صلاح الحداد.. في "قطار الحب" :كتابة شعرية تستجلي غربة الانسان العربي

تم نشره في الأربعاء 23 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً

 
      بيروت  - تشكل مجموعة الكاتب الليبي صلاح الحداد القصصية "قطار الحب" نموذجا آخر من عدة اعمال لمهاجرين عرب يصح ان تندرج على تفاوت جودتها واختلاف موضوعاتها تحت مظلة مشتركة تكمن في عنوان رواية الطيب صالح الشهيرة "موسم الهجرة الى الشمال".


      ولربما كانت الحقبة الزمنية الطويلة من انماط الحكم المتشابهة في العالم العربي والعالم الثالث تفرض التحدث عن مواسم هجرة لا عن موسم واحد طلبا لما تصفه هذه الاعمال في شكل او آخر بأنه سعي الى دفء الحرية في صقيع برد الشمال. الا ان هذا السعي يبقى مراوحا بين حالتين من التنفس.. تنفس الصعداء للتخلص من كابوس الموت والسجن.. وزفرات الألم لفراق وطن حبيب لم تعد حياتهم ممكنة فيه بالمعنيين الحرفي والرمزي.


 كتاب الحداد المقيم في ايرلندا صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر  في 247 صفحة متوسطة القطع واحتوى على 15 قصة قصيرة.


       موضوعات هذه القصص وان اختلفت تبقى تدور في اجواء متشابهة حدودها رمزا  انفاس "الراحة والاسى" المذكورة فضلا عن اجواء من الغضب المرافق لذلك في احيان عديدة.


       ولعل الاهداء الذي كتبه الحداد مقدما به قصصه يشكل أبلغ كلام يتناول زبدة افكار القصص كما يشير الى المسافة الطويلة التي قطعها القصص العربي الذي تناول الشرق والغرب بين "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم حيث تكمن كلمة نابليون الشهيرة "فتش عن المرأة" في صلب تغيير نظرة "محسن" الى الغرب وبين نتاج الحداد بشكل خاص ونتاج امثاله واختلاف نظرتهم اجمالا الى الغرب من خلال المرأة ومن خلال حقوق الانسان وكرامته.


        الكاتب يهدي مجموعته وكأنها كأس الحرية قائلا "الى الارض التي آوتني بعد تشرد فكانت لي موئلا.. الى شاطئها العذراء.. الى بحرها الفيروزي.. الى حاناتها..  الى نوارسها البيضاء العاشقة.. هلا حملت عني هذا الكأس؟ ارسليه لهم هناك..  احمليه الى اولئك القابعين في العتمة ولا يجدون منها مخرجا.. جريه الى المشرفين على الهلاك جرا. اسقيهم منه ماء فراتا.. قطريه لهم تقطيرا عل النجاة تكتب لهم."


          قصة "قطار الحب" التي اعطت اسمها للمجموعة تختصر في كتابة شعرية حافلة  بالأسى عالم غربة الانسان العربي وفيها يمتزج مناخ الحرية التي لم يألفها قبلا بجو الحنين الى وطنه او عالمه السالف. انه حنين يتداخل فيه الشوق الى ذلك العالم بتهنئة النفس بالنجاح في الافلات من براثن سجانيه وجلاديه.


       ويقول الحداد برومانسية تعكس في الوقت نفسه تلك المشاعر السالفة الذكر "في يوم استثنائي من ايام شهر يناير القارس سطعت الشمس على مدينة دبلن وضربت بخيوط اشعتها المتلألئة وجهي الملفوف بأحزان الليل والمتخمر بآلام الغربة.

كان صباحا مشرقا باسما. أفقت من نومي وغضب الذكريات والاحلام يرتسم على شفتي... دلكت عيني جيدا اذ قد يكون ذلك حلما شيطانيا كما هي العادة لكنني احسست ان شيئا ما يجذبني... انها فرصتي التي سوف اغتسل فيها من ادران همومي واحزاني واتخلص فيها من اشباح الموت التي ظلت تلاحقني في كل مكان."


       وكمريض يحتاج الى نقاهة لمداواة نفسه من اوصابها اتجه الى مكانه المفضل  المسمى "مرفأ الهوت.. مرفأ السكون والسكينة والبراءة والنقاهة.

هكذا اسميه وهكذا انظر اليه." ويضيف هذا الغريب المشرد وقد وجد شيئا من نفسه واحلامه في الغربة بعد ان فقدها في بلده فيقول "حين يتحشرج الموت في شراييني ويتفجر الدم في عروقي ويضيع الوطن في عقلي.. حينها لا اجد ملجأ سواه...اشعر حينها بالطمأنينة. اشعر ان ثمة شيئا في الكون يشبهني.. ان ثمة عنفوانا يؤنسني في هذا  المجهول السحيق."


        لقد قيلت اشياء كثيرة عن الممنوعات العربية الثلاثة.. السياسة والدين والجنس. هنا حيث يقيم هذا الغريب يجد حريته تامة والحرية هذه تلغي الممنوع السياسي الذي نشأ عليه. والمرأة هنا في النص ترمز ايضا الى الحرية.. حرية الحب والجنس. فللمرأة حضور رائع ولم تعد حبيسة القى الرجال بها في السجون من جهة.. لنكتشف من جهة اخرى انهم صاروا اسراها.. ينتقلون بين الرغبة الدفينة في النفوس وبين العيب الممنوع مما يؤدي بالانسان الى نفاق والى شبه فصام نفسي. اما هنا في مغتربه فهي تمر في البال وفي الواقع مثل سحابة حرة عطرة.


         يقول "وبينما انا كذلك اذ بظل آنسة يغمرني. ظننت ان سحابة عابرة  دثرتني. رفعت رأسي... كانت فتاة فارعة هيفاء... قلت في نفسي أهذه هدية السماء الي؟ يا له من يوم رائع اذن. حتما سأسير معك الى النهاية وسأذيب تلك الثلوج المتراكمة على قلبي."


 مثل هذه الاجواء يتناقض مع اجواء اخرى ما زال الانسان فيها مشدودا الى تقاليد تجعله يصل الى القتل.. قتل الاخر المستضعف او فلنقل الاخرى.. قتل الذات بشكل ما في نهاية الامر. انها اشبه بقضية فصام نفسي غريب كما نجد في قصة "ايها الشرف الملطخ" التي يشي عنوانها بمرارة وسخرية مؤلمين. قصة ذاك الذي "يحرم فيكم الصهباء صبحا ويشربها على مهل مساء" وقصة "استضعفوك فوصفوك" وهي عملة لا سوق لها في عالم برد الشمال ملجأ هؤلاء الغرباء.


          تشبه احداث القصة احداث قصص عديدة مماثلة عن مهاجرين عرب في بلدان اللجوء التي استقبلتهم. الاب الذي عاش فترة طويلة في ايرلندا ومارس حريته الى اقصى درجة اذ تطرف وفاق في تطرفه حتى معايير البلد الحر من سكر ولذات جسدية.. اقام علاقة مع فتاة وبعد ان حملت منه تزوجها لكنه بقي يحلل لنفسه كل شيء.. المقامرة والسكر والعلاقات الجنسية مع فاحشات وانصرفت هي الى تربية ولديهما. كبر ولداه..ابنه وابنته.


ابنه تمتع بحرية كأبيه فكان يشرب ويسكر ويأتي بصديقاته الى المنزل يداعب الواحدة منهن على مرأى من ابيه فلا يحتج الاب بل يفخر برجولة ولي عهده الذي تزوج على طريقة ابيه لاحقا. اما الابنة الجامعية فكانت ممنوعة من السهر ومن مقابلة من تحب الى ان ثارت على "قسوة والدها ووحشيته" وضربه لها وتهديدها بالذبح من الوريد الى الوريد. رفض الاب ان تتزوج شخصا من غير دينها ولم يهتم بحبهما وبحفيده القادم. وقرر الوالد قتل ابنته لكنه في سكره اخطأ الغرفة فقتل زوجة ابنه ثم حاول الهرب الى ليبيا لكن الشرطة قبضت عليه.


وقد يكون في بعض القصص نوع من الحدث البعيد نوعا ما عن المعقول كما في قصة رومانسية حلوة هي "عازف القيثارة" واحيانا بساطة رومانسية تصل الى حد السذاجة كما في قصة "الراقصة" وهي عن سجين سياسي ليبي هرب من سجنه الى لندن حيث عمل مساح احذية في حي "ادجوار رود" الذي يعيش فيه عرب وبقي يحلم بحبيبة صباه "تبرة". ودرجت فتاة تشبهها على المرور به والتحدث اليه ليكتشف بعد زمن ان الفتاة وهي راقصة ليست سوى حبيبته التي جاءت تبحث عنه ولم تعرفه. وعاش الاثنان في هناء بعد ذلك. 

التعليق