الفيروز: جمال يطرد الحسد

تم نشره في الاثنين 7 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً
  • الفيروز: جمال يطرد الحسد

 


    القاهرة - استمد الفيروز، والذي يعتبر من الأحجار الكريمة، رتبته الكريمة من ندرته وغلاء ثمنه وجماله وأخيراً طبيعته. وهو حجر منح اسمه لونا، فاستقر في قاموس الألوان اسم اللون "الفيروزي" استنادا إلى اسم الحجر نفسه. ورحنا نصف به أجمل البحار وأصفاها، ولون عيون الجميلات!، ولكنه بالإضافة إلى ذلك يتمتع في الثقافة الشعبية المصرية بمعتقد أنه يطرد الحسد.


     الأحجار الكريمة عالم كبير يفهمه ويعشقه الباحثون عن الجمال والأصالة والتميز، وأيضاً القادرون على اقتناء المشغولات المُنتجة من خامته، أو المُزينة به. وتُعتبر الخواتم والأساور والعقود أشهر المشغولات التي تُطعم بالأحجار الكريمة، ولكن إبداع فناني التطعيم بالأحجار الكريمة لم يتوقف عند هذا الحد الضيق، وانتشرت العديد من الأعمال الفنية الأخرى التي تُزين بالأحجار الكريمة، أو تكون هي الخامة الأصلية في العمل.


       في أحياء القاهرة الإسلامية مثل حي الحسين والأزهر تنتشر ورش هذا الفن الجميل الذي يعمل بخامة الفيروز، حيث يتوارث كثير من العاملين في مجال الحرف اليدوية مهنتهم عن آبائهم وأجدادهم بعد أن شربوا منهم أصوله وخباياه وعرفوا كيف يكتشفون الأصلي من الزائف، وأن يضيفوا أيضاً إبداعهم الجديد بروح عصرهم.


       هناك العديد من أنواع الفيروز سواء في الأسواق المصرية أو العالمية، وفي مصر يُعتبر الفيروز المصري الحر من أغلى الأنواع، وهناك أنواع أخرى مثل الفيروز الأميركي والمكسيكي والإيراني والألماني. وأنواع الفيروز منها ما هو حر أي أصلي وأشهرها الفيروز المصري الذي يبلغ ثمن الجرام الواحد منه خمسين جنيهاً، ومنها ما يجمع بين الطبيعي والصناعي كالفيروز الصيني مثلاً، فهو يحتوي على خامة طبيعية هي مادة الكلسيد التي يتم صباغتها بلون الفيروز وتوضع في أفران خاصة لتأخذ لون الفيروز وهو يُعتبر حجرا "شبه كريم".


         وهناك الفيروز المضغوط وهو كسر الفيروز المصري الذي يتم جمعه وضغطه في مسابك خاصة في أميركا على شكل "بلوكات" ثم يعود إلى مصر ليتم استخدامه في صنع التماثيل. وهناك الفيروز الألماني وهو غير أصلي، وعبارة عن خلطة من البلاستيك مع مواد كيميائية تشبه الفيروز، وبالأسواق أيضا نوع من الأحجار الشقيقة للفيروز ويحمل عددا من سماته، ويميل لونها إلى الزرقة الداكنة، ويسمونه "لابس لازولي" وهو باكستاني الأصل.


         ومن أكثر أنواع الفيروز التي يصعب اكتشاف أنها مُقلدة الفيروز الأميركي وذلك -كما يقول "أسطوات" المهنة المخضرمين- لأن صنّاعه في الولايات المتحدة يمتلكون تقنية حديثة يستطيعون بها تقليد الأصلي جيدا! ويتراوح ثمن الجرام الواحد منه ما بين خمسة عشر جنيهاً إلى خمسة وأربعين جنيهاً طبقاً لخامته، ودرجة تحملها.


صناعة الفيروز
 
      لكن كيف تصنع منتجات الفيروز؟ يجيب عن السؤال صناعه في الحسين والأزهر: "بعد الحصول على القطعة الخام يتم التخطيط لتقطيعها إلى عدة قطع تتناسب وما سيتم إخراجه من أشكال فنية، وتخصص القطع الكبيرة لصنع التماثيل والفازات، أما القطع الصغيرة فيصنع منها حبات السبح والعقود وتزين بها البراويز وتصنع فصوص الخواتم وكل ما يتطلب قطعاً صغيرة".


      ويحتاج تقطيع الفيروز إلى ما يسمونه" بونطة ألماظ"، أما الثنيات والاستدارات حسب طبيعة العمل المخطط لإخراجه في النهاية فتتم بصقلها على ماكينة الصقل لتتخذ الاستدارة المطلوبة بنسب دقيقة بالطبع. ويتم التلميع ببودرة تلميع شريطة استخدام جلد البقر حتى تتحقق لها أعلى درجات النعومة. ويتم لصق قطع الفيروز بلاصق قوي وهم يستخدمون حاليا اللاصق المعتاد المعروف باسم "أمير".


      ورغم أن العمل يحتاج إلى دقة كبيرة إلا أنه من الممكن أن تحدث بعض الأخطاء التي يتم إصلاحها باستخدام القطعة الخام في عمل شيء آخر بها. ويقول العاملون في هذا الفن إن أي قطعة ولو صغيرة جداً يتم الاستفادة بها، على سبيل المثال يتم لضم كسر الفيروز المشطوف وغير المُشذب كما هو في عقود رائعة أو استخدامه في التزيين كما ذكرنا.


ولأن لكل فن مُزيفيه نجد أن هناك بعض الأعمال الفنية التي تُشبه الفيروز ولكنها ليست أصلية، ويمكن التفريق بين الأصلي والمزيف عن طريق الوزن، فالحجر الطبيعي يكون ثقيل الوزن، وأيضاً قد يُخالط الحجر الطبيعي عروق ألوان أخرى تختلط بعشوائية باللون الأصلي. ويقول أصحاب المهنة إن "معرفة الأصلي ليست بالشيء البسيط، ولكن على المشتري أن يتعامل مع المحلات الموثوق بها، ومُحبو الفيروز والذين يتعاملون معه يستطيعون بالخبرة اكتشاف المزيف منه".


       وتوجد في الأسواق العديد من الأعمال الفنية الزخرفية التي تستخدم اللون الفيروزي بكثافة نظراً لتمتعه في الثقافة الشعبية بمعتقد أنه طارد للحسد! فنجد قطعا فنية لعيون طاردة للحسد مغروسا في منتصفها عين حمراء، وكفوف وهي ما يُطلق عليه المصريون "خمسة وخميسة" مكتوب عليها بعض الآيات القرآنية والأدعية. ولكن هذه القطع الزخرفية لم تأخذ من الفيروز سوى اللون المميز، وهي عبارة عن جبس مُغطى بطبقة من السيراميك ليس إلا. ومن القصص الطريفة التي تقابل أصحاب محلات بيع الفيروز أن هناك مَنْ يأتي لشراء قطع الفيروز الخام، ليس كقطعة فنية هم فقط يريدون مجرد قطعة والسبب أنهم يعتقدون أنها مفيدة جداً في عمل "الأحجبة"!


       الفيروز -رغم أنه حجر كريم وطبيعي- قد يتأثر لونه بفعل الدهون والأحماض والقلويات، ولكن بتلميعه يعود له لونه الأصلي. ومن الطريف أن أحد الزبائن أراد أن يضع قطعة من الفيروز في بطن حمامة ويقوم بطهيها حتى يتحول لونها وتبدو قديمة ليزداد ثمنها!


يُعتبر الأجانب أشهر الزبائن في مصر، كما تُعتبر المدن السياحية كالغردقة وشرم الشيخ بمصر من الأسواق التي تحتاج إلى المنتجات المُستخدم فيها حجر الفيروز لإقبال السياح عليها جداً هناك. وأصحاب محلات العاديات في تلك المدن هم زبائن دائمون في ورش القاهرة ليشتروا بضاعتهم.


       ويحرص أصحاب المهنة على التجديد فيها، ومن مظاهر التجديد الحديثة تطعيم الذهب بالفيروز لا كفصوص فقط في الخواتم والقلائد، ولكن أيضاً بجعل قطع الفيروز أحد التطعيمات الجديدة على التصميم ككل. وأيضاً خلط الفيروز الكسر بالفضة وتطعيمها مع بعضها بعضا في عمل السبح المصنوعة من نبات "اليُسر" وهو شجيرات تنمو في البحر تختلف عن المرجان ولونها أسود، ويلقى هذا النوع من السبح رواجا أكثر في السعودية.


       والحقيقة أن الأحجار الكريمة تستمد مكانتها من كونها ليست صناعية، بل خامة جيولوجية توجد في الطبيعة البكر على شكل كُتل أو عروق في الجبال. وبعد استخراجها تُباع بأثمان باهظة لفنانين يعكفون على إخراج أجمل التصميمات بها.

وفي النهاية نتمنى أن تظل للحرف اليدوية مكانتها وأن تستطيع الأجيال الجديدة الحفاظ عليها وتطويرها للأفضل دائماً، فما أجمل أن يستطيع فنان تحويل قطعة حجر كانت ساكنة في بطن جبل ما إلى قطعة فنية نستمتع بها.

التعليق