الزهور البرية .. تشدو بأغنية الربيع في بلادنا

تم نشره في الخميس 7 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً
  • الزهور البرية .. تشدو بأغنية الربيع في بلادنا

    من بين شقوق الصخر, وعلى مدى سهول الاردن،ووديانه، وتلاله، وهضابه العاليات، تنتشر هذه الايام زهوره البرية من كل نوع وجنس ولون, اكثر من 250 نوعاً منها تحيل ارضنا الحمراء والسوداء الى جنان تزاحم فيها الالوان الى معارض نظمتها يد الطبيعة المباركة ونسقها الخالق المبدع, بنفسجي يزاحم ابيض الشقائق واحمر الدحنون, اصفر النرجس يجاور جنون اللازورد, وفي البال عوسج طالع من حكايا الفداء. لوحة ساحرة تفرد بهاءها على مساحة ايام او اسابيع قبل ان تطوي اهدابها ملوحة بخيلاء وزهو واعدة بعودة منتظرة في ربيع اخر...

وربيع بلادنا ليس كمثله ربيع، حقل من الخضرة الطازجة تتخللها الوان الزهر البري بسواسنها الكثيرات وعلى رأسها السوسنة السوداء والزهور جميعها وفريدة الروعة وعالية المقام بينها, ولأنها الاجمل والاروع فإن اقامتها لا تطول تاركة قلوب عشاقها تذوب شوقاً وانتظاراً اطلالة اخرى لها في موسم اخر.


      ولوحة الزهر ليست قصيدة شعر لأن فيها ملمح اكثر مصداقية من القصائد, وفيها صنعة اكثر إتقاناً وموسيقى اكثر انسياباً, لوحة الزهر سبب للقصائد وعنوان للجمال المستحيل، هذا الذي يقف امامه البشر مجرد متأملين لتفاصيل الابداع فيه دون ان يكون لهم دور حاسم في المسألة, وعندما يقرر الناس وضع لمساتهم في اشياء الطبيعة يفسدونها ويحولونها الى مشاريع استثمار معلبة, والى فسحة ممكنة للعبث والتحوير الوراثي والتطوير الجيني غير الطبيعي الفاقد لنباهته الاولى وبريقه الاول وفوضى توزيعه التلقائي في حقول الارض وفضاء البرية المفتوح على الاحتمالات والخيارات.


      يد البشر دائماً صديقة طيبة حنونة على افق الطبيعة ومفردات الكون, ولها في المسألة تاريخ اسود من الحرق والجرف والتلويث والتدمير المنهجي واللامنهجي, فنيران الحروب تحرق وداعة الزهر وتحيل حقول الخضرة الى رماد حزين, وعقود النرجس التي سرعان ما تذبل فوق صدور البنات ما هي الا محصلة اجتثاث آثم للزهرة المزهوة بجمالها من امها الارض وقطع مقصود لأوردة الحياة في عروقها.


      صحيح ان الزهر البري سيغفو ذبولاً في باطن الارض ان آجلاً او عاجلاً, ولكن تركه ينعم بدورة الطبيعة ويخضع لمنطقها القائم منذ آلاف السنين هو حاجة ملحة له ومتوالية يفهمها وتفهمه ويقبل بشروطها، ويطلع عندما يحين موعد الطلوع ويبيت سباته الفصلي عندما يحين موعد السبات والاحتجاب المؤقت عن عيون المعجبين والمفتونين برومانسية الارض وشرعة الفصول - اما ان تتدخل يد الانسان مصرة على فرض وجودها وكلمتها فهو ما ترتعش له اهداب الزهر خائفة ضعيفة الجناح.


      هي اغنية الارض تموسقها فراشات الحقول, وترددها فراخ الزهر الطالعة من ابصالها وعروقها وابتسامات الصخر الممسكة عصا الصولجان فيها . هي اغنية الارض الطالعة من تقلبات اذار ووداعة نيسان وعبقه واشواقه وذكريات العشاق فيه.


      هي اغنية الارض تحكيها الوان زهور لا تنتهي .. يكتبها الدحنون بدمه والاقحوان بطبيته والشقائق بكرمه الفسيح، والنرجس باعتداده الاسر واسطورته الخالدة .. هي اغنية الارض المجدولة فوق سهول الريان وذيبان والصبيحي ووادي شعيب والموجب والمشارع واطراف عمان وتلال العالوك وجبال الكرك والطفيلة ومعان والشوبك هي اغنية الربيع في بلادنا


"من الف ضجرة وسوسنة وناي
من دفق عوسجة يطاردها هواي
من طيون شرفتنا
من دحنون عزتنا
من اساور زهر
تغفو في يداي".

التعليق