سعد القرش.. نسيج من ينابيع الحاضر والماضي عربيا وعالميا

تم نشره في الاثنين 10 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً

 بيروت  - "باب السفينة" للكاتب المصري الشاب سعد القرش تثير بما فيها من متعة مشوبة بمرارة ومن أسئلة مصيرية وإنسانية انطباعا عميقا بأن بعض ما قيل فيها على صحته وأهميته قد يكون أغفل نواح أساسية أخرى أو خفف من قدرها.


 ومع أن من المسلم به تقريبا أنه لا يمكن أن يقرأ شخصان أو أشخاص عديدون أي عمل فني ناجح قراءة واحدة كما يصعب أن يقرأوه قراءات شبه "توأمية" إذ إنه ليس عملا علميا أو "ميكانيكيا" يفرض سبلا إلزامية أو وحيدة لدخول عالمه. فهناك في عمل القرش نقاط تبدو أساسية في تصوره لروايته ولعالمه الأكبر الذي نمت فيه الرواية.


 في الرواية ما يبرر وصف بعض النقاد لها بأنها من الأدب الوجودي بل بربطها أحيانا بأعمال محددة لجان بول سارتر كما فعل مثلا الناقد فتحي أبو رفيعة في مقالة شيقة له في جريدة القدس العربي التي تصدر في لندن. وقد شملت المقالة قراءة عبرعلم النفس وبعض مصطلحاته خاصة ما سمي عقدة  أوديب. وجاء في المقالة أن بطل "باب السفينة" هو "شخصية أوديبية وجودية تتحكم في تصرفاتها عقد كثيرة كامنة ربما لا يعيها هو نفسه لكنه يسردها في  تذكره للماضي."


 ورأت المقالة أن "سماح" حبيبة البطل عاصم التي حملت ابنه تمثل عنده "بحثه الدائم عن الأم الغائبة." وهي أيضا "بطلة وجودية عاشت محنة (الجحيم هو الآخرون) كما يقول سارتر. فهؤلاء الآخرون اتهموها يوما في شرفها لفرط  أنوثتها.


 عجز عريسها عن فض بكارتها ليلة زفافها فاتهمها بأنها "غير عذراء". وربما بدا لنا هنا موضوع سماح وعقدة عريسها بعيدا إلى حد ما عن لعبة  "التواطؤ المتبادل" التي تنطوي عليها فكرة "الجحيم هو الآخرون" كما عرضه سارتر في مسرحية "الباب المغلق" ومجالات أخرى. وقد صدرت رواية سعد القرش في 122 صفحة من القطع الوسط عن "دار البستاني للنشر والتوزيع" في القاهرة.


 ومع سمات وجودية لا شك فيها فإن الرواية تعكس في أحيان عديدة سمات  صوفية وحلولية هي بنت جذور الكاتب وتراثه. يقول "ولا قيمة لقميص الجسد إلا بما يحل فيه من أرواح. الروح وحدها تشغل فراغ الكون ولا تشغل شيئا."


 وهي تحمل أيضا من القصص الديني "خصوصيات" منها قصة يوسف الحسن في الحديث عن العلاقات بين المرأة والرجل. ومنها بشكل خاص ما يمكن أن ينسحب في عصرنا على مصر بلد الكاتب وعلاقتها بإسرائيل وهو استحضار لقصة موسى والخروج من مصر بعد قتله أحد المصريين و"عودته" إليها.


 عاصم هنا يخشى أن يقول للحاجة سعادة التي هرب ابنها المحكوم عليه بالإعدام لقتله ضابطا في الجيش إلى فلسطين ليقاتل هناك أن تقرأ الفاتحة على روحه "ترحمي على روحه وأرواحنا.. على أرواح الغارقين في الوحل والفقر. نحن المصريين لنا المجد. لا شيء مفهموم ولا معقول. كما تعكس الرواية أجواء "ينابيع" عربية ومصرية في شكل خاص حتى ولو كانت هذه الينابيع ذاتها تحمل ما يمكن أن يسمى "سمات وجودية". وقد نتذكر في عالم رواية القرش هذه الينابيع ومنها في شكل خاص نجيب محفوظ.


 ولا يتراءى لنا ذلك في الملامح "السطحية" التي تربط مثلا بداية رواية القرش وقوله "عشر ساعات أو أقل. بعدها تزف إلى السماء غارقا في دمك..." بموحيات تهوم فوق عنوان عند محفوظ هو "باق من الزمن ساعة". بل إن الأمر  أبعد من ذلك ويتعلق بروحية وإيحاءات وحالات.. وحتى لغة غائمة محملة  بالكثير.. ومتوترة تغمض وتغوص في الرمز حينا وتوضح دون تسطيح حينا آخر.

ونستطيع على تفرد سعد بقدر كبير بفكره وأسلوبه ومشاعره أن نجد لبعض ما في روايته "خطا" من النسب في "الشحاذ" عند محفوظ مثلا أكثر مما نجده عند سارتر مباشرة حتى ولو كان في عمل محفوظ "خطوط" يمكن أن توصف بأنها وجودية.


 رواية القرش تقدم لنا بطلها الصحفي "عاصم" الذي تفصله عن عام  جديد قادم وعن عمر الأربعين بضع ساعات. إنها لحظة حساب. عاصم الذي حلم  باكتساب حكمة الأنبياء واسم كبير يتبعه حواريون من أجل "تغيير العالم" دون شك اكتشف خيبته في تحقيق ذلك. وإذ أصابه الفشل الكلوي لم يعد له غير الحب وحماية محبوبته المظلومة.


 قالت له يوما سماح "إذا كانت النبوة قد فاتتك فلتظهر كالأولياء  كرامة... لتكن حمايتك لي أولى الكرامات."


 وإذا كان المحامي عمر الحمزاوي بطل رواية الشحاذ قد وصل في عمر الخامسة والأربعين بعد جردة حساب العمر إلى حالة غريبة تخلى فيها عن كل  شيء: الحب القديم أي حبه لزوجته وأسرته والعمل الناجح الذي حققه بعد  إغلاق باب العمل السياسي التغييري في وجه أمثاله وعاش تائها يتخبط بين علاقات جنسية مع راقصات وبين حالة تصوف ونسك أوصلته إلى حافة الجنون فبطل رواية باب السفينة اكتشف في جردة حساب عمره في الأربعين أنه لم يحقق شيئا مما حلم به.

لم يحصل على حكمة الأنبياء بل انهار زواجه وفصل من عمله لخطأ في  موضوع كتبه وكان عرضة لاضطهاد مدير مؤسسته وهو رمز فساد وعجز وخلل.  ووصل أيضا إلى حالة خطيرة من المرض. عاصم عند سعد القرش أنقذه الحب. حب  سماح وكذلك الجنين الذي حملته في أحشائها. أما بطل محفوظ فهو أيضا يمثل التزاما قد يصح وصفه بأنه سمة وجودية إذ أعاده إلى الحياة اضطراره إلى  تحمل مسؤولية جديدة تمثلت في تلقيه خبر اعتقال صهره زميله السابق في النضال فلم يعد لأسرته ولابنته وطفلها غيره فاستفاق من حالته.


 عمر الحمزاوي حقق الكثير وتخلى عن كل شيء حتى كاد يتخلى عن الحياة. أما عاصم فلم يستطع أن يحقق شيئا في هذا العالم الوحشي القاسي الحافل  بالتكاذب.

وكاد يتخلى عن الحياة أيضا. لكنه وإن اختلفت أحداث الروايتين وأفكارهما إلى حد التناقض أنقذ بقوة مزدوجة.. قوة الحب الذي جعل من سماح  أشبه بأم له تعنى به كأنه طفلها.. وقوة المسؤولية أيضا عن ذلك الجنين الذي لم يولد بعد.


 الرجل هنا عاشق وطفل من جهة وأب تملأه المسؤولية عن طفله القادم من جهة أخرى. وهو بهذا يعيش في الحاضر من أجل الحاضر والمستقبل.


 وكتيه النبي موسى الذي يقول القصص الديني إنه استمر في الصحراء أربعين سنة قبل الخروج منه يخرج عاصم في سنته الأربعين من سلسلة الخيبات والضياع.


 ففي النهاية تسحبه سماح من المرض وشبه الموت. تحتضنه وتشير إلى بطنها تدعوه ليسمع حركة الجنين قائلة "ابنك يا عاصم.ابننا." وتضيف أنه بعد  ساعات أي عند حلول العام الجديد سينتقم من أسباب إخفاقه ومن رئيسه "هناك شأن آخر. شأننا."


 وتنتهي الرواية باستعارة رمز من القصص الديني بقصة سفينة نوح والطوفان والعالم الذي فسد. فعاصم "بصعوبة يحاول القيام متشبثا بخريطةعلى الجدار. يمزق الشاطئ باصبعه. وتفيض المياه وتوشك امبابة على الغرق. يتحامل على نفسه يريد أن يشهد الطوفان. من السطح أو النافذة. يبحث عن باب." 

التعليق