الانطلاق من الحاضر لصياغة سيناريوهات المستقبل الافتراضية

تم نشره في الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً
  • الانطلاق من الحاضر لصياغة سيناريوهات المستقبل الافتراضية

 استشراف المستقبل



   يأتي كتاب "استشراف المستقبل - اوراق المؤتمر العلمي التاسع" الذي عقد في 26 - 28 نيسان في العام 2004 وحرره وراجعه كل من د. صالح ابواصبع ود. عز الدين المناصرة ود. محمد عبيد الله وصدر عن منشورات جامعة فيلادلفيا ليكون مناسبة كبرى للحوار بين الاتجاهات والافكار المختلفة بداية لانفراج الحوار والتفكير العربي وصورة من صور الوحدة الفكرية التي لا تعارضها او تنقضها صورة القطرية السياسية في العالم العربي.


ويحدد د. عز الدين المناصرة في مدخل الكتاب الاطار الفكري للاستشراف بارتباط "دراسات استشراف المستقبل" بمقولة الزمن المتحرك من الماضي الى الحاضر الى المستقبل حيث يكون القياس منهجا للمقارنة مما يساهم في الاستشراف لينطلق من الحاضر لصياغة سيناريوهات المستقبل الافتراضية لافتا الى انه لا يمكن نسيان - مقولة المكان - لان المكان والزمان يتجادلان ضمن اطار واحد وهذا الاطار هو ما نسميه - جغرافيا الاستشراف ولا يمكن ان تكون هذه الجغرافيا معزولة او مسيجة بحدود مغلقة كما انها ليست مفتوحة على العالم بأسلوب اندلاقي مرتبك مشوش وغائم وهنا تبرز تعددية الهويات والثقافات كحقيقة موضوعية لا يمكن لاي مستشرف للمستقبل ان يتجاهلها.


ويرى د. المناصرة ان بعض دراسات الاستشراف تتخذ منهجية التوجيه المسبق للبحث نحو وجهة محددة  تعينها الحكومات لتحقيق اغراض عابرة عبر اسئلة ملغومة وعبر اسئلة موجهة وبالتالي تأتي النتيجة مطابقة لاهداف الحكومات ومتعارضة مع حقائق الواقع المدروس مشيرا الى ان الدول الديمقراطية تستخدم مثل هذه الدراسات للوصول الى الحقيقة النسبية من اجل التنمية او من اجل معالجة ثغرات التخلف والاختلالات الطبقية في المجتمع او معالجة الاختلافات والتمايزات الدينية والعرقية واللغوية منطلقة من مرجعية الانسان.


   ويشير د. المناصرة الى ان بعض دراسات الاستشراف تتخذ منهجية القفز على الحاضر نحو المستقبل بالبحث في الافتراضات المستقبلية انطلاقا من الرغبة وهنا ندخل في المطلق الحتمي الذي ليس بمطلق ولا حتمي ومعنى ذلك ان الانطلاق من قراءة الحاضر قراءة صحيحة نسبيا تقود الى نتائج افتراضية واقعية بينما تقود منهجية القفز على الحاضر الى نتائج افتراضية رغبوية.


كما يشير د. المناصرة الى الزمن الذي يرى بانه يلعب دورا اساسيا في دراسة الاستشراف لافتا الى ان هناك فارقا بين المنظور البعيد والمنظور القريب حيث يقول الواقع ان التأسيس القطعي شبه مستحيل لان الحداثي وما بعد الحداثي لا يمكن ان يفلت من مقولة "التناص والتلاص" او التأثير والتأثر او الطبقات الفكرية القادمة من الموروث سواء اراد ذلك ام لم يرد لافتا الى ان الحداثي الحقيقي غير الشعاراتي يضيف الى ما سبق بعد ان ينفي ويقصي ما يرى انه عائق امام التقدم والتحديث.


   ويلخص د. المناصرة اراء المشاركين في كتاب استشراف المستقبل بدءا من رأي المفكر المصري حسن حنفي الذي يرى ان استشراف الزمن موجود في القرآن والحديث وفي الموروث "اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا", مشيرا الى انه يؤكد ان المعتزلة اهل العدل والتوحيد اكثر قدرة على تأصيل الاتجاه نحو المستقبل ومبينا ظهور هذا الاتجاه نحو المستقبل في نظرية الامامة عند الشيعة والسنة في خطين متمايزين ومتعارضين ولافتا الى ارتباط الاستشراف بمفهوم "الاجتهاد" في علم اصول الفقه فالاجتهاد هو مبدأ الحركة كما يسميه محمد اقبال وهو عصب الشريعة كما يسميه حنفي الذي يضيف ان الاستشراف موجود في علوم الحكمة بالتركيز على العلة الغائية في الالهيات, فالله هو العلة الغائية للعالم المحرك الذي لا يتحرك اما في علوم التصوف فالمستقبل يعبر عن كشف نظري فردي وجداني خيالي وهمي وقد ظهر هذا الاتجاه نحو المستقبل في العلوم النقلية كما في علوم القرآن "موضوع النسخ مثلا" وفي علوم الرواية عن انتقال الخبر في الزمن ونشأ علم الجرح والتعديل.
   ويشير د. المناصرة الى انتقال المفكر حنفي الى الدراسات المستقبلية في الموروث الاوروبي وانتقال هذه الحضارة من التمركز حول الله الى التمركز حول الانسان.


ويتطرق د. المناصرة الى مشاركة المؤرخ عز الدين موسى الذي يرى ان المرجعية في الخطاب الاسلامي ثابتة لا تتغير ولكن منهج تأويلها ومن ثم تنزيلها على الواقع يختلف من مكان الى اخر ومن زمان الى اخر.


كما يتطرق د. المناصرة الى ما يراه د. عزت قرني من ان الثقافة هي مركز الذات من الناحية المعنوية وان مركز الذات من الناحية المادية هو المصالح المؤتلفة لعناصر الامة من جهة ومواقع القيادة بأنواعها من جهة اخرى حيث يرى ان ينبوع ذات الامة هو الحياة والارض المشتركة والتجميع المقصود والتقاء المصالح الكبرى والاختيارات المتطابقة والتنظيم التلقائي لاجهزة الامة وبالتالي فان مشروع الامة الجديدة المقترح من قبل قرني يكون امامنا وليس وراءنا.


   اما الناقدة فريدة النقاش فتلاحظ ان حركة مقاومة العولمة لم تتبلور بعد لكنها قادرة على بلورة منظومة جديدة لثقافة المقاومة ومتابعة قراءة اشكال متعددة للمقاومة الفكرية في البلدان العربية ومشيرة الى اهمية الثقافة والمقاومة في وسائل الاتصال.


وينتقل د. المناصرة الى ما يراه د. سالم ساري في المجتمع الغربي وكيف ان هذا المجتمع لم يستطع ان يتقدم معتمدا على بناه الداخلية الخالصة وان العجز المستمر لم يكن بفعل تحديد خارجي بقدر ما هو بفعل جمود وتصلب داخلي لافتا الى ان د. ساري قد لاحظ ان الاخر او الغرب ظل ماثلا بثقله في مشروعات التغيير النهضوي الغربي فظلت الصياغات والمنظومات والآليات في الادبيات النهضوية محكومة بثنائية الداخل والخارج مشيرا الى ان اللغة العربية وحدها هي موطن خصوصياتنا العربية والثقافية الثابتة المتحددة وما عداها ليست الا خصوصيات متجمدة.


   وضم كتاب استشراف المستقبل اوراقا مهمة تناولت مستقبل التربية للمشاركين د. صالح ابواصبع ود. عصام نجيب ود. تيسير الخوالدة واسماء عبدالرحمن كما ضم الكتاب اوراقا مهمة تناولت مستقبل اللغة العربية للمشاركين: ابوهيف ود. خليل عودة ود. زبيدة القاضي.


واحتوى الكتاب ايضا على اوراق ناقشت مستقبل الادب والنقد للمشاركين: د. محمد عبيدالله, د. محمد صابر عبيد, د. نضال الصالح, د. رشيد بن مالك د. ابراهيم علان.


كما احتوى الكتاب على اوراق ناقشت مستقبل البحث العلمي والعلوم الانسانية شارك فيه كل من: فاتح دبيش, د. مهدي القصاص ود. ناهد عبدالكريم ود. مهند مبيضين.


وشارك في مناقشة مستقبل الاتصال والاعلام كل من: د. صالح ابواصبع د. مي العبدالله د. الصادق رابح د. فوزية العلي, د. مي الخاجة.


واختتم الكتاب بمناقشة مستقبل الفنون بمشاركة كل من د. معتصم عديلة والفنان حسين دعسة ابوالعوض.

التعليق