الأيتام يحتفلون بعيد الأم.. بصمت وحزن

تم نشره في الاثنين 21 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً
  • الأيتام يحتفلون بعيد الأم.. بصمت وحزن

يودون زيارة قبور أمهاتهم لنثر الورود وقراءة الفاتحة


    عمان - في الليلة التي سبقت عيد الأم نام أحد الأطفال في مكان ما في العالم فرحا متحمسا متخيلا ملامح الدهشة على وجه أمه الحبيبة عندما تفتح هديته وتقرأ بطاقته التي أعدها بنفسه. في ذات الليلة وفي مكان آخر في العالم، نام طفل آخر باكيا متسائلا "لماذا ماتت أمي؟". كان سؤالا لا يُسمع. فلليتيم لغة صامتة لا تسمعها إلا إذا سكن كل الكون من حوله.


    ضحى طفلة يتيمة الأم، لم تتجاوز عامها السادس. توفيت والدتها وأودعها والدها في الميتم، والآن يعتني بها القائمون على الدار، تتحدث قائلة: "ماما ميتة لكنني أتذكرها. وجهها جميل وصوتها أيضا. وأنا أحبها كثيرا. لو كانت على قيد الحياة كنت سأقول لها في يوم عيد الأم كل عام وأنت بخير يا ماما. وسأرسم لها رسمة جميلة، فيها دار وولد وبنت، وورود لونها أحمر، وأضواء كثيره، وسأرسم أيضا قلب حب كبير وأكتب فيه إسمي واسمها: ضحى ومنى".


    وتحلم ضحى أن تكبر وتتزوج وتصبح أما، وتقول: "عندما أصير أما لن أترك أولادي أبدا، وسأشتري لهم أشياء حلوة، وملابس جديدة في كل عيد".


قصص مشابهة


    والأمر كذلك مع يزن وفايز التوأمين (9 أعوام)، فهما لا يذكران أمهما التي ماتت عقب ولادتهما بيوم واحد، يقول فايز: "لو استطعنا أن نفعل شيئا في يوم عيد الأم سنذهب إلى قبرها ونقرأ لها آيات من القرآن، ونقول لها كل عام وأنت بخير يا أمي، ولو كانت لا تزال على قيد الحياة كنا سنطيعها ولن نكون شقيين أبدا".


ويضيف أخوه يزن: "أتمنى لو أقول لماما كل عام وأنت بخير، وأصنع لها البطاقات وأبعث لها الزهور، وأقول للأولاد الذين يتعبوا أمهاتهم أن لا يصرخوا في وجوههم، لكن الحمد لله أنا وأخي نحب بعضنا كثيرا".


    وعلى رغم أن اليتم في حد ذاته قسوة، إلا أن أطفالا كثر تعرضوا لقساوة أشد بعيشهم في الملاجئ التي وضعوا فيها بطلب من أمهاتهم، إما لظروف قاهرة كالزواج أو الفقر الشديد، أو في شكل اختياري في حالات أخرى.


محمد (5 سنوات)، واحد من هؤلاء الأطفال الذين يعيشون في الملجأ، وهو أكثر الأطفال تمردا وبراءة على حد سواء. رفض في البداية الحديث عن أمه التي تركته في الملجأ ليعتني به القائمون هناك، بسبب زواجها عقب وفاة الأب، وبعد جهد بدأ بالكلام قائلا: "ماما شكلها حلو كانت تطبخ لي (مفتول) وتبوسني وتقول لي تصبح على خير، لكنها كانت تتركني وتروح على الشغل، لكنني زعلان منها لأنها ذهبت بعيدا، لو جاءت سأبوسها وأقول لها كل عام وأنت بخير، لكن إذا لم تأت سأبقى زعلان منها".


    أما الأختان آمنة وأماني (5 و4 سنوات) فأمهما على قيد الحياة، وتقولان عنها "نحن لسنا متضايقين من ماما ونحبها كثيرا، فهي تزورنا في العيد وتحضر لنا أشياء جميلة، ونقول لها كل عام وأنت بخير".


وتتحدث الصغرى آمال بالقول: "أريد أن أصبح أما، عندها سأحضر لأطفالي بسكويت وحليب وألعاب".


وتتحدث واجد جمعاني الفايز ،رئيسة ومعيلة دار صخر للعناية باليتيم، عن الدافع الذي حدى بها لإنشاء الدار ودور وزارة التنمية الاجتماعية في هذا الصدد، وتقول: "أقمت هذه الدار تيمنا باسم ابني الذي فقدته وهو في عزّ شبابه، وحولت حزني إلى فعل الخير، وهو الأمر الذي يجب أن يفعله الجميع. لا أقبل أن آخذ قرشا واحدا من أي انسان أو جهة وأصمم على إدارة وإعالة الدار بنفسي، حتى وزارة التنمية الاجتماعية التي كثيرا ما يتصرف موظفوها بشكل مزعج ما يسبب تعطيل العمل في بعض الدور، اضطرني في أحد المرات أن أرفع شكوى مباشرة لوزير التنمية الاجتماعية الذي قام مشكورا بزيارتنا في جمعية رعاية اليتيم والرفع من معنوياتنا. بالطبع هناك بعض المراكز التي تحتاج إلى مراقبة دائمة خصوصا مع قلة النظافة، إلا أننا والحمد لله لا نعاني من هذه المشكلة، وأعتبر هؤلاء الأطفال أولادي وبناتي، وأحاول أن أوفر لهؤلاء الأطفال كل ما يتمنوه بعد أن قست عليهم ظروف الحياة بما فيه الكفاية".


في المناسبات رحلات


    وتضيف واجد: "نحاول أن نشغل الأطفال بالنشاطات المفيدة، خصوصا في المناسبات مثل عيد الأم، فنأخذهم لزيارة القطار في المفرق، والحدائق العامة، ونحضر لهم الحلويات، وفي هذا اليوم تحديدا يهاتفونني ليهنئوني بالعيد".


وتقول أمل جرار، المديرة التنفيذية في دار مثابة الإيمان لرعاية وإيواء الأيتام: "تعتمد المثابة في نفقاتها في شكل أساسي على مؤسس وقفية الدار الشيخ حسني حسن الشريف، ونحاول قدر الإمكان في الدار ألاّ نشعر الأولاد باليتم أو نفتح جروحهم، ونشاركهم بالكثير من النشاطات التي تؤكد احساسهم بالانتماء للمثابة كبيت لهم، وليس فقط كمركز للإيواء".


وتضيف: "يعامل الشيخ حسني الأطفال في الدار كأولاد فعليين له، حتى الأولاد في سن الخامسة عشرة وما فوق يناقشوه في أمورهم الخاصة فهو يشكل الناصح الأول لهم، وفي عيد الأضحى يشاركون العائلة بطقوس العيد كتحضير الكعك وخبزه ما يقوي لديهم الشعور بالاحتواء".


     ومن الفئة العمرية الأكبر يتحدث شرحبيل 15 عاما من مثابة الإيمان عن يوم الأم بالقول: "توفيت والدتي منذ عام ونصف نتيجة مرض، ثم توفي والدي بعدها بشهر، كنت أحضر لها الهدايا في عيد الأم وأهنئها بهذا العيد، وأنا أعلم أنني لو كنت قدمت لها كل شيء في الدنيا فلن يكفيها، لو استطعت أن أزورها في يوم عيد الأم لذهبت وقرأت لها القرآن".


أريدها راضية عنّي


     ثم يتحدث أخوه عمر قائلا "أتذكر من أمي حنانها ومساعدتها لي في الدراسة ووجودها قربي في كل الأحوال، الأم لا تنسى أبدا، إلا أن مكان المقبرة بعيد لأتمكن من زيارتها فهي في اربد، ما يريحني أنني لم أكن أتعبها في حياتها وكل همّي أن تكون راضية عني".


ثم يتحدث إلى الأولاد من عمره بالقول "الإنسان لا يشعر بقيمة أمه إلا إذا فقدها، عندها فقط يشعر أنه فقد حياته وجزء كبير من نفسه، فهي التي تمده بالأمل".


وتحتوي مثابة دار الإيمان على 24 ولدا و7 بنات، وتشير المديرة التنفيذية إلى أن الدار تعتمد على مبدأ مخالطة اليتيم وعدم اشعاره بالعزلة أو الاختلاف السلبي عمّن حوله في المجتمع، وتفتيت عقدة اليتم التي تقع في أعلى سلم أولويات الدار وذلك عن طريق الحنان والمودة وليس الارشاد المباشر، وتضيف "كثير من هؤلاء الأطفال ممن ليسوا أيتاما من الأبوين معا يذهبون لزيارة أهاليهم في نهاية الأسبوع، وإذا واجهوا مواقفا ضايقتهم نكون نحن في المثابة أول من يشكون له همومهم".


   وهذا بالتأكيد ليس كل ما في الدار في عيد الأم. فمن الاطفال من لم يتكلم معنا، وظل صامتا يداري حزنه. لكن الطفلة أنهار التي تبلغ من العمر ست سنوات رسمت رسمة جميلة جدا تعبر فيها عن حبها لوالدتها، في محاولة لرسم الفرحة على شفاهها.

التعليق