المحيسن: البداوة في الاردن ارتبطت بمجال مكاني محدد هو الديرة

تم نشره في الأحد 6 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً
  • المحيسن: البداوة في الاردن ارتبطت بمجال مكاني محدد هو الديرة

باحث أردني يرى ان "الشفوي" محور لدراسة التاريخ الاجتماعي
  
      يشير الباحث جهاد المحيسن في كتابه "القبيلة والدولة في شرق الاردن" الى ان علاقة القبيلة بالدولة في الشرق العربي المعاصر جعلت القبائل البدوية تتمتع بالاستقلالية في مرحلة ضعف الحكم العثماني. ويرى المحيسن في ان مشروع كتابه يشكل قراءة وثائقية تقوم على منهج علمي يسعى الى فهم الواقع كما هو وليس كما اريد له ان يكون اي انها دراسة تعتمد على ما دار على ارض الواقع في الحياة الاجتماعية والسياسية الاردنية لحظة ولادة الدولة. "الغد" التقت الباحث المحيسن وكان معه هذا الحوار.

بداية دعنا نسأل لماذا ركزت على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية اكثر من تركيزك على الجانب السياسي؟

كما يعرف الجميع فان اغلب الدراسات التي تناولت التاريخ الاردني ركزت على البعد  السياسي وجعلت من التاريخ الاجتماعي هامشياً في دراستها وهذا حقيقة يرتبط بعاملين.

الاول: ان هذه الدراسات قد قدمت نفسها كمبرر موضوعي لتأسيس الدولة وفهمها في اطارها الوطني مما اضعف الفهم الاجتماعي لطبيعة هذا المجتمع وجعل منها دراسات تؤسس لولادة وتمركز الدولة الوطنية؛اي انها قراءة ايديولوجية اساساً تجعل من الوثيقة حجتها في التبرير لولادة الدولة وتغيب تماماً الحراك الاجتماعي الذي هو اساس التفاعلات السياسية والاقتصادية التي اسهمت في ولادة الدولة الوطنية.

     وبمعنى اخر فان المحرك كان ينطلق من التأكيد على الهوية السياسية للدولة وليس  الاجتماعية مما اضعف سلطة الاجتماعي،واقصاه لصالح السياسي لذا بدت تلك الدراسات من حيث الجوهر تدافع عن ولادة الدولة او تهاجمها دون ان تعير اهتماماً يذكر لمادة الدولة الاساسية وهو المجتمع،وعليه يمكن القول ان هنالك ثلاث دراسات تندرج ضمن هذا السياق وهي موزعة بين مؤيد لولادة الدولة.ومعارض لولادتها واخر يحاول ان يكون توفيقياً وكل من هذه القراءات كانت ايديولوجية اساساً اهملت عن سابق اصرار الحراك الاجتماعي وبنية المجتمع الاردني لتحقق مصالح فئات محددة رغم ان كل من هذه الدراسات قد اعتمدت الوثيقة كمصدر لها.

ثانياً: الدراسات التي اعتبرت المجتمع الاردني مجتمعاً بدوياً وعزلته عن محيطه في اطار المشرق العربي وهذه الدراسات استشراقية اساساً وتبعها جيل اخر اسميهم الجيل الجديد من المستشرقين الجدد من بعض العرب والمحليين الذين حركتهم نوازع ذاتية تتعلق بأزمة الهوية التي يعيشونها اساساً فأثر ذلك على دراستهم وجعل منها مادة مثيرة للسخرية عند المقابلة مع طبيعة الحراك الاجتماعية لحظة ولادة الدولة والفترة التي تلتها.

وهؤلاء الدارسون من المستشرقين والمستعربين الجدد على حد سواء يسعون الى التشكيك في قدرة هذه البنية الاجتماعية على الانتاج في سياقه المعرفي والحضاري وكذلك في دوره الوطني قومياً وعلى مر المراحل التي سبقت التأسيس.

اي انها دراسات مليئة بالحقد وهذا ما دفع ضريبته التاريخ الاجتماعي الذي لم يبحث بشكل حقيقي ويوضع في اطاره الذي كان فيه بمعنى ان الحاضر يتم اسقاطه على الماضي وهذا خطأ منهجي كبير وقع فيه الكثيرون حتى اولئك الذين حاولوا ان يدرسوا التاريخ الاجتماعي وفق منهج المادية التاريخية على اعتبار انها الاكثر فهماً للحراك السياسي والاجتماعي والاقتصادي وسأسوق هنا مثالاً واحداً يبين طبيعة هذا الاسقاط فمثلاً ذكرت بعض الدراسات ان نظام الري في الاراضي الزراعية في الاردن كان يعتمد نظام "السراكيل" وهذا النظام في ري الاراضي الزراعية موجود في العراق وليس في الاردن

أليس ذلك يعبر عن عدم وضوح رؤية للبناء الاجتماعي والاقتصادي في الاردن؟

    اضف الى ذلك الى ان دراسة التاريخ الاجتماعي هي العماد الاساسي لفهم التاريخ السياسي كما ان الدراسات الان تتجه الى فهم الاجتماعي وانعكاساته على السياسي.

ولكن من يقرأ كتابك يلاحظ انك اعتمدت على التاريخ والوثائق الرسمية واهملت المرويات الشفوية رغم قربها من الحقيقة؟

بادئ ذي بدء ليس هنالك في اعتقادي وثائق رسمية فالوثيقة هي ملك من يستخدمها وهي اساساً ملك الباحثين وملك المواطنين الذين كتبت عنهم هذه الوثائق فليس من حق احد الادعاء انها ملك له،ولم اركز كثيراً على الرواية الشفوية على الرغم من اهميتها لفهم التاريخ الاجتماعي وتعاملت مع بعض الروايات التي اوردتها بحذر شديد لان الرواية الشفوية او ما اصطلح على تسميته "بالتاريخ الشفوي" يجب ان يتعامل معه بحذر لانه يحمل في ثناياه الكثير من الاهواء الشخصية وكذلك يتم تجيير الحدث لصالح المتحدث او من يمثلهم، وان تقول في هذا السياق ان الوثيقة ايضاً تحمل مثل تلك الاهواء وتدافع عن مصالح فئة محددة؟ اقول لك نعم في بعض الاحيان ولكن الوثيقة التي عاصرت المرحلة تكون دليلاً مادياً عليها حتى وان حملت ما يريده واضعها منها سواء سلطة او معارضة وهنا يأتي دور المؤرخ للمقارنة بين اكثر من وثيقة واكثر من وجهة نظر حتى يتسنى له تفكيك وفهم المرحلة او الحدث المدروس.

   لذا اشير هنا الى ان التاريخ الشفوي يشكل محورا اساسيا لدراسات التاريخ الاجتماعي وهو ايضا يعمل على فهم كثير من الاشياء التي لا تكون موجودة في الوثيقة التي تتحدث عن حدث معين مثل "انتفاضة العدوان" على سبيل المثال لا الحصر او على معركة "حد الدقيق" في الطفيلة وغيرها من المحطات التاريخية المهمة في تبلور الدولة الاردنية فكثير من القضايا لا يمكن معرفتها الا من خلال الرواية الشفوية وعليه هي اساس في فهم حركة المجتمع.

* يظهر التنظيم الاجتماعي القبلي في كتابك وكأنه مجرد تنازع على السلطة من جهة ومحاولات غزو تتم من قبل القبائل البدوية على الفلاحين من جهة اخرى،السؤال هل هذا هو حال شرق الاردن قبل مجيء الدولة ام ان الحال مختلف عما تقول؟

 لم يكن الحال في شرق الاردن كما يخيل للبعض ولكن عندما يتناول الباحث مفردة محددة في التاريخ الاجتماعي فانه يسعى جاهدا الى الاحاطة بكل جوانبها لتأكيد فكرته المبحوثة ليوصل للقارئ ما يريد فعنوان "القبيلة والدولة" يعني بالضرورة محاولة فهم البناء السلطوي للقبيلة وشكل علاقاتها وتحالفاتها وصراعاتها اي انه يسعى لفهم بنائها السلطوي والانثروبولوجي وتبقى تعيش في محيطها ومجالها الزماني والمكاني والبشري.

وهنالك بعض الدراسات التاريخية الاستشراقية وبعض الدراسات العربية حاولت تأكيد ان المجتمع الاردني مجتمع "بدوي" واستخدم المصطلح "الخلدوني" "مجتمعا ضالعا في البداوة" لتحقيق اهداف سياسية وخدمة مشاريع محددة وهي اي تلك الدراسات كما اسلفت سابقا وجدت لخدمة اهداف سياسية من جهة وكذلك لتأكيد جانب يتعلق بهوية هؤلاء الباحثين اي انه بحث عن هوية من خلال اسقاط مفاهيم ليست في سياقها الحقيقي فالمجتمع الاردني نعم مجتمع عشائري اضف الى ذلك ان شكل البداوة فيه في مرحلة ما قبل الدولة وفترة التأسيس لا ينطبق عليه الوصف الخلدوني الذي اشرت اليه سابقا فالبداوة في الاردن قد ارتبطت بمجال مكاني محدد او ما اصطلح على تسميته "بالديرة" مثلا ديرة بني صخر وديرة الحويطات العدوان الخ.

   كما انه في الوقت نفسه كان هنالك بلدات وقرى موجودة في شرق الاردن تدفع الضرائب للسلطنة العثمانية مثل الطفيلة والكرك والسلط وعجلون وما يتبع هذه البلدات من قرى.

ولم يكن في المشرق العربي مدينة مركز الا دمشق وهذا ما تؤكده العديد من الدراسات وحتى القدس لم تكن سوى حاضرة دينية لا تتمتع بما تتمتع به دمشق من حيث كونها مركزا تجاريا وسياسيا.

والنزاع الذي كان يدور بين القبائل البدوية والفلاحين كان  يأتي في سياق التحالفات التي كانت تنشأ بين هذه البلدات وهذه القبائل اضف الى ذلك ان التحالفات التي كانت تتم ضرورية لوقف زحف القبائل البدوية القادمة من شبه الجزيرة العربية فهي تحالفت مع هذه القبائل لصد هذه الهجمات وهذا ما اسمته "بالعقد الاجتماعي" بين القبائل البدوية والفلاحين فهم بحاجة الى الحماية من هذا الزحف القادم من الجزيرة وكذلك البدو بحاجة الى ما ينتجه الفلاحون اي ان العلاقة تبادلية بين الطرفين ولكل منهم مصالحه المرتبطة مع الآخر وهو ما يمكن له ان ينفي صبغة الصراع الدائم.
 
    اضف الى ذلك الى ان المجموعة القيمية التي يتمتع بها الطرفان تجعل منهم حلفاء في مجموعة القيم التي ميزت هذا المجتمع من حيث الكرم والنخوة وغيرها من القيم الايجابية التي ساعدت في استيعاب الكثير من المهاجرين الجدد على شرق الاردن واستوعبتهم ضمن مجموعتها القيمية التي بدا الآن انها قد ضعفت امام الكثير من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وكذلك ضعف الولاء للوطن بمفهومه الجغرافي.

* تحدثت كثيرا عن مسألة استيعاب القبائل وزعاماتها برأيك اين اصبحت الشرعية التقليدية لهذه الزعامات الآن؟

 ثمة عقد اجتماعي غير مكتوب ولكن يتم التعاطي معه بشكل دقيق لعلاقة الدولة بالزعامات المحلية وكما يعرف الجميع ان الدولة الاردنية قد استمدت شرعيتها بناء على هذا العقد في مرحلة ولادة الدولة ولكنها استطاعت ايضا ونتيجة لتطورها ان تصنع نخبها الخاصة والجديدة التي اجرت تحالفاتها الخاصة مع السلطة وهذه النخب اقتصادية اساسا والمثير في هذه المسألة ان تلك النخب قد صنعت رأس مالها من الدولة ذاتها وبحكم ان الدولة قدمت نفسها على انها رأس المال الذي يقود المجتمع اقتصاديا واجتماعيا اصبحت هذه النخب جزءاً منها وارتبطت بها ارتباطاً جدلياً للحفاظ على مكتسباتها الاقتصادية التي هي كما اسلفت من الدولة ذاتها بمعنى ان الرأسمالية المحلية هي صنعت الدولة وليس العكس.

    اما ما يخص الزعامات المحلية فقد جرى تغييرها في كثير من مراحل تطور الدولة بما يخدم مصالحها وتم تغييب بعض الزعامات واظهر اخرى على حسابها وهذا كله يجري في سياق تطور الدولة.

الا ان لحظة الولادة للدولة تشكل المدخل الاساسي لهذا العقد لذا ارى انه من الواجب اعادة النظر في شكل هذا التعاقد وعدم تهميش الاطراف لصالح المركز الجديد "اي عمان" لأن  التهميش يحمل في ثناياه خطرا كبيرا ربما يؤدي من وجهة نظر (السيسيوتاريخية) الى انقضاض على المركز وتقويضه من هنا تبرز اهمية الدراسة اذ انها تهدف الى فهم شكل السلطة وظيفيا والعلاقة مع مجتمعها وهي محاولة لفهم توزيع الادوار والشروط والواجب فهمها للاستمرارية في شرعية وجود السلطة.

   وعليه فان الزعامات المحلية تبقى دعامة اساسية لتلك الشرعية ولكن ضمن سياقها الطبيعي بما يفسح المجال للنهوض بالواقع الاجتماعي والسياسي وليس تهميشه.

اضف الى ذلك ضرورة اشراكه بشكل فاعل في الحراك السياسي والاقتصادي وتوسيع هامش المشاركة وصياغة القرار فهو ايضا ساهم في بناء الدولة ومن الضرورة بمكان اعادة الاعتبار اليه في مناطقه اي "الاطراف" وليس "المركز" فهو مرتبط ارتباطاعضويا في الاستمرارية ومن الممكن ان يكون عامل تقويض ان استمر التهميش عليه.

التعليق