الخيال من أساسيات نمو الطفل ألمون: أنا قلقة من نمط حياة الأطفال.. حيث لا لعب حرا

تم نشره في الثلاثاء 22 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً
  • الخيال من أساسيات نمو الطفل ألمون: أنا قلقة من نمط حياة الأطفال.. حيث لا لعب حرا

 


   عمان - رئيسة جمعية "والدروف" للطفولة المبكرة في أميركا الشمالية جون ألمون زارت عمان أخيرا، والتقتها "الغد" ليدور الحديث عن عالم الطفولة، وهي الخبيرة فيه. فألمون حاصلة على درجة الدكتوراة في تربية الأطفال.


وأقامت ألمون خلال زيارتها ورشة عمل من اجل نشر التوعية للمعلمين والأهالي على أهمية اللعب والخيال في نمو الطفل.


   وتقول إن "تربية الأطفال من أصعب واهم المهام التي تقع على عاتق الآباء والمربين. كما أن أهمية وقوة الخيال الذي يصفه الطفل بنفسه جزء أساسي لتهيئته وزرع بذرة حب العلم والمعرفة لديه".


   ركزت المون في حديثها على أهمية اللعب والخيال في حياة الطفل. وأشارت إلى أن "الطفل يخلق خياله عند سماعه القصص والروايات والمشاركة بالفنون والنشاطات الأخرى التي تعمل على تنشيط مخيلته. ويعمل اللعب على إتاحة الفرصة للطفل بان يحيك جميع عناصر الحياة التي يعيشها وبالطريقة التي يختبرها. وبذلك يساعده على استيعاب الحياة على طريقته. فاللعب هو المنفذ الوحيد لمواهبه الخلاقة وهي جزء أساسي من طفولته".


    وتعتبر ألمون اللعب والقدرة على ابتكار الألعاب من الخيال هي لغة تجمع أطفال العالم بغض النظر عن الجنسية أو العرق أو الثقافة: "فجميع الأطفال في العالم يلعبون بنفس الطريقة إذا كانوا من نفس العمر بحيث ينسجمون ويضحكون ويختلفون ويبتكرون لساعات طويلة".


    لكن اللعب واستخدام المخيلة في انقراض، ما يؤثر سلباً على نمو الأطفال بحسب ألمون التي تضيف: "لاحظت من خلال جولاتي، كالعديد من الأطباء والآباء، ان هناك العديد من الأطفال الذين لا يستطيعون اللعب، كما أن هناك العديد من الأطفال الذين يودون اللعب، ولكن وجود العديد من القوانين في المنزل أو المدرسة على حد سواء يمنعهم من الانفراد في اللعب واستعمال مخيلتهم على أكمل وجه".


    كما يعمل اللعب على تنشيط النمو الاجتماعي والعاطفي لدى الأطفال وقدرة الطفل على المشاركة في اللعب مع أقرانه يرتبط ارتباطاً مباشراً بنجاح الطفل الأكاديمي وقدرته على حل المشاكل. وبحسب دراسة أجريت في ألمانيا في العام 1970، وجدت صلة وثيقة بين اللعب في سنوات ما قبل المدرسة والنجاح في الصفوف الابتدائية. وبسبب نتيجة هذه الدراسة، قامت جميع المدارس في ألمانيا بتحويل المناهج في حضاناتهم من التوجه الأكاديمي إلى التركيز على اللعب.


    من القناعات السائدة بين الآباء أن "علينا أن نعلّم أطفالنا بأنفسنا". فالكثيرون في هذه الأيام يجبرون الأطفال في عمر ثلاث أو أربع سنوات على القراءة والكتابة. ولكن غاب عنهم أنهم بفعلهم هذا إنما يكونوا قد جردوهم من ثقتهم الفطرية بأنفسهم وقدرتهم على توجيه أنفسهم.


    ويخطىء من يعتقد ان الأطفال يتعلموا ما يعلمهم الكبار فقط. فهم يولدون برغبة كبيرة للتعلم. وكثيراً ما يقوم الكبار بالعمل على تسريع عملية تعلم الأطفال وتلقينهم الدروس بسرعة وبذلك يجد الكثير من المعلمين أن عددا كبيرا من الأطفال يتعبون من الدراسة مع بلوغهم سن العاشرة.


 البداية بعد سنتين ونصف


    تبدأ عملية اللعب والتخيل عند الأطفال في عمر السنتين والنصف أو الثلاث سنوات. قبل ذلك يتجه الأطفال باهتماماتهم نحو العالم الخارجي، كالرغبة باستخدام الأدوات المنزلية مثل الأواني والملاعق الخشبية والألعاب البسيطة كالدمى والكرات. كما يقوموا بتقليد ما يدور حولهم كالطهو وقيادة السيارات إضافة إلى نشاطات يومية أخرى.


    وبعد سن الثالثة، يبدأ الاعتماد على الألعاب والأشياء بالتقلص، حيث يدخلون مرحلة جديدة: مرحلة صناعة أشياء بواسطة مواد بسيطة تتواجد بين أيديهم.

فقدرتهم على التخيل تجعلهم قادرين على تحويل الأشياء البسيطة إلى ألعاب.

فالوعاء يصبح سفينة، والعصا الخشبية سنّارة لصيد السمك وهكذا.. أما في سن الخامسة والسادسة، فإنهم يبدأون بتخيل اللعبة التي يريدون أن يلعبوها وبالتالي إيجاد الفكرة قبل البدء بتطبيقها.


    ألمون اعتبرت أن "رواية القصة هي أحد عوامل تنمية الخيال والإبداع. وأكدت على أن قدرة الأطفال على فهم واستيعاب القصة المروية أعلى بكثير من أي أسلوب آخر، لأن الطفل يكون شريكاً بإحداث عناصر القصة بخياله, يتفرد بصياغتها وتصبح من ابتكاره هو وحده". كما نصحت بضرورة "الحد من الملصقات والصور على جدران الصفوف إذ تعمل على تنبيه الطفل وتحول دون قدرته على التحديق والحلم والتخيل في بقعة صافية من الحائط".


    ولكن هناك عوامل سلبية تؤثر على لعب الأطفال. فالإعلام المرئي كالتلفزيون يحد من تحريك مخيلتهم المستقلة فيواجهون صعوبة في خلق أفكار جديدة للعب وعادة ما يتأثرون بما شاهدوه على التلفاز. إضافة إلى ذلك، تعمل البرامج التلفزيونية على وضع قصص من خيال أشخاص آخرين بدلاً من أن تدع الأطفال يتخيلون بأنفسهم، وقد يضعف ذلك من ثقتهم بأنفسهم إذ أن قدرتهم على التخيل لن تساوي تلك التي تعرض أمامهم.


 لماذا الابتعاد عن اللعب الحر؟


    وتبدي ألمون قلقاً على نمط حياة الأطفال في الولايات المتحدة والدول الأخرى التي ابتعدت عن اللعب الحر الملتصق بالطبيعة والاكتشاف. فأصبح اللعب مقيداً بأجهزة الكمبيوتر والألعاب الالكترونية والتلفاز، إضافة إلى جلوس الأطفال في أماكنهم لفترات طويلة، وبالتالي تدني الحوار بين أفراد الأسرى والآخرين على حد سواء. كما يتأثر العديد منهم بالمشاهد الجنسية والعنف، فتتقلص قدرتهم على التخيل وبالتالي على اللعب والاتصال العفوي بغيرهم من البشر ما قد يؤثر سلباً على تطورهم الاجتماعي والسيكولوجي. لذلك توجب على الأهل تحديد المدة التي يمكن فيها لأطفالهم مشاهدة التلفاز واللعب بالألعاب الالكترونية. فهناك تطور طبيعي للأطفال ولمرحلة تعليمهم يجب ألا نتجاهله. فيجب ألا نعبث بهذا التطور وتوقيته الطبيعي، لأنه يؤثر على جوانب حياة الطفل العاطفية والفسيولوجية والاجتماعية والعقلية. وكثيراً ما تصيب السمنة هؤلاء الأطفال من جراء الجلوس لساعات طويلة أمام التلفاز الأمر الذي قد يؤثر على صحتهم ونشاطهم ككل.


    ولا تستطيع المون تخيل الطفولة محرومة من اللعب الحر الذي يحفز الإبداع والخيال. وتضيف أن "اللعب قد يذوي في مراحل النضج، ولكنه يبقى موجوداً ليجد طريقه ليضفي توازناً على شخصية الفرد". وتحث على تشجيع اللعب لأطفال المدارس. وتضيف "يتعجب المرء لدى معرفته ان باستطاعة الأطفال العب بوجود اقل قدر ممكن من الأدوات، بخاصة في المدن والقرى الفقيرة". كما يمكن أن تكون المساحات المخصصة للعب بسيطة ومريحة ولا تحتوي على ألعاب جميلة لا يجرؤ الأطفال على العبث بها أو تخريبها بغرض الاستكشاف. فالأدوات البسيطة هي التي تحرك المخيلة كوجود قطع من القماش والحبال وقطع خشبية حيث يمكن للأطفال استخدامها والتخيل بأنها أشياء مختلفة عند اللعب بها.


    وعن دور الآباء والأمهات في اللعب تقول المون أنه دور أساسي. "فالعلاقة قوية بين عمل الراشدين ولعب الأطفال. فكلما اندمج الكبار في عملهم، نشطت مخيلة الأطفال وزاد تقليدهم لهم أثناء اللعب. وتحث الراشدين مشاركة الأطفال في الأدوار التي يأخذوها أثناء اللعب، ما يشجعهم على الاستمرار في اللعب والاندماج أكثر بالدور. كما أن عليهم التأكد من عدم حدوث صراعات بين الأطفال أثناء اللعب بالمراقبة الجيدة وتوجيه نشاطهم إلى الأفضل، فالتعلم في الحضانات والروضات يجب أن لا يكون موجه لتحضير الطفل لدخول المدرسة فقط، وإنما يركز أيضا على تهيأته لدخول الحياة".


    وتقول مديرة مدرسة المشرق هنا الناصر ملحس عن سبب دعوتها ألمون للأردن: "كانت الدكتورة ألمون إحدى المحاضرات اللواتي استوقفنني خلال مؤتمر تربوي عقد في شهر نيسان السابق في مدينة دورناخ السويسرية. فقمت بدعوتها إلى الأردن لتقديم ورشة عمل مدتها 4 أيام لمعلمات المدرسة والأهالي على حد سواء".


    وتضيف ملحس: "هناك أهمية كبرى للعب والخيال في حياة الأطفال، وقد أثبتت دراسات الدماغ الحديثة أهمية تنمية الخيال كإحدى مكونات التفكير الأساسية وهذا ما حاولت أن تقوله المون عندما تتحدث عن دور اللعب مع الآخرين وفي الطبيعة من خلال التخيل والابتكار وبالتالي الإبداع، وهو عنصر مهم من عناصر الحياة كالماء والطعام والشراب".


    وتؤكد رندة، وهي أم لثلاثة أطفال: "في طفولتي كنا نسكن قرية وكنا نلعب في الطبيعة لساعات طويلة لعبة بيت بيوت وذلك لتقليد الكبار" مضيفة أنها كانت "من أكثر الألعاب المحببة لدينا" بحيث كانوا يمثلون ويتخيلون أنفسهم آباء وأمهات يأخذ بعضهم دور الأطفال وتقوم الأم بتحضير الطعام والوالد يذهب إلى عمله ليقوموا بالزيارات من بعدها. وتقول رندة "لقد أثراني هذا اللعب وخاصة بالنسبة إلى تربية أطفالي، فأنا أشجعهم على اللعب الآن في الفسحة الموجودة وراء البيت كلما اتيحت لهم الفرصة لأني أريدهم أن ينطلقوا في الحياة ولا أريد أن أضع لهم حواجز تؤخر نموهم".


    وقالت منى نديم وهي معلمة سابقة في إحدى الروضات الخاصة في الأردن ان التعلم من خلال اللعب "لا يقتصر فقط على الملعب بل تتخلل اللعب في الصفوف أيضا". فلا يجب أن يشعر الطفل ان الأدوات الموجودة في الصف مفروضة عليه، وإنما موجودة من اجل أن يتعلم من خلالها عن طريق أخذها والتدرب عليها ساعة يشاء بعد أن تكون قد قدمتها له المعلمة وشرحت عن كيفية استعمالها فبامكانه عندئذ الجلوس لساعات من الأداة دون أن يزعجه أقرانه وهذا ما يسمى بالتعلم من خلال اللعب.


يذكر أن ألمون قامت بإلقاء المحاضرات وورشات عمل وتدريب لمعلمات الحضانة والصفوف الابتدائية في كل من تايلاند والصين واليابان والهند واستراليا والولايات المتحدة وكندا وسويسرا وألمانيا وايطاليا وفنلندا وهولندا وجنوب إفريقيا وتنزانيا والكونغو، وأخيرا في الأردن.

التعليق