مسلمون في الكنائس ومسيحيون في أضرحة آل البيت.. بحثا عن البركة

تم نشره في الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً

بعيدا من القضية المثارة حاليا في مصر..

القاهرة - خلافا لأجواء التوتر التي أشاعتها بعض الصحف في مصر مؤخرا بحثا عن الإثارة ورغبة في توزيع صحفهم بتناول موضوع دخول امرأة مسيحية في الإسلام، يفد مئات وربما آلاف المسلمين والمسيحيين إلى الأضرحة والكنائس وأديرة القديسين كل عام للوفاء بنذورهم في المناسبات المختلفة.. وليس غريبا أن نجد مئات المسلمين داخل كنيسة مار جرجس - أو السيدة العذراء أو سانت تريزا، جاؤوا ليفوا بنذورهم لهؤلاء القديسين. وليس غريبا أيضا أن تجد مئات المسيحيين داخل ضريح السيدة زينب أو الإمام الحسين أو السيد البدوي جاؤوا كذلك ليفوا بنذورهم.. فلا يفرق كثير من المصريين بين القديسين والأولياء.. وفي مقدمتهم مشاهير ونجوم.

     ما يمنع الاستغراب أمران أولهما حالة التدين الشعبي لدى المصريين كافة والتي تساوي في مفهوم القديس والولي لدى أصحاب الديانتين، وتسمح بالتماهي بينهما أحيانا فكل – حسب التصور الديني الشعبي مقرب إلى الله، وثانيهما سمة التسامح والتآخي بين أبناء ثقافة واحدة تحددها عوامل الجغرافيا والتاريخ، وربما يمكن إضافة سبب ثالث هو ميل كثير من المصريين مسلمين أو مسيحيين إلى مجاملة شركائهم في الحياة اليومية من أبناء الديانة الأخرى.
 
العندليب والقديسة

     عندما تدخل كيسة سانت تريزا بمنطقة شبرا تجد قاعتين كبيرتين مثبت على جدرانهما لوحات رخامية تسجل نذور الناس للقديسة تريزا. وأول ما يشد الانتباه في هذه اللوحات عدد من الأسماء المعروفة. نجد للفنان الراحل عبد الحليم حافظ ثلاث لوحات رخامية لثلاثة نذور، وفّى بها العندليب..  كتب في اللوحة الأولى "شكرا لأمنا الحبيبة تريزا.. عبد الحليم حافظ - فبراير سنة 1965" وكتب في الثانية "باركيني أيتها الأم الطاهرة.. عبد الحليم حافظ -مارس 1971". أما في اللوحة الثالثة فقد كتب "كوني بجواري أيتها القديسة الطاهرة.. عبد الحليم حافظ -سبتمبر 1976".

     هنا يقول راعي كنيسة سانت تريزا الأنبا أغاثون: "إن الفنان عبد الحليم حافظ كان دائم التردد على كنيسة سانت تريزا، فقد كان يكن تقديرا خاصا للقديسة حتى إنه كان يأتي مرة أو مرتين في الشهر.. وكان كلما قابلته مشكلة يأتي مسرعا إلى الكنيسة".. ويؤكد الأنبا أغاثون أن العندليب الأسمر كان يأتي بعد كل أزمة صحية ليقدم الشكر إلى الأم تريزا.

أما الموسيقار فريد الأطرش فقد كتب على لوحة رخامية كبيرة "نتبارك دائما بروحك الطاهرة يا أمنا الحنون.. فريد الأطرش أغسطس 1969". وكتبت الفنانة أسمهان شقيقة فريد الأطرش "شكرا على مساعدتي أيتها القديسة الحبيبة.. أسمهان -نوفمبر 1961". وكتب الموسيقار محمد عبد الوهاب "شكرا للأم الطاهرة.. محمد عبد الوهاب -مايو 1958" وأيضا كتبت كوكب الشرق السيدة أم كلثوم "أتبارك بك دائما أيتها الأم الطاهرة.. أم كلثوم أغسطس 1960" وكتبت الفنانة فريدة فهمي "امنحيني البركة يا أمنا الطاهرة".
 
العشاق المجهولون

    من غير المشاهير هناك كثير من المسلمين يترددون على كنيسة سانت تريزا.  فنجد إلى جانب لوحات نذور الشخصيات المشهورة لوحات لأشخاص عاديين.  نقرأ مثلا "شكرا على تمام شفائي أيتها القديسة الطاهرة.. محمد عبد الفتاح - مارس 1963".. "باركيني يا أمنا الحبيبة.. أحمد سيد عبد الله - ديسمبر 1972".. "شكرا على نجاحي.. محمود حسن - أغسطس 1974".

    يقول الأنبا أغاثون: "إن للقديسة الأم (تريزا) مكانة خاصة في قلوب المسلمين والمسيحيين وهم يحضرون لطلب البركة أو المساعدة في أمر من أمور الدنيا، فلا فرق بين مسلم ومسيحي.. فأنا أذهب إلى صديقي شيخ الجامع المجاور للكنيسة وهو يحضر إلى الكنيسة".. ويتحدث الأنبا أغاثون عن أغرب النذور قائلا: "منذ عامين تقريبا كانت تتردد على الكنيسة سيدة مسلمة تأتي بالزيت والشمع.. وكانت مشكلتها أنها متزوجة منذ خمسة عشر عاما ولم تنجب حتى الآن رغم أن الأطباء أكدوا عدم وجود أسباب علمية لعدم الإنجاب، وفوجئت بها منذ عام تأتي ودموع الفرح تنهمر على وجهها لتخبرني أنها حامل في الشهر الثاني.. وقد أنجبت بعد ذلك توأما - ولد وبنت - وسمت البنت "تريزا" تبركا بالقديسة الطاهرة".

    ويحكي الأنبا بسنتي أسقف حلوان والمعصرة وراعي كنيسة برسوم العريان بمنطقة المعصرة عن قصص نذور المسلمين للقديس برسوم العريان قائلا: "الناس في منطقة المعصرة والمناطق المجاورة يترددون على الأنبا برسوم العريان "سيدي العريان".. المسلمون والمسيحيون على السواء يتبركون به ويقدمون النذور..  فالمسلمون يعتبرونه وليا والمسيحيون يعتبرونا قديسا".

     وعن أغرب قصص النذور يقول الأنبا بسنتي كانت هناك سيدة مسلمة من أبناء منطقة المعصرة لم يكن يعيش لها أبناء حيث أنجبت ست مرات ولم يعش لها أي طفل، وقد نذرت إذا عاش طفلها أن تظل توقد كل يوم شمعة للقديس برسوم العريان لمدة عام كامل، وفعلا كانت تحضر كل يوم لتوقد شمعة وابنها الآن عمره 5 سنوات وبصحة جيدة وينادونه في المنزل باسم العريان".

الأعياد الدينية مناسبات اجتماعية

    يقول الأب كيرلس راعي كنيسة السيدة العذراء بمنطقة مصر القديمة: "يأتي الكثير من المسلمين للتبرك بالسيدة العذراء. فالمصريون شعب طيب ولا فرق بين ولي وقديس، فكلهم خدموا الله والناس وزهدوا في الدنيا.. نحن نستقبل كل يوم الكثير من المسلمين جاؤوا ليفوا بنذورهم للسيدة العذراء.. ويضيف الأب كيرلس: "أعتقد أن موضوع النذور يعكس حجم الثقافة الاجتماعية الموجودة والتي تقوم على الحب وتؤكد أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين علاقة تاريخية لها جذور متينة. فالمسلم يذهب ليتبارك بالسيدة العذراء والمسيحي يتبارك بالسيدة زينب".

     في مسجد السيدة زينب يحكي لنا الشيخ عبد الله محمد - إمام المسجد - إحدى القصص الطريفة قائلا: "حضرت إليّ سيدة مسيحية قالت إنها لم تنجب سوى ابن واحد مات في حادث وعمره عشر سنوات، ولم تستطع الإنجاب من بعده رغم صغر سنها وعدم وجود موانع طبية للإنجاب.. وقالت إنها رأت في منامها أنها تأتي إلى مقام السيدة زينب وتوقد ثلاثين شمعة في ثلاثين يوما، كل يوم شمعة، ورأت أنها في اليوم الثلاثين خرجت وفى يدها ابنها الذي مات.. وعندما أخبرتني بهذه القصة قلت لها "إن الله يهب لمن يشاء الذكور ولمن يشاء الإناث".. وظلت السيدة تأتي إلى المسجد توقد كل يوم شمعة، وبعد الشمعة الثلاثين حضرت في اليوم التالي لتقص عليِّ رؤية جديدة: "أنها رأت نفسها ممددة في سرير أشبه بسرير المستشفى ورأت سيدة عرفت فيها السيدة زينب تقول لها اطمئني سيرزقك الله بطفل غاية في الجمال.. وبشرت السيدة أن الله سيحقق لها أمنيتها، وعندما ذهبت إلى الطبيب بعدها بأيام عرفت أنها حامل".

     ويرى القس إكرامي لمعي أن قصص النذور تعكس الروح الطيبة التي يتمتع بها المسلمون والمسيحيون وأنه أمر طبيعي أن تجد المسيحيين في ضريح السيدة زينب والإمام الحسين، وأن تجد المسلمين في كنيسة السيدة العذراء أو سانت تريزا. ويختم القس سامح موريس بقوله: "إن الشعب المصري شعب يحترم الديانات السماوية كلها وهو أول شعب آمن بفكرة التوحيد قبل وجود الأديان لأن المصريين شعب متسامح على مدى تاريخه..    

  
      فالمسيحيون يشاركون إخوانهم المسلمين الاحتفال بمظاهر شهر رمضان المختلفة ويهنئونهم بعيد الفطر، وبعدها يحتفل المسلمون بأعياد المسيحيين أيضا.. حتى أنه يمكن اعتبار الأعياد الإسلامية والمسيحية قد تحولت إلى أعياد أو مناسبات اجتماعية أكثر من كونها دينية لأنها تجمع كل المصريين - مسلمين ومسيحيين".

التعليق