تعليم اللغات في الصغر كالنقش في الحجر أم خطر؟

تم نشره في الأربعاء 4 أيار / مايو 2005. 10:00 صباحاً
  • تعليم اللغات في الصغر كالنقش في الحجر أم خطر؟

      برلين - أعاق اعتزاز الأمم الأوروبية بلغاتها تعلّم أبنائها للغات أخرى. غير أن الاتحاد الأوروبي ودخول زمن العولمة أظهرا حاجة ماسة إلى اتقان أكثر من لغة. ويرى الكثير من الخبراء أن ذلك يشكل حجر الأساس للمستقبل.

      فلوقت طويل سادت قناعة في ألمانيا مفادها أن تعليم اللغات في الصغر يشكل عبئاً على كاهل الطفل وثقلاً يمنعه من التمتع بطفولته. غير أن دراسة "بيزا Pisa" العالمية التي تقيم نظام التعليم في الدول المختلفة غيرت هذه النظرة ودفعت إلى إعادة التفكير في قضية تعليم اللغات للأطفال.

      وبدأت المقارنة مع بعض الدول الأفريقية والدول الأوروبية، حيث يتعلم الأطفال هناك عدة لغات إضافة إلى لغتهم الأم. وبدأ الباحثون في الدراسات المفصلة على أثر تعليم اللغات في الصغر، وهل القدرة على تعلمها موهبة حرم منها البعض وامتاز بها البعض الآخر؟

وفي هذا السياق أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن تعليم اللغات في الصغر سيساعد على ملء ثغرات النظام التعليمي الألماني في المدى البعيد.

 وعلى هذا الأساس بدأت كل المدارس مع بداية العام الماضي في تعليم اللغة الأجنبية منذ الصف الثالث الابتدائي.

التعليم في الصغر كالنقش في الحجر

       في حديثه لمجلة "سودويتشه تسايتونج Süddeutschen Zeitung "، أكد الباحث اللغوي يورجن مايزل أن الفترة الأمثل لتعلم اللغات هي ما بين سن الثالثة والخامسة، حيث يستطيع الطفل التقاط الأصوات اللغوية وقواعد النحو بسرعة كبيرة فيمكنه بالتالي التمكن من النطق بدقة مثل أصحاب اللغة الأصليين، ويضيف أن الوقت يصبح متأخراً مع تجاوزه لسن العاشرة.

 وقد أكدت دراسات علم الأصوات اللغوية، الفونولوجيا أن المجال الصوتي يتكون في سني العمر الأولى، لذلك يكون من الصعب على من ضاعت منه فرصة تعلم اللغة في الصغر أن يتمكن من النطق بشكل سليم.

كما أن ذاكرة الطفل الأكثر نشاطاً تمكنه من جمع أكبر قدر من المفردات. ومما يزيد من كفاءة الأطفال في التعلم هي قدرتهم على التقليد دون خوف من الخطأ في الكلام، فيرتفع مستواهم بسلاسة ويسر.

 ولا تأتي اللغة دون الثقافة التي أنجبتها، لذلك يعتبر تعليم اللغة منذ الصغر توسيعاً لآفاق الطفل.

من ناحية أخرى يدرك الطفل معنى الاختلاف، ومعنى وجود لغات وتعريفات أخرى مختلفة عما تعوده في لغته الأم مما يوسع قدرته على التعامل مع الآخرين.

 كما يسهل إدراك هذه الاختلافات تعلم لغات جديدة في الكبر. بل وتذهب بعض الأبحاث إلى أن اللغات توسع مدارك الطفل وتحسن من مستواه حتى في مجالات الدراسة الأخرى كالرياضيات والعلوم.

دور تعليم اللغات في دمج الأطفال الأجانب

      يزيد سنوياً عدد أبناء المهاجرين في المدارس الألمانية حيث تصل نسبتهم إلى حوالي 10% من العدد الإجمالي للسكان. وبينما يعاني بعض هؤلاء الأطفال من ضعف المستوى في حصص اللغة الألمانية، تتيح لهم اللغة الأجنبية الفرصة لإثبات ذاتهم دراسياً والاندماج مع زملائهم. ففي حصص اللغة الإنجليزية يبدأ الجميع من الصفر في تعلم اللغة، مما يجعل مستواهم متقاربا، ويفتح ذلك مجالاً أوسع للحديث بينهم. وعادة ما يظهر أبناء المهاجرين قدرة أكبر على تعلم لغات جديدة، خاصة من ولد منهم بألمانيا كونهم تعودوا الاستماع إلى لغتين مختلفتين.

      بينما اهتمت الدراسات العلمية بتعليم اللغات الأجنبية في الصغر الذي ينشأ في عائلة أحادية اللغة تراها أهملت حالة أبناء المهاجرين وأبناء الأقليات اللغوية. فتعلم اللغة الأجنبية الذي قد يساعد في اندماج أبناء المهاجرين قد يشكل في الوقت نفسه خطراً على اللغة الأم.

وبالفعل يعاني بعض من نشأ في عائلة مهاجرة من عدم التمكن من أي من اللغتين.

على سبيل المثال، في ألمانيا حيث يكثر عدد المهاجرين الأتراك، يعاني البعض من الازدواج اللغوي، فلا يمكنهم اعتبار التركية لغتهم الأم، كما أن تمكنهم من الألمانية لا يصل للدرجة الكافية التي تجعلهم على نفس مستوى زملائهم في المدارس.

 ويزيد هذا الخطر في العائلات ذات المستوى الاجتماعي المتواضع، خاصة إذا ما جهل الأهل اللغة الألمانية.

 وليست هذه المشكلة هي مشكلة الأجانب فقط، بل تظهر في العائلات الألمانية ذات المستوى المتواضع والتي تتحدث بإحدى اللهجات النادرة. ومازالت هذه النقطة في حاجة إلى اهتمام أكبر ودراسة علمية مفصلة.

 

التعليق