فيلم " طيارة من ورق " إشكاليات قراءة الفيلم من خارج بنيته

تم نشره في الثلاثاء 1 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً
  • فيلم " طيارة من ورق " إشكاليات قراءة الفيلم من خارج بنيته

   فاز فيلم " طيارة من ورق " للمخرجة اللبنانية رندا الشهال بجائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان البندقية السينمائي الدولي للعام 2003 . ويأتي هذا الفوز بعد عام واحد من حصول فيلم " يد إلهية " للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان بجائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان كان السينمائي لعام 2003 . وفوز هذين الفيلمين الحاملين توقيعي مخرجين عربيين قد يوحي بأن السينما العربية الجديدة باتت متطورة " سينمائيا " إلى درجة تؤهلها للحصول على الاعتراف العالمي ، مثلها في ذلك مثل السينما الصينية والسينما الإيرانية ، اللتين حصدتا الجوائز الرئيسية في المهرجانات السينمائية الدولية خلال السنوات العشر المنصرمة ، وأبهرتا عشاق السينما في العالم الذين اكتشفوا  في السينما الصينية والسينما الإيرانية ميزات إبداعية كثيرة في مجالي الإخراج والسيناريو خاصة، إضافة إلى تمتع كل منهما بمواصفات أسلوبية تعكس الأصالة الوطنية النابعة من تراث ثقافي فني عريق .


    فيلم " طيارة من ورق " ، مثله مثل فيلم " يد إلهية " من إنتاج مؤسسات فرنسية بالدرجة الأولى ، والإنتاج في عرف صناعة السينما يحدد جنسية الفيلم ، وبالتالي فإن اعتبار ان هذين الفيلمين ينتميان إلى السينما العربية يصبح أمرا منطقيا ومشروعا فقط نتيجة كون مخرجيهما عربيين و لأن موضوعهما والقضايا التي يثيرانها ترتبط بطريقة أو بأخرى وبشكل خاص بالصراع العربي الإسرائيلي ، إضافة إلى البيئة وأماكن التصوير العربية وطاقم الفنيين والتقنيين والممثلين العرب . ما يبرر قيام المؤسسات الفرنسية ، وقد تساهم معها مؤسسات أوروبية أخرى ، بتمويل أفلام لمخرجين عرب بشكل كامل ، هو أن موضوع الصراع العربي الإسرائيلي بات قضية عالمية والاهتمام به يحتل حيزا كبيرا في أوروبا المعاصرة . غير أن هذا الاهتمام لا يعكس انحيازا باتجاه يتوافق مع وجهة النظر العربية بقدر ما يهدف للترويج للمواقف الأوروبية بما يجعلها تشجع إنتاج الأفلام المنسجمة مع سياساتها .


    والى حد ما يمكن النظر الى الجوائز التي منحت للفيلمين من منظور الاهتمام الأوروبي بالموضوع وطريقة عرضه ومعالجته في كل من الفيلمين ، وهي طريقة ومعالجة تجدان قبولا أو رضا لدى الأوروبيين ، وقد تجدان قبولا ورضا عند النقاد والمثقفين في الأوساط العربية ، ولكنهما من ناحية ثانية ، قد يواجهان بعض التحفظات أو حتى الاعتراضات من قبل أوساط عربية ، وهي تحفظات واعتراضات يمكن إدراجها ، خاصة ، ضمن جهود مكافحة التطبيع .
     وواقع الحال أن الفيلمين تعرضا في الأوساط الإعلامية العربية لكلا الحالتين : الرضا والقبول من قبل الكثيرين ، والتحفظ من قبل البعض .


    قبل " طيارة من ورق " بنحو أربعة أعوام أخرجت رندا الشهال فيلم " المتحضرات " والذي نالت عليه جائزة منظمة اليونسكو . ولكن رندا الشهال رفضت الجائزة واستهجنتها علنا لأنها منحت لها مناصفة مع فيلم لمخرج إسرائيلي . كان موضوع فيلم " المتحضرات " ( وهو أيضا إنتاج فرنسي ) يدور حول الحرب الأهلية في لبنان ، وهو موضوع بحد ذاته لا يستدعي أي قلق مسبق أو حساسية متوجسة . وهذا ما لا ينطبق على فيلمها " طيارة من ورق " المرتبط موضوعه مباشرة بالصراع العربي الإسرائيلي ، والذي يمكن تشبيه البحث والغوص فيه بعملية السير في حقل ألغام ، خاصة وان جزءا أساسيا من الحبكة فيه يدور حول عاطفة حب تجمع ، ولو عن بعد ، بين صبية لبنانية ومجند إسرائيلي . وهكذا ، بطبيعة الحال ، لم يسلم فيلم " طيارة من ورق " عند عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي من بعض الأراء المتحفظة ، على الأٌقل ، على هذا الجزء من حبكة الفيلم ، على الرغم من أن الفيلم بالمقابل  حظي بالكثير من المقالات من قبل نقاد وصحافيين عرب والذين أشادوا بالفيلم سياسيا وفنيا .


    تجري أحداث الفيلم في قرية حدودية مفترضة تقع بالقرب من الحدود اللبنانية الإسرائيلية وتضم سكانا عربا من الطائفة الدرزية ، وهي قرية تم تقسيمها مع سكانها إلى قسمين بفعل الاحتلال الإسرائيلي ، قسم يعيش في لبنان والقسم الآخر يضم أقاربهم الذين يعيشون ضمن دولة إسرائيل ( والوضع برمته مستعار للفيلم من وضع سكان هضبة الجولان الدروز ) . من المعلوم ان الدروز في كلا الجانبين المفصولين عن بعضهما بالأسلاك الشائكة وحقول الألغام وبالعسكر ، يسعون جهدهم للحفاظ على أواصر القربى ، ويقيمون صلات مباشرة فيما بينهم عبر مكبرات الصوت . سينمائيا ، هذا الوضع ، بحد ذاته ، يحتوي على إمكانات درامية متنوعة ومؤثرة ، كما انه يتيح المجال لتقديم مادة سياسية عميقة المضمون .


    من داخل هذا الموضوع العام يروي الفيلم حكاية الصبية لمياء ذات الخمسة عشر ربيعا ، والتي تلهو قرب الشريط الحدودي باللعب بالطيارة الورقية مع أخيها الأصغر ، المقيمة في الجانب اللبناني ، التي يقرر أهلها تزويجها من قريب لها يقيم في الجانب الإسرائيلي . وهي تذعن عن غير رغبة منها وتعبر الحدود وحيدة في ثياب العروس . وحين تلتقي بزوجها تتمنع عليه وتعلن له أنها لا تحبه ولا تريده . ولا يعترض الزوج على ذلك بل يعلن لها تفهمه وانه مثلها تماما لا يحب ولا يريد .


    عند نقطة الحدود ثمة برج مراقبة . ودائما يجلس فيه نفس الجندي الإسرائيلي يراقب الجانب الآخر، يستمع للأحاديث من خلال مكبرات الصوت ويدون التقارير حول ما يرى ويسمع للقيادة العسكرية . وهذا الجندي الذي كان يراقب لمياء وهي تلهو بالطائرة الورقية ،  صرخ محذرا إياها من الألغام عندما غامرت واخترقت السياج الحاجز لاستعادة طائرتها ، والذي شاهد لمياء وشاهدته بدورها أثناء عبورها عروسا أولا داخل إسرائيل ، و خروجها عائدة إلى لبنان بعد تطليقها ، هو الذي ستحبه لمياء وسيحبها ، وهي ستعيش علاقة الحب ضمن أحداث متخيلة ( او أحداث يختلط فيها الخيال مع الواقع ) ستفضي بها الى العودة من وطنها وعبور الحدود إلى إسرائيل  والرجوع مجددا للقاء الجندي الإسرائيلي في الجانب المحتل لتلاقي حتفها في انفجار لغم حدودي يتلوه مشهد متخيل أيضا تلتقي فيه مع المجند وتعريه من ملابسه العسكرية في لحظة توافق وانسجام متبادلين ، لحظة تحيلنا إلى صيغة النهايات السعيدة في أفلام الميلودراما.


    ثمة بالطبع تفاصيل أحداث وعلاقات وشخصيات أخرى . ولكنها خارج سياق ما نرمي إلى قوله .


    يحتمل الفيلم ، مثله مثل أي فيلم او أي عمل إبداعي آخر ، العديد من التأويلات المختلفة التي قد يتوصل إليها المتفرج بجهوده الذاتية ونتيجة عوامل عديدة ذاتية في أساسها ، ثقافية معرفية أو حسية شعورية ، تؤدي به إلى اجتهادات خاصة ، وهي تأويلات تبدو له سليمة تماما طالما أنها نتجت عن تفاعله ووعيه الخاص به ( هذا وضع تعترف بمشروعيته بعض  النظريات النقدية الحديثة التي تعنى بآليات الاستقبال الأدبي والفني والتي تتجاوب مع مقولة الناقد الفرنسي رولان بارت عن " موت المؤلف " و تقر بأن العمل الإبداعي هو ، في نهاية المطاف ، القارىء أو المتفرج ) . لكن المشكلة الحقيقية في تأوليات من هذا النوع تكمن في كونها ذاتية وليست موضوعية ، خاصة لأنها تتجاهل البنية الدرامية وما تنتجه هذه البنية من علاقات دلالية ، وهي لهذا لا تكون صادقة .


    يبدأ فيلم " طيارة من ورق " بقضية كبرى ترتبط بالاحتلال الصهيوني الذي فرٌق بين أبناء الوطن جغرافيا وعجز عن التفريق بينهم روحيا ، لكن الفيلم سرعان ما ينحرف تدريجيا عن هذه القضية الكبرى ليعالج قضية صغرى بالمقارنة مع القضية الأساس فتتراجع قضية الوطن والشعب لصالح قضية فرد . وحسب البنية السردية للفيلم تنحرف القضية السياسية عن مسارها لتصبح قضية عاطفية ، وبدلا من مشكلة شعب يريد التحرر ، تطفو على السطح مشكلة فتاة تريد التحرر من التقاليد التي تمنعها من حب من تريد ويفرض عليها الزواج ممن لا تريد ، وهي مشكلة كان يمكن معالجتها بعمق وشمولية أكبر فيما لو جرى ذلك ضمن موضوع ملائم . ويبدو لدى التدقيق في تفاصيل الفيلم انه يعاني من الارتباك في تحديد أهدافه او ما يريد قوله ، ويعجز عن إيجاد صلة حقيقية متبادلة ومتفاعلة ما بين الخاص والعام هذه هي الإشكالية الكبرى التي تعاني منها بنية الفيلم ، والتي تتفرع عنها بالضرورة إشكالية رئيسية أخرى .


    كتب الكثيرون في محاولة لتبرير العلاقة بين لمياء اللبنانية الدرزية والجندي الإسرائيلي وإبعاد أي شائبة تطبيعية عنها ، يقولون أن الجندي درزي أيضا وأن الدروز في إسرائيل يساقون للتجنيد مثل اليهود ، فهو " جندي " في الجيش الإسرائيلي رغما عن انفه . لكن هذا التبرير (غير المقنع واقعيا) ، لا يجد سندا حقيقيا له من داخل بنية الفيلم . ذلك ان الواقع أن هذا الجندي درزي يتم التعريف عنه في الفيلم بخطاب مباشر لجمهور المشاهدين وحدهم ، ولمياء ليست من هذا الجمهور ، بل هي واحدة من شخصيات الفيلم وهي بالتالي لا تعرف أنه درزي ولم يذكر لها أحد من داخل الفيلم انه كذلك . هو " منطقيا " و " عمليا " مجرد جندي إسرائيلي يتمركز فوق برج مراقبة ، أي أنه جندي عدو بالضرورة ، وهي بدأت تميل إليه عاطفيا قبل أن تعرف أي شيء عنه سوى أنه جندي . هذا وان حقيقة أن الدروز العرب في إسرائيل يخضعون للتجنيد مثل اليهود ( في حين يستثنى المسلمون والمسيحيون العرب ) هي حقيقة من خارج الفيلم وليس من داخله أي أنها غير متضمنة في بنية الفيلم ، وبالتالي لا يعلم بها إلا جزء من المشاهدين المعنيين مباشرة بالموضوع في حياتهم اليومية لأنه يرتبط بمشكلتهم السياسية (خاصة العرب واليهود) في حين أنها حقيقة مجهولة بالنسبة لباقي المشاهدين في العالم  (ومنهم الأوروبيون) والذين قد لا تعني لهم شيئا حتى ولو علموا بها مسبقا ، وبالتالي فإن هذا الجزء من محاولة تبرير العلاقة في وسائل الإعلام العربية يفتقر إلى المصداقية أيضا .


    فوز فيلم " طيارة من ورق " بجائزة لجنة التحكيم من مهرجان سينمائي أوروبي يجب ألا يغطي على الحاجة للتمعن فيه وفي ما يطرحه ، وذلك ليس استنادا إلى النوايا الطيبة والصادقة المعلنة من قبل مخرجة الفيلم ، بل بالعلاقة مع نتيجته النهائية كما تحققت ضمن بنيته وليس من خارجها .

التعليق