الأصالة والبساطة والطيبة.

    كل هذه المشاهد وغيرها مرت على شريط الذكريات في هذه القرية وبقية القرى الأردنية الحبيبة ،ولكن الحال اليوم تغير بالنسبة " للمعطن " فهي الآن خالية تماما من السكان ينعق البوم على بقايا بيوتها وخرائبها فتركها أحبتها الى غير رجعة اليها، فهنا سنديانة يبست وعين الماء التي كانت تدعى " عين الأعور " جفت، وتسمرت أشجارها الكثيفة في مكانها وتلفحت برداء الجفاف، والبؤس ولاترى إلا القليل من اشجارها مازالت فيه بقية من حياة وبعض شجيرات " الصبر" التي تحملت العطش والهجران فبقيت متشبثة بالحياة على أطراف القرية الموحشة، وبقية دار تهدمت فظلت اقواسها وقناطرها ثابتة رغم عاديات الأيام. تسير في ازقتها الخالية إلا من الوحشة فقد رحل الجميع عنها، تاركين ذكرياتهم وأحلامهم مدفونة بين أنقاضها، و"يادار مية بالجواء تكلمي وعم ... . فلا صوت لناي راعي الغنم ولا "هرج" كبار السن ولا ضحكات الصبايا لتسمع فقط صوتا واحدا هو صوت الهجران.

التعليق