القبيلة والدولة .. بلورة الشرائح الاجتماعية الجديدة

تم نشره في الثلاثاء 1 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً
  • القبيلة والدولة .. بلورة الشرائح الاجتماعية الجديدة

 


    يحاول الباحث جهاد المحيسن في كتابه "القبيلة والدولة في شرق الاردن, الصادر عن منشورات البنك الاهلي الاردني التركيز على وظائف السلطة الاردنية وتحديد اشكال وعلاقات الانتاج القائمة ضمن مرحلة تاريخية محددة 1921-1936 مشيراً الى ان هذه السلطة قد وجدت بين الناس دون تمهيد مسبق مما حال دون قبولها او التعاون معها.


    ويرصد المحيسن في دراسته التنظيمات الجديدة التي تغلغلت في الاردن وحققت بالتدريج احتواءها للتنظيمات الجديدة: الجيش العربي والاجهزة الحكومية المختلفة التي شكلت على اسس ادارية حديثة بالاضافة الى القوانين العصرية المستمدة من الدولة المستعمرة وقد عملت هذه الاشكال للسلطة ادوات فاعلة لتحقيق التغيير الاجتماعي والتحديث في المجتمع واثرت كذلك على الوحدات الاجتماعية التقليدية الكبرى: القبيلة والعشيرة والعائلة.


     ويقدم المحيسن فرضية مركزية تقوم على اساسها دراسته تكمن في ان منظمة شرق الاردن لم تألف اي شكل من اشكال السلطة المركزية المباشرة اذ ان الكشف عن الآليات التي تبلورت فيها السلطة التقليدية لشيوخ العشائر والقبائل يفسح المجال لفهم الطريقة التي تم من خلالها تعبير الزعامات المحلية عن موقفها الرافض لوجود سلطة مركزية جديدة تقوم بدور الضابط لحركة هذه الزعامات وتحديدها في اطر نظامية جديدة لافتاً الى انه وفي السياق نفسه سعت الدراسة للاجابة على عدد من الاسئلة مثل: كيف تمكنت السلطة من استيعاب القبيلة? وهل كان هذا الاستيعاب او الاحتواء تصادمياً ام اندماجياً? وكيف استطاع الامير عبد الله المدعوم من بريطانيا ان يبلور مشروعه في تأسيس سلطة مركزية وتوظيف التناقضات التي يمليها قيام دولة في مجتمع قبلي.


      ويتناول الباحث المحيسن علاقة القبيلة بالدولة في الشرق العربي المعاصر مشيراً الى ان القبائل البدوية تمتعت في مرحلة ضعف الحكم العثماني بالاستقلالية لان الحضور الفعلي للسلطنة لم يكن موجوداً وقد سعت السلطة في صراعها مع القبائل البدوية الى تقديم تنازلات ضرائبية وامتيازات مالية لشيوخ هذه القبائل لتأمين طريق الحج وطرق القوافل التجارية ومنع تعديات البدو على الارياف والمدن القريبة من حد البادية مبيناً ان العلاقة بين البداوية والدولة هي علاقة ولادة الدولة على انقاض المجتمع القبلي اي "ان الدولة هي تعبير عن السلطة بين الطبقات الاجتماعية المتصارعة والانتقال من المرحلة الاجتماعية السابقة على المجتمع الطبقي الى هذه المرحلة سمة اخرى حتمية من سمات الانتقال من البداوة الى العمران او الاستقرار ولكن ما حصل في سياق ولادة الدولة الوطنية الحديثة ان هذا الانتقال قد تم قسرياً ولم يكن ضمن صيرورته التاريخية فقد كانت الاراضي المروية بشكل خاص والمراعي بشكل عام القاعدة المادية لتربية الماشية وبالتالي للعمل والانتاج اللذين يمارسهما جميع افراد القبيلة, ساهمت السلطة المركزية- خاصة في مرحلة الاستعمار الاوروبي- في اجبار العديد من القبائل على الاستقرار في المناطق التي شهدت ولادة الدول لاحقاً (سوريا العراق، الاردن، السعودية) بحيث يلاحظ الان ان قبائل "عنزة" مثلاً قد انقسمت الى فروع مستقرة في تلك الدول الامر الذي مهد لبداية استقرار الجماعات البدوية بشكل جزئي وبرزت سمات ذلك التغيير على نطاق واسع في جميع المجالات وادت الى ازمات مالية وتجارية وانتاجية تركت اثارها على القبائل البدوية وساهمت في تفكيك بنيتها الى اسر محدودة العدد واعادة توزيع نفسها ومن مواقع متباينة على الطبقات والشرائح الطبقية القائمة في بعض البلدان العربية.


      ويشير المحيسن الى انهيار النظام التقليدي امام تحديات الدولة الحديثة والجيوش الداعمة لها في عصر السيطرة الاستعمارية المباشرة على المشرق العربي لافتاً الى انه كان من مصلحة الدول المستعمرة وادواتها المحلية اجبار القبائل البدوية خصوصاً المرتحلة منها على الاستقرار النهائي والدخول في دائرة الانتاج الداخلي والاستهلاك وحماية النفط وحركة الرساميل العاملة داخل الدولة القطرية العربية فـ"التخلي عن الاعراف القبيلة واعتماد النظم الحديثة لم يكن امراً ميسوراً ويتطلب عدة عقود زمنية وتعاقب اجيال عربية غير تلك التي تربت في احضان البداوة الصحراوية كما ان المصلحة الاستعمارية اقتضت ايضاً الابقاء على التجزئة القبلية في السلطة داخل الدولة القطرية نفسها لان توحد هذه السلطة قد يهدد مصالح القوى الاستعمارية مبيناً ان طبيعة الاقتصاد البدوي لم تكن قادرة على حسم الصراع ومن هنا تشكلت التحالفات القبلية للحفاظ على الذات من جهة وعلى النفوذ والمنعة من جهة اخرى فحل الشعور القبلي مكان الشعور الوطني لان الدفاع عن القبيلة كزعامة وكقوة اقتصادية كان يحظى بإجماع افراد القبيلة تحت عنوان الملكية الجماعية لارض القبيلة وماشيتها ومع تفكك القبائل واستقرارها بعد ولادة الدول الوطنية تبلورت شرائح اجتماعية وطبقية جديدة.


     ويذكر ان الباحث جهاد المحيسن ولد في العام 1969 في محافظة الطفيلة وحصل على بكالوريوس التاريخ من جامعة مؤتة في العام 1994 وعلى الماجستير في التاريخ الاجتماعي الحديث من الجامعة اللبنانية 1999 ويعمل الان صحفياً في جريدة الرأي الاردنية.

التعليق