بائع الاقنعة .. مسرحية تسخر من الواقع وتدين الوصولية

تم نشره في الأربعاء 4 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً
  • بائع الاقنعة .. مسرحية تسخر من الواقع وتدين الوصولية

       عبد المهدي القطامين

العقبة - لم يكن كاتب مسرحية ( بائع الاقنعة) حكمت النوايسة يدرك بلعبته تلك كمكان يؤشر بدرامية بلغت حد الفانتازيا على مواقع التصيد التي يتقن لعبتها البعض ممن جعلوا من حياتهم  مسرحا مليئا بالمتناقضات والصدف.

وحين يؤشر الكاتب في بداية المسرحية على ان مسرحها الحياة باكملها فانه بذلك يدين الواقع الذي ليس فيه للمجتهد نصيب وانما تلعب الصدف والواسطات وحدها كل دور محتمل لكينونة الكائن الذي هو انا الذات وانا الاخر كما تدل فصول المسرحية.

تتناول المسرحية مسألة خلافية متمثلة في غياب التقييم الحقيقي لدور الانسان المبدع وفي غياب وانحراف معايير التقويم العادلة فان صرخة الكاتب التي اطلقها في ثنايا النص ... لماذا ؟... تؤشر على اكثر من محمل واكثر من رؤية للازمة الاخلاقية التي يعيشها المجتمع.

وجسد /حمدان/ الشخصية الرئيسة في المسرحية دور البطل الفجائعي الذي تصنعه الاحداث بدون جهد وبدون استحقاق ولكن غياب العدالة صادر فرصة المجتهدين ومنحها لامثال حمدان وهنا بيت القصيد ومكمن ردة فعل البطل الذي انهار حين واجهه رفاقه بحقيقته المجردة ( انت ليس الا هامشيا تصنعه الاحداث كيفما شاءت وليس انت من يصنع الحدث) وهنا يعلن /حمدان / انسحابه ببطء من لعبة الحياة.

   وتحكي قصة المسرحية تفاصيل ومراحل حياة بطلها /حمدان / الفتى الذي نشأ على حب المال فيترك الدراسة مبكرا ليعمل ماسحا للسيارات ويتطور به الحال فيصبح تاجرا ثم مستثمرا في الانتاج الفني ليتحول اخيرا وبدافع الجشع الى الانتاج المسرحي ليقوم بالتاليف والاخراج والتمثيل مستعينا بزوجته كممثلة مساندة مستغلا علاقته غير السوية بها واستلابه لشخصيتها وخنوعها لكل مطالبه المسرحية.

وحمدان الذي يعتمد المسرح المفتوح في اشارة إلي الحياة بشكلها العام يتقمص دور كل الشخصيات إلى ان يكتشفه رفاقه ذات مساء فيحاولون تخليص الزوجة المسكينة من سيطرة الزوج بكشفهم شخصية حمدان الوصولية وبذلك يتسنى لهم تحرير عقل الزوجة من هيمنة حمدان عليها واستغلاله لها.

   وتتوالى المشاهد الاخيرة في الفصل الاول للمسرحية ببدء عذابات البطل الفاقد لمعنى وجوده في زحمة الحياة المؤرقة صارخا في ذاته المتعبة ( من انت ؟ فيأتيه الجواب من جوانيته المفرطة في عذابها بعد ان اضاع زوجته / سناء / لا تظنني ضميرك . فضميرك قد مات منذ زمن. انا اعرفه جيدا .لقد كان لا يقوى على مقارعتك ايها الشر لقد مات منذ ان تحايلت على صاحب المسرح،من انت ؟

ويستمر بالدوران والسؤال بينما تأتيه اصوات متداخلة بين غناء وتصفيق وضحك ويصرخ بالجمهور المفترض في المسرح الخالي الا من ذاته المتعبة اخرجوا .. كلكم اخرجوا وتسدل الستارة).

وفي المشهد الاول من الفصل الثاني يعري الكاتب الواقع تماما على لسان عدنان الذي هو حمدان الذي هو انا وانت في مسرح الحياة فيروي في معرض نقده لكل ما هو قائم من اختلالات في التركيبة البنيوية الاجتماعية والاقتصادية.

   وجسد مشهد المسؤول الكبير في مكتبه يمارس حياته المعتادة كمتسلط على صهوة كرسيه العمومي راجعه احد اقاربه واصدقاء الطفولة وطلب منه مساعدة ما ، فتلكأ المسؤول ، وتناقشا واحتدم الجدل واوصلهما إلى طريق مسدود فنهض المراجع غاضبا ووقف بالباب والتفت إلى المسؤول قائلا :هي الصدف يا فلان ... يلعن ابو الصدف ... والا لم تكن شيئا يذكر.وما ان خرج هذا المراجع حتى بدأت العبارة مفعولها السحري في نفس المسؤول وتفكيره واخذ يستعرض شريط حياته مركزا على مفاصل الانتقال من حال الى حال ... الصدف ... اجل انها الصدف.

ويستمر عرض المسرحية في خلق التساؤلات التي اصبحت تدور في ذهن المسؤول .. ماذا لو جاء الذي غاب ... ماذا لو لم يتوف والد ذاك ؟ ماذا لو لم اجد الوساطة في الموضع اياه ؟ ماذا لو ان ذلك الموظف لم يغلط الى ان يجد ان الصدفة وحدها والواسطة احيانا تحتل بطولة رواية حياته.

   وتبدأ التناقضات التي تعيش دواخله تؤرقه كثيرا ولكن الرجوع الى الذات الحقيقية هي التي غلبت في اشارة الى فطرة الخير ويقرر ان ينسحب من المسؤولية ويعتكف بالبيت.

ويستمر الكاتب في خلق سيناريو حواري دلالي على لسان عدنان من خلال تحميله الاسئلة الصعبة التي اصبحت مدار حديثة يطرحها على كل من يزوره ويتصل به ( كيف اصبحت مديرا ؟ كيف اصبحت مسؤولا كبيرا ؟ من الذي كان ينافسك في الموقع ذاك ؟ من التي دخلت المكتب ذات يوما لتهمس في اذن المسوؤل الاكبر لتصبح بعدها كما اصبحت ؟ويعري الواقع المؤلم ولكنه لم يعثر على جواب في حين اعتقد الجميع انه لا بد من طبيب نفسي يعالج عدنان.

وتتطور فانتازيا الواقع إلى ما هو ابعد من المسؤول اذ تصل العدوى إلى الطبيب المعالج نفسه حين يقنعه المسؤول باستعراض مسيرة حياته ليجد ان الفرص وحدها جعلت منه طبيبا فيترك الطب امام ضغط الذكريات التي اودت ثقته بنفسه وجعلته يحصل على شهادة الطب بالواسطة بدلا من طالب مجتهد اخر لم يكن يمتلكها.

   بائع الاقنعة اخيرا لا يجد من يبيعه فالكل يتقمص شخصية مختلفة عن ذاته والكل يلعب

دورا فرضته علية الفرص حتى غدت الوجوه الحقيقية زائفة ومستعارة بدون اقنعة ويبقى اللاعب الاساس في المسرحية كاتب النص حكمت النوايسة الذي تعد هذه المسرحية اولى اصداراته في هذا الفن بعد اربعة دواوين شعرية كان اولها العزف على اوتار مقطوعة والصعود إلى مؤتة وكتابين نقديين.

التعليق