مريد البرغوثي: الشعر الفلسطيني يكتسب أهميته من قيمته الفنية فقط

تم نشره في الاثنين 10 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً
  • مريد البرغوثي: الشعر الفلسطيني يكتسب أهميته من قيمته الفنية فقط

  
   القاهرة  - يرى الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي أن الإبداع يكتسب أهميته من قيمته الفنية فقط لا من القضية التي يستخدمها مادة له مشيرا إلى أن كثيرا من الشعر العربي الذي اعتمد على تبني القضايا الكبرى وخلا من الموهبة الحقيقية سقط في اختبار الزمن ولم يعد يتذكره أحد.


    ورفض البرغوثي في مقابلة مع رويترز أن يظل الإبداع العربي خاضعا  "لتقسيمات سايكس بيكو" في إشارة إلى التقسيمات الاستعمارية الإنجليزية الفرنسية لجغرافيا العالم العربي ابان الحرب العالمية الاولى.


    وأضاف أنه "يجب ألا نحب الشعر لأن كاتبه فلسطيني أو مغربي فالأهم أن نحبه وفقا للقيمة الأدبية الكامنة في القصيدة. ليس حراما أن نكتب شعرا سياسيا بشرط أن يكون جميلا ومؤثرا خارج محيطه الزماني والمكاني. لا نزال نطرب لقصائد المتنبي وأبي تمام ولم يسأل أحد عن جنسية هذا أو ذاك."


     وقال إن الشعر الذي يستخدم الوطن أو الانتفاضة وهو خال من الموهبة يؤذي المادح والممدوح مشيرا إلى أن "الشعر الحقيقي يخدم الوطن بطريقة واحدة هي أن يكون جميلا ومقنعا وصادقا وقابلا للقراءة والإمتاع الفني في زمان ومكان آخرين."  وأوضح أن الشعراء الفلسطينيين "معنيون بالمصير الإنساني فرديا أو جماعيا. (نحن) معنيون بأنفسنا وبالهم الإنساني عموما ولسنا دبابة في منظمة التحرير (الفلسطينية) يقال لنا ادخلوا المرآب فندخل. لسنا جنودا برتبة شاعر أو رسام أو مغن."


    وتسلم البرغوثي يوم 27 ديسمبر كانون الثاني الماضي جائزة فلسطين للشعر من  رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع في حفل بقصر ثقافة رام الله بالضفة الغربية عن مجمل مسيرته الشعرية مع التنويه بديوانه (الناس في ليلهم).


   وجاء في الهدية التذكارية للجائزة التي كانت آخر ما وقعه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أن قصائد البرغوثي "المحكمة البناء تواصل بحثها الجمالي الخاص عن البسيط الإنساني المحاصر بوطأة الواقع والأسطورة."


 ويقول البرغوثي في مقدمة إحدى قصائد الديوان وعنوانها (الأسلاف)..
 "لا يعقل أن أطلب من أسلافي الموتى ( أن يعرفوا ماذا جرى لي بعدهم ) ولا أن يخوضوا حروبي ( ولا أن يخرجوني من ورطتي ) لكن أسلافي الموتى يطلبون مني أن أعرف ماذا جرى لهم ( وأن أخوض حروبهم ) وأن أخرجهم من ورطتهم."
 ومنحت جائزة فلسطين للآداب والفنون لأول مرة عام 1997. وحصل عليها البرغوثي عام 2000 في الشعر وفي العام نفسه حصل عليها في الرواية يحيى يخلف عن روايته (نهر يستحم في بحيرة) وفي النقد فيصل دراج عن سيرته (دروب المنفى).


    ويرأس لجنة تحكيم الجائزة الشاعر الفلسطيني محمود درويش. وكان من أعضاء اللجنة الشاعرة الفلسطينية الراحلة فدوى طوقان (1917 - 2003). وقال البرغوثي إنه كان مفترضا أن يتسلم الفائزون في الدورة الرابعة جوائزهم في شهر أكتوبر تشرين الأول عام 2000 من الرئيس عرفات وتم تأجيل الحفل بسبب "إعادة احتلال الضفة و(قيام) الانتفاضة (يوم 28 سبتمبر أيلول) وحصار عرفات."


    ووصف الكتابة بأنها "حالة انتقادية يقوم بها المثقف الذي يتجاوز منطقة الرضا عن الذات فمهما يكن الراهن جميلا فهو يبحث عن الأجمل والأفضل. لا حد لما يستطيع الإنسان أن ينجزه ودور الثقافة هو البحث عن إمكانية أن يكون البشر أفضل."


    وفي الكلمة التي ألقاها في حفل تسليم الجائزة شدد البرغوثي على أن الحزن والموت ليسا مهنة فلسطينية "إننا أبناء الحياة وحراسها وقد يقدم حارس عمره ليصون ما يحرس."


 وأوضح أن الصمود في وجه الصعوبة مهنة للفلسطينيين "يسميه المتهاون تطرفا ويسميه العدو إرهابا ويسميه الحزبي كفاحا وتسميه جداتنا الصبر ويسميه التاريخ بطولة."


    وتساءل عن جدوى قرون من الشعر والفلسفة والموسيقى والرسم وملايين من أرفف الكتب التي لم تستطع الحيلولة دون وصول البشرية إلى ما هي عليه الآن حيث  "اتخذ المعنى من ضده شبيها ولم نعد نعرف إذا تحدث شخصان عن السلام مثلا إن كانا يقصدان الشيء نفسه."


    وقال البرغوثي لرويترز إن الانتخابات الفلسطينية التي تجري اليوم الأحد لاختيار الرئيس "لن تأتي بالحرية والاستقلال. ربما يكون لها تأثيرات على ترتيب البيت الفلسطيني في الداخل أما إدارة الصراع العربي الإسرائيلي فهذا شأن آخر."

 
وشدد على أن "الدولة (الفلسطينية) لا تعلن بالتفاوض. الإسرائيليون يمارسون معنا سياسة تحريك الهدف بالمطالبة بشروط تعجيزية فإذا تمت تلبيتها طالبوا بغيرها كما فعلوا مع عرفات حين طالبوه أولا بالاعتراف بإسرائيل وبعد ذلك بالتخلي عن الميثاق (الوطني الفلسطيني) ثم بحثوا عن مطلب (تعجيزي) آخر."

وأشار إلى أن "العدو لم يفرح بانتصاراته المتعاقبة (منذ عام 1948) أو تمنحه الثقة والأمن ولكنه في ذروة النصر خائف.


"نحن (الفلسطينيين) أكثر شعورا بالثقة والأمن منهم. الانتفاضة كسرت حاجز الخوف من الموت لدى الفلسطينيين والعنف الفلسطيني ليس سببه عسكرة الانتفاضة بل الاحتلال (الإسرائيلي). نحن نقاوم بما نملك."


    ومضى موضحا أن الشعب الفلسطيني "لم يفقد أمله في الاستقلال والحرية رغم كل المعاناة. هذا الأمل يتجلى في السلوك اليومي لطفل وطفلة ينتظران تحت البرد والمطر سيارة تصل بهما إلى المدرسة. الناس ينجحون في كسر المعرقلات اليومية ويعشقون الحياة. اليائسون لا يفعلون هذا."


   وعاب على قنوات التلفزيون تركيزها على تصوير الفلسطيني واحدا من اثنين.. قاتلا أو قتيلا مشددا على أن "الحياة في الشارع تختلف تماما."


وقال إن ما يحدث "منذ (اتفاقية) أوسلو (عام 1993) إلى اليوم هو بحث عن تسوية وهم (الإسرائيليون) يريدون فك القوة الفلسطينية ومزيدا من التنازلات بينما لم يتنازلوا عن شيء." 


    وللبرغوثي أكثر من عشرة دواوين شعرية منها (نشيد للفقر المسلح) و(منطق الكائنات) و(زهر الرمان) إضافة إلى سيرة روائية عنوانها (رأيت رام الله) نال عنها عام 1997 جائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة للأدب الروائي وترجمت إلى ست لغات آخرها الاسبانية التي حمل غلافها صورة شاب فلسطيني كتب على أحد جدران في بلاده كلمتي (الطريق طويلة).

التعليق