سن الزواج يتأخر.. لكن نظرة المجتمع كما هي

تم نشره في الاثنين 21 شباط / فبراير 2005. 09:00 صباحاً
  • سن الزواج يتأخر.. لكن نظرة المجتمع كما هي

 


      عمان - يقول جبران خليل جبران للزوجين: "اليوم ولدتما معاً، وستظلان معاً حتى تبدد أيامكما أجنحة الموت البيضاء". كما يقول للوالدين: "أبناؤكم ليسوا لكم بل هم أبناء الحياة، فاتركوهم يعيشون حياتهم".


      لكن أسئلة كثيرة تدور في أذهان الشباب المقبلين على الزواج، وأهلهم: هل الزواج في سن متأخر في مصلحة الطرفين؟ وهل يصبح المقدم على الزواج أكثر وعيا وأنضج كلما تقدم به العمر، لتزداد بذلك قدرته على تحمل مسؤوليات الزواج؟ أم أن تأخير سن الزواج يؤدي الى زيادة الانحلال في المجتمع؟ وهل تأخير سن الزواج وبالتالي التأخر في الانجاب المؤدي إلى فرق كبير بالعمر بين الأبوين والأطفال يؤدي إلى نتائج سلبية تبدأ بقلة صبر الوالدين وفقدان حلقة التواصل بين جيلين بعيدين جدا عن بعضهما؟


      وتأخر سن الزواج في المملكة يتعدى إطار الملاحظة العامة غير العلمية، فالأرقام تدعم ذلك. وبالنظر الى إحصاءات أعدتها جمعية العفاف الخيرية، فإن متوسط العمر عند الزواج في الأردن كان 20 عاما في عام 1961 للذكور، و17 عاما للإناث. وارتفعت هذه النسبة تدريجيا بحيث وصلت عام 1976 إلى 25 عاما للذكور و21 عاما للاناث. وواصلت الزيادة ارتفاعها ووصلت عام 2000 إلى نحو الثلاثين عاما للذكور و26 للإناث.


للمجتمع نظرة


      وبعيدا عن الناحية الدينية تقول مي ناصر (32 عاما، غير متزوجة): "نظرة المجتمع للفتاة التي تأخرت بالزواج مجحفة. الرجل اذا لم يتزوج يكون عازفا عن الزواج بمحض إرادته ولا أحد يلومه، بينما اذا عزفت الفتاة عن الزواج لأي سبب فسرعان ما يطلق عليها لقب "عانس" او "بايرة"، ولا اقبح من هاتين الصفتين.

 فالعديد من الفتيات لم يتزوجن بمحض ارادتهن، وليس لأنه لم يتقدم لها العريس المناسب. ثم لماذا نقلل من شأن المرأة باعتبارها في حالة انتظار دائم للعريس؟"


     ويتفق مع مي في هذا الرأي ماهر نايف (30 عاما) الذي يقول إن: "تطور دور المرأة في المجتمع أتاح لها رؤية ذاتها بمفاهيم جديدة مؤثرة على مكانة الزواج لديها. فلم يعد هو هدفها الأوحد في الحياة، بل انضمت أهداف أخرى الى قائمة ما تطلبه في الحياة ومنها اثبات نفسها في عملها وفي حياتها ككائن مستقل تماما كرجل قد يتأخر بالزواج، بسبب الحياة العصرية التي يعيشها وارتفاع حدود الحرية المعطاة للجنسين".


      من جهته يوضح قاسم علي وجهة نظره المعارضة للزواج المبكر بالقول: "الزواج رباط مقدس بين رجل وامرأة وتعاهد على العيش سويا، والاخلاص التام بين الطرفين احد اهم شروطه. وبالتالي فإن الشاب الذي يتزوج صغيرا لن يكون قادرا على الوفاء بهذه العهود، حتى وان قالها بلسانه. فمتغيرات الحياة التي ستطرأ عليه والمؤثرات من حوله ستؤدي الى تغير مفاهيمه، كما أنه قد يدرك متأخرا ان هذه المرأة غير مناسبة له ولكن بعد فوات الأوان وبعد وجود الأطفال - الذين ما ان يزفّ العروسان، حتى تبدأ المطالبة بإلحاح بضرورة وجودهما".


قصص من الواقع


       تقول أم أسامة ان ابنتها تزوجت في سن التاسعة والثلاثين بعد سماعها ما يكفي من الألقاب الجارحة كلقب العانس. الا انها لم تكترث، وتؤكد: "بالفعل تقدم لها الكثيرون ممن يمكن الموافقة عليهم بشهادة الأهل والأصدقاء.. الا انها لم تجد شخصا مناسبا، واصرت على الزواج من شخص تريده او البقاء بلا زواج مدى الحياة، الى ان وفقها الله ووجدت ما تريده في رجل يكبرها بعامين فقط ولديه ولد من زواج سابق، ولم تعترض وهي الان سعيدة معه وبانتظار مولود".

 
      وفي رأي مخالف، يقول رائد غانم: "كلما تأخر الشاب في الارتباط، استصعب الأمر. في بداية العشرينات من العمر تكون الخيارات المتوفرة امامه اكثر وافضل ويكون هو قابلا للانصهار بشخصية الفتاة بشكل أفضل. عندما يتقدم به العمر يصبح من الصعوبة بمكان تحقيق هذا الانسجام والتآلف، كما ان الشخص عندما يعتاد على العيش أعزب لفترة طويلة يصعب عليه تقييد حريته لاحقا، ما يولد المزيد من المشاكل بين الزوجين".


       وتسانده بالرأي رندة خليل التي تقول: "كلما تقدمت الفتاة بالعمر أصبحت موافقتها على الزواج اصعب. كما تدقق أكثر باختيارها، وقد يعتبر البعض هذا افضل، ولكنه في معظم الأحوال يكون اسوأ لأن من كانت سترضى به وهي صغيرة لن يعد يعجبها بسبب تغير مفهومها ونظرتها للحياة". 


يعرّفون العنوسة


      وهناك محدّد آخر لتعريف العنوسة يختلف بحسب المجمتع، ويتعلق الأمر في شكل أساسي بالسن. فالفتاة في القرى إذا تجاوزت سن العشرين تعد في نظر أهلها عانسا أو على عتبة العنوسة، وبالتالي وجب "تصريفها" في أي شكل، ولو على حساب أمور تعد أساسية في الحياة الزوجية. وهذا ما أكدته لنا أم فارس التي تزوجت في هذا السن بغير إرادتها: "لم أكن أفكر في الزواج، ولم تكن لي رغبة فيه. لكن حدث ذات يوم أن فاجأني والدي بعريس وكان "تعاقد" مع والديه. ولما استفسرت عن الأمر، أجابني: ليس عندنا بنات بايرين (أي عوانس)، وكانت سني حينها 16 سنة، وتم تزويجي إياه، وأنجبت منه 4 أطفال، وعمري الآن 23 سنة".


       عبير ابراهيم التي تزوجت مرتين تقول: "عندما تزوجت في المرة الأولى كنت في التاسعة عشر من عمري وزوجي 24 ولكني كنت مستعدة اكثر منه بالرغم من اني كنت صغيرة جدا. ربما لم املك الخبرة الكافية لادراك ان علاقتنا كانت سيئة حينها، وكنت على مستوى من النضج لأتحمل المسؤولية في شكل ممتاز.. اما هو فلا، ما ادى الى فشل زواجنا"، وتضيف: "تزوجت مرة اخرى وانا في الخامسة والعشرين من رجل يكبرني بعشرة أعوام. الحمد لله نعيش حياة طبيعية. أعتقد أنه كلما نضج الرجل كان اهلا لتحمل مسؤولية البيت وتبعاتها".


       وفي حالة اخرى تقول رنا كامل :"انا في الثامنة عشرة من عمري ومخطوبة لشاب اكبر مني بعام واحد، ومن المفترض ان نتزوج عندما ابلغ 19 وهو 20. كل من سمع بخطوبتنا صدم واستاء واظهر عدم الرضا. احاول اقناع كل من حولي أن هذا الشاب هو من اريد البقاء معه طوال حياتي وانا متأكدة من هذا 100 في المئة.

 لست مراهقة ولا اتصرف بطيش ازاء فكرة الزواج. انا مدركة تماما لمعنى الزواج وعلى استعداد لتحمل كافة المسؤوليات. قررنا مؤخرا عدم اعطاء الفرصة لأحد بإهدائنا التعليقات اللاذعة والمثبطة، فنحن اتخذنا هذا القرار وسنتحمل النتيجة مهما كانت، كما اني سمعت عن العديد من الزيجات الناجحة والمستمرة بدأها الزوجان في سن صغيرة".


      في المقابل يرفض احمد سلامة تأخير سن الزواج، ويسرد مبرراته بالقول: "تأخير الزواج يعد محرضا على الفساد والانحلال، وكلما استعجل الشاب بالزواج، تهذبت روحه وصفيت نفسه واتجه نحو العمل والانتاج في شكل افضل. الا ان ظاهرة المغالاة في المهور وتكاليف الزواج من أهم الأسباب الحائلة دون لجوء الشباب إليه. فبعض الأسر تتعامل مع زواج بناتها وكأنه بيع وشراء. لا افهم لماذا لا يتساهل بعض الأهل ويزوجون بناتهن بأقل المهور للحد من هجوم الانفتاح والتحرر القادم علينا من الغرب؟"


الرجل نعم، المرأة لا..


      يقول أستاذ الاعلام في قسم علم الاجتماع بالجامعة الأردنية د. ابراهيم ابو عرقوب: "لو تأخر الرجل لسن الخمسين فلا مشكلة، أما المرأة فلا. فلنكن صريحين. الفتاة وعند تجاوزها سن 26 تقل فرصها بالزواج، كما ان الزواج المبكر افضل من ناحية الانجاب المبكر للأطفال، اضافة الى ان المرأة معرضة لفقدان الأم والأب لاحقا، وبقاؤها وحيدة مع ازدياد قضايا الفساد الأخلاقي لا يؤدي إلى تقليص المشاكل".


     اما استاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة د. حسين محادين فيقول: "اذا كانت الظروف والامكانيات متوفرة فلا مانع من الزواج. لا اعني الزواج المبكر في عمر 18 للشاب، فالأفضل بالتأكيد هو الاعتدال في اختيار سن الزواج. أعتقد أنه بين 24 و28، لا سيما وان الشاب اذا كان على مقاعد الدراسة فهو في حاجة إلى بناء نفسه وتحديد طريقه بعد التخرج  بالعمل والدراسة"، ويضيف موضحا اهمية مؤسسة الزواج أنه: "يجب إتمامه بغض النظر عن السن. صحيح ان الدين يوعز بضرورة الزواج المبكر في حال القدرة، لكن هذا الزواج يمثل تجربة حياتية مهمة للإنسان على الصعيد الشخصي من حيث ضرورة إحساسه بالمشاركة مع آخر وإعادة ترتيب أولويات حياته، بخاصة وان الأغلبية في مجتمعنا ينظرون للزواج وكأنه محدد لحرياتهم الفردية، ما لا ينطبق على جميع حالات الزواج بحيث تشير أغلب الدراسات المرتبطة بالأسرة الى ان مقدمات نجاح الزواج تتأثر بكيفية اختيار الزوجين لأنفسهما او اتفاقهما ونظرة كل منهما للحياة وقدرته على الانحياز باتجاه مصلحة الأسرة الجديدة التي سيشكلاها". وعن دور التنشئة في تأهيل الزوجين لدخول القفص الذهبي يقول محادين: "انماط التنشئة الأسرية لدينا في المجتمع الأردني لم تنجح بعد في تهيئة الشباب من الجنسين لاتخاذ قرارات ناضجة بمستوى قرار الزواج. ذلك ان عددا كبيرا من المقبلين عليه لم يزوَدوا بالخبرات الكافية من النواحي الجنسية والتربوية وحتى الأدوار الاقتصادية الجديدة المتوقع ظهورها في شكل حاد في حياة الأسرة الجديدة". ويضيف: "أركز على ضرورة تنويع وعصرنة بعض الأنماط الاجتماعية للتفكير والسلوك لدى الآباء كي يصار الى نقل هذه الخبرات والمعلومات بطريقة هادفة للأبناء المقبلين على الزواج، فمجتمعنا لا يتيح الفرصة كي يجربوا في هذه الحياة، كما اننا ما زلنا في حاجة لوضع الأبناء في مواقف تعليمية ترتبط بشؤون الزواج، الا ان هذه المواقف وللأسف غير متوفرة في مجتمعنا المحافظ خارج حدود الأسرة، وحتى في المؤسسات الموازية كالجامعات والمدارس الثانوية. لذلك فإن المواضيع المرتبطة بالأسر واختيار شريك الحياة لا يتم ايلاؤها العناية الكافية، ومن هنا تكمن خطورة المواقف المنعكسة باستعانة الشباب من الجنسين بآراء وتصورات أقرانهم اكثر مما يثقون بما يقال داخل حدود الأسرة، الأمر الذي ادخل عنصر الاعلام وبقوة في تفاصيل ومفردات التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها ابنائنا.

التعليق