هل سنرى فيلم "يوميَّات درَّاجة هوائيَّة" في دوركم قريباً؟

تم نشره في الأربعاء 12 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • هل سنرى فيلم "يوميَّات درَّاجة هوائيَّة" في دوركم قريباً؟


 


نشرت الصحف المحليَّة، قبل أيَّام، نقلاً عن وكالات الأنباء، صورة للاعب كرة القدم الشهير مارادونا، وقد بان بوضوح على ساعده العاري، وشم متقن يمثِّل صورة لغيفارا.

 وبعدها بيومين، نشرت صورة لنجم كرة القدم الفرنسي ولاعب نادي أرسنال اللندني تييري هنري، وهو يرتدي قميص تي شيرت رُسمت عليه بحجم كبير صورة لغيفارا أيضاً.


وليس الأمر مقصوراً على الرياضيّين فقط؛ بل كثيراً ما شاهدنا بعض الرموز التي تخصّ غيفارا(طاقيَّته الشهيرة"البيريه"، وبالكيفيَّة التي كان يلبسها بها، والنجمة الخماسيَّة، والملابس الكاكيَّة، واللحيَّة غير المحدَّدة الحوافّ) على الكثير من الشباب، في مختلف أنحاء العالم، سواء أكانوا فنانين مشاهير، أو أفراد مغمورين، أو مقاتلين ثوريّين.


لقد تمَّ اغتيال غيفارا في تشرين أوَّل من العام 1967، بعد أسره في إحدى غابات بوليفيا، حيث كان يقاتل الأميركيّين وأعوانهم المحليّين في ذلك البلد. وكان قبل ذلك تخلَّى عن جميع مناصبه في الدولة الكوبيَّة الثوريَّة التي شارك بفعاليَّة في إقامتها على أنقاض حكم صنيعة الأميركيّين الديكتاتور باتيستا.


بعد ذلك، ذهب غيفارا(الأرجنتيني الأصل) إلى أفريقيا وقاتل مع ثوَّارها ضد القوى الاستعماريَّة الغربيَّة هناك. ثمَّ ما لبث أن عاد إلى أميركا اللاتينيَّة وشرع بخوض حرب العصابات هناك ضدّ الأميركيّين والمتعاونين معهم من الديكتاتوريّين المحليّين، إلى أن حاصره الأميركيُّون في إحدى غابات بوليفيا، كما أشرنا، وأسروه جريحاً مع عدد من رفاقه، بعد معركة غير متكافئة بين الطرفين.

ثمَّ قاموا بقتله بعد ذلك، وأخفوا مكان دفنه، إلى أن أصابت أحد المشاركين في هذه الجريمة، وهو عسكري بوليفي سابق، نوبة ضمير، في أواخر التسعينيَّات، فكشف عن المكان الذي دفن فيه الثائر الأممي الذي أصبح أسطورة.

 وعندئذٍ طلبت كوبا من بوليفيا السماح لها بأخذ رفاته ودفنها على أرضها، وهذا ما حدث بالفعل حيث أعيد دفن رفات غيفارا في مدينة سانتا كلارا الكوبيَّة؛ وهي المدينة التي كان قد دخلها فاتحاً، على رأس قوَّة ثوريَّة مسلَّحة، عند انتصار الثورة.


ولكن حتَّى قبل هذا بسنوات، وبعده، بل وحتَّى الآن، كما أوضحنا في بداية هذا المقال، فإنَّ صورة غيفارا الأسطوريَّة، شديدة الجاذبيَّة، لم تبهت، بل ظلَّ بريقها يشعّ في مختلف أنحاء العالم، وخصوصاً في أوساط الشباب. فما السر؟ وما الذي تعبِّر عنه هذه الظاهرة؟


بعض المثقَّفين، من محبِّي غيفارا، ثارت شكوكهم إزاء انتشار الرموز ذات الصلة بغيفارا لدى أوساط مختلفة من الشباب في مختلف أنحاء العالم، وعبَّروا عن خشيتهم من أن يكون قد جرى ويجري استغلال مثال غيفارا كوسيلة ترويجيَّة لاستهلاك سلع معيَّنة؛ حيث انتشرت وازدهرت صناعة الميداليات والقمصان التي تحمل صورته، والبيريهات الشبيهة بالبيريه الذي كان يلبسه. ولكنَّ هؤلاء المثقَّفين تتجاهل تحليلاتهم الإجابة على السؤال التالي: هل كانت المصالح الاقتصاديَّة ستستثمر ظاهرة غيفارا لو لم تجد فيها مقداراً عالياً من الجاذبيَّة لدى الشباب، بجنسيهم ومختلف جنسيَّاتهم وباختلاف أهوائهم وهويَّاتهم الثقافيَّة والاجتماعيَّة؟

فهذه المصالح، كما هو معروف، همُّها الأوَّل هو الربح، ولو لم تكن متيقِّنة من أنَّ استغلالها للسلع التي تحمل رموز غيفارا سيكون مربحاً لَمَا استخدمت هذه الرموز. وما دام الأمر كذلك، فالأنظار يجب أن تنصبّ، إذاً، على الأسباب الحقيقيَّة التي جعلت غيفارا يظلّ في الواجهة دائماً، بل ويزداد ألقاً وحضوراً منذ التسعينيَّات وحتَّى الآن، رغم كلّ الانهيارات والارتدادات التي ألحقت قطاعات معيَّنة من "الثوريّين" السابقين بمعسكر الخصم..

 كما لو كانت المواقف والمبادئ تُبنى على نوع من الرهان؛ فإذا لم يفز الحصان الذي راهنا عليه انتقلنا للمراهنة على سواه!


أعتقد أنَّ الجواب يكمن في موجة الأمركة الطاغية التي اجتاحت العالم منذ التسعينيَّات، بكلّ ما تمثِّله من قيم فقيرة في مضامينها الإنسانيَّة، وتراجع الأحاسيس والمشاعر الجميلة، وفجاجة الذوق بمختلف أنواعه، وضحالة الأفكار والرؤى وتقولبها في صيغ فارغة متحجِّرة، وتغلُّب "قيم" السوق على القيم الإنسانيَّة النبيلة المشتركة، وتحوُّل المال من وسيلة للتداول السلعي إلى قيمة عليا مقدَّسة ووسيلة قياس لكلّ شيء ولكلّ إنسان ولكلّ معنى.

 وشاعت الفظاظة والسطحيَّة وازدراء الخبرة الإنسانيَّة والتراث الإنساني وكلّ ما لا يمكن تحويله إلى نقود أو تداوله في السوق. وهكذا، حين أراد الشباب أن يعترضوا على هذا الانحطاط الشديد للحياة الإنسانيَّة، لم يجدوا ما هو أفضل من نموذج غيفارا للتعبير عن رفضهم. وذلك لأنَّ غيفارا: أوَّلاً؛ كان عدوّاً شرساً وثابتاً وواعياً وجذريّاً وصادقاً للإمبرياليَّة الأميركيَّة. ولأنَّه، ثانياً؛ إنسان زهد بالمناصب الرفيعة التي كان يتبوَّأها وبالأموال التي كان يمكن أن يجمعها لو اشتغل بمهنته الأصليَّة كطبيب.

وكان من الممكن أن يتقاعد وينصرف إلى حياته الخاصَّة، بدلاً من العناء الذي تسبَّبت به له مشاركته في ثورات أفريقيا وأميركا اللاتينيَّة والتي خسر حياته في معمعانها في النهاية.

 كان بإمكانه أن يتعذَّر بمرض الربو المزمن الذي كان يعاني منه. كان بإمكانه أن يقنع بما قام به من قسط وافر في الثورة الكوبيَّة ويعيش على تلك الأمجاد. ولكنَّه لم يفعل واختار الطريق الصعب.

 ولأنَّه، ثالثاً؛ إنسان ذو نزعة أمميَّة حقيقيَّة؛ جعل من قضيَّة الإنسان أينما كان قضيَّته الشخصيَّة، ومن أعداء الإنسان، أينما كانوا وكائناً من كانوا، أعداءه. ولأنَّه، رابعاً، عندما طرح أفكاراً ثوريَّة جذريَّة، لم يترك أمر تنفيذها والتضحية من أجلها لسواه، بينما يكتفي هو بدور المرشد والموجِّه والمعلِّم، بل خاض بنفسه، وفي مقدِّمة الصفوف، معارك الدفاع عن الأفكار والمبادئ التي آمن بها، ولم يتوانَ في النهاية عن التضحية بحياته في سبيلها.

لذلك فمثاله يعبِّر عن درجة عالية من النبل والصدقيَّة. ولذلك فهو يحظى بالاحترام والتقدير حتَّى لدى أعدائه والمختلفين معه.


إذاً فانتشار رموز غيفارا الآن يعبِّر عن شوقٍ عارم لدى الشباب إلى كلّ تلك القيم التي مثَّلها وكلّ تلك المواقف التي عُرف بها؛ سواء أوَعوا ذلك أم لم يعوه، وسواء أقتربوا في حياتهم اليوميَّة وفي طموحاتهم من نموذجه أم لم يقتربوا. وهي من ناحية أخرى تعبير عميق عن الرفض للصورة النقيضة والموقف النقيض الذي حاربه غيفارا ودفع حياته في مواجهته.


ما أردت أن أقوله في النهاية أنَّ ليس غريباً، إذاً، أن يتواصل إنتاج الأفلام السينمائيَّة التي تحكي مراحل معيَّنة من حياة غيفارا. وكان آخر هذه الأفلام هو ذاك الذي أعدَّه مخرج من أميركا اللاتينيَّة، وأنتجته مؤسَّسة تصنع الأفلام البديلة لأفلام هوليود، ويملكها الممثِّل الأميركي الشهير روبرت ردفورد.

 وهذا الفيلم،كما لا بدَّ أنَّ كثيرين منكم يعرفون، هو "يوميَّات الدرَّاجة الهوائيَّة"، وقد عُرض في كثير من البلدان بما في ذلك الولايات المتَّحدة نفسها، وفي الكثير من المهرجانات الدوليَّة، ولاقى نجاحاً كبيراً تحدَّثت عنه وكالات الأنباء مراراً.

 فهل نطمع في أن نراه في إحدى دور عرض عمَّان التي تتسابق عادة على عرض كلّ ما تنتجه هوليود حتَّى لو كان تافهاً؟ أم أنَّنا يجب أن ننتظر حتَّى يصبح لدينا صاحب دار عرض شبيه بردفورد، يأخذ على عاتقه ليس فقط اطلاعنا على السينما البديلة، وإنَّما أيضاً على كلّ ما نحن محرومون من مشاهدته من الإنتاج السينمائي الآخر المهم الذي تنتجه بلدان عديدة في هذا العالم؟!
qubailat@yahoo.com

التعليق