حارات دمشق القديمة.. عبق تاريخي لا يزال ينثر عبيره

تم نشره في الخميس 17 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً
  • حارات دمشق القديمة.. عبق تاريخي لا يزال ينثر عبيره

  تعتبر دمشق من المدن الغنية بموروثاتها التاريخية ‏‏نظرا لما تزخر به من قلاع وحصون وحارات قديمة لا تزال تحتفظ لغاية الآن بكل ‏تفاصيلها الدقيقة مما يجعلها قبلة للسياح الذين يقفون مشدوهين لعظمة معالمها ‏الاثرية وحاراتها التي يعود تاريخها إلى مئات السنين.


    ومن يزور الحارات القديمة بمنطقة "باب توما" على سبيل المثال يقف متأملا لإرثها ‏ ‏العريق وامتدادها الفسيح وبيوتها المتراصة التي تخترقها الطرقات الضيقة والأزقة‏ ‏الصغيرة لتشعره بالعودة لمرحلة من مراحل تاريخ الإنسان السوري.
     وما يشدك عند دخولك الى حارات "باب توما" هو انك ترى قرية متكاملة بكل معالمها ‏ ‏ومداخلها وطرقاتها الطويلة الضيقة الملتوية ومبانيها الطينية القديمة الرائعة ‏‏الجمال وما يخيم عليها من هدوء يعطيك شعورا بالطمأنينة والامان.

وتشهد هذه الحارات حركة كثيفة في عدد السياح الذين يحرصون على التأمل في ‏‏تصميمها المعماري القديم الذي تتميز به هذه على الرغم من التوسع العمراني الكبير ‏الذي شهدته دمشق لتظل تلك الابنية القديمة على حالها عدا طابع الترميم الذي طالها‏ ‏وليس التجديد او التوسيع بغية الحفاظ على أرثها العريق.
 
    ويلاحظ كذلك ان الحارة روعي في تخطيطها أن تدخل جميع الخدمات ضمن محيطها مثل ‏المخابز والمياه وغيرهما من الخدمات المهمة في حياة السكان بالحارة ، ونظرا ‏لأهميتها لكونها احد النماذج المتكاملة اصبحت أحد المعالم السياحية التي تنظم ‏اليها الرحلات والأفواج السياحية.


    ويقع باب توما في الجهة الشمالية من سور دمشق وهو في الأصل باب روماني نسب ‏ ‏لأحد عظمائهم واسمه (توما) وتسميه العرب (توماء) وكانت عنده كنيسة حولت إلى مسجد ‏ ‏فيما بعد كما ارتفعت فوقه مئذنة على غرار مئذنة الباب الشرقي.


    وجدد الباب كبقية ابواب دمشق في العهد الايوبي لتحصين المدينة ابان الحروب ‏ ‏الصليبية في القرن الـ13 الميلادي ايام الملك داود بن عيسى الايوبي سنة (625 هـ / ‏ ‏1227 م) ثم رممه نائب السلطنة تنكز وازيل المسجد الذي كان عنده اثناء تنظيم ‏المنطقة في بدايات العهد الفرنسي وبقيت المئذنة الى أن ازالها المهندس ايكوشار في ‏الثلاثينيات من هذا القرن قبيل الحرب العالمية الثانية بسنوات.


    ويقول فارس حنا وهو‏ ‏احد سكان حارة الدحلانية في باب توما ان السياح لاسيما الاجانب منهم يتوقون ‏‏لزيارة الحارات الدمشقية القديمة لما تضمه من معالم ومزارات سياحية تجعل منها ‏قبلة مهمة لهم.


    واضاف ان بيوت الحارة لم تتأثر بالتطور العمراني وهذا ما يشد السياح الذين‏ ‏يعيشون لحظات جميلة فيها لاسيما عندما يستمعون إلى حكايات و قصص قديمة شهدتها ‏الحارة. وقال ان المسؤولين في سورية حرصوا على عدم السماح بتنوع البناء الحديث في هذه ‏الحارات وبقى محصورا بالطراز الذي كان منتشرا في ذلك الزمن والذي تميز بطابع ‏البناء الشرقي مع بعض التعديلات التي تفرضها الظروف المناخية كاستعمال الخشب ‏والقرميد إلى جانب الحجر.


    وذكر ان الحارات في باب توما توجد بها مزارات سياحية مثل الكنائس والمدارس ‏ ‏والكنيس والحمامات والخانات والملاجئ اضافة الى اماكن اثرية وحدائق. وتحتوي المنطقة على حارات صغيرة مثل حارات الدحلانية وزقاق الجورة ‏‏وجادة باب توما ومطعم حارتنا والعازرية والقشلة والقيشاني وهي حارات يكتشف‏ ‏المتأمل في تصاميم بيوتها البسيطة انه روعي في تصميم بنائها دخول الاضاءة ‏‏والتهوية اضافة الى التقسيمات الداخلية الصغيرة.


    وأول ما يلفت النظر في حارات دمشق القديمة ان ‏الحياة في هذه الاحياء كانت شبه مغلقة على اهلها حيث كان الناس يعرفون بعضهم بعضا‏ ‏ويعرفون الولد والصهر والحفيد والنسيب والغريب المار بالصدفة.


     وتتميز الاحياء القديمة بتعرج أزقتها وضيقها احيانا وهو ما يستغربه المرء لان اهل دمشق عرفوا بـ"ملكة الفكر‏ ‏الهندسي". ويقول أهل الحارات أن اسباب ذلك تعود الى‏ ‏أمرين اولهما أمني بحيث يسهل الدفاع عن الازقة اذا هوجمت ولا يرى المهاجم الطريق ‏حتى آخره ولا من يكمن له في المنعطف. والسبب الاخر اجتماعي لان النساء يخرجن في النهار من بيت إلى بيت ‏مجاور او مقابل من دون ان يراهن احد لان الازقة متعرجة تحجب الرؤية من بعيد موضحا‏ ‏انه كان من عادة اهل دمشق ان السائر في زقاق ضيق او حارة يجب ان يعلن عن قدومه ‏بأن يظل يقول بصوت عال ( يا الله .. يا ستار) فتحس به سيدات البيوت ويغلقن الابواب.


    وعلى الرغم من التوسع العمراني الكبير الذي شهدته دمشق ظلت الابنية ‏‏القديمة على حالها وسمح فقط بعمليات الترميم والبناء وفقا للطراز المعماري ‏القديم وذلك استجابة لمتطلبات الظروف المعيشية التي سمحت بوجود فسحة متوسطة للدار‏ ‏الى جانب وضع لمسات عربية واسلامية كالاقواس والكتابات المنقوشة

التعليق