ابراهيم خليل:ليس لدينا أعمال أدبية متفوقة تستثير النقاد

تم نشره في السبت 8 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً
  • ابراهيم خليل:ليس لدينا أعمال أدبية متفوقة تستثير النقاد

يرى الحداثة مشروعا ثقافيا جذوره منغرزة في التراث
 

 تراجع نقد الشعر الآن لا يعني انه لن يزدهر غدا

      يعتقد د.  إبراهيم خليل ان القصة والرواية بدأت تزاحم الشعر وتقاسمه اهتمامات النقد، ويضيف خليل قائلا:" إن النقد في الثمانينيات والتسعينيات وربما الآن يميل إلى دراسة الأعمال الروائية واستئناف النظر في ما درس منها في السابق". وأضاف أستاذ الأدب العربي في الجامعة الأردنية أن القراء والدارسين من طلبة الجامعات والمهتمين بقراءة الرواية والقصة من الفنانين والقائمين على صناعة السينما والتلفزيون والفنون الأدائية المختلفة يجدون في نقد الرواية والقصة نكهة جديدة وطعما خاصا" حول النقد الأدبي كان "للغد" هذا الحوار مع الناقد الدكتور إبراهيم خليل:

 *كثيرا ما يثار الجدل حول متابعة النقد الأدبي في الأردن للأدب،ما هو رأيك في ذلك؟

     ليست لدينا أعمال أدبية كثيرة متفوقة تستثير النقاد لكي يكتبوا عنها دراسات جيدة وقيمة تستحق العناء والاهتمام البحثي. وليست لدينا مجلات شهرية أو أسبوعية تعنى بالنقد، والملاحق الثقافية في الصحف اليومية لا تكفي لأنها في الغالب لا تهتم إلا باليومي والسريع والطازج، وهذا لا يحقق للنقد مراميه ولا يتسع لغاياته وأهدافه.. .وإذاً لا نستطيع أن نلوم النقد إن لم يواكب، وفي الوقت نفسه نسأل: أين هو النقد؟ وما حظنا من حرية النقد  إذا تذكرنا ما يقوم به بعض محرري المجلات والصحف من تنصيب أنفسهم قضاة ومحامين يحكمون على عمل أدبي بالنشر وآخر بعدم النشر والإرسال به إلى سلة المهملات دونما مسوّغ؟ في وسط ثقافي كالذي نعيش فيه ينبغي أن نحمد الله إذا أتيح لعمل أدبي جيد أن يحظى بشيء من المراجعة السريعة، والنقد الانطباعي العابر، وسط الفوضى العارمة والغثاء الأحوى الذي تمتلىء به بعض الملاحق ،مما يقتصر محتواه على المديح العالي لذوي المواهب الفجة والأعمال السطحية التي هي موضع شك ، وصورة نموذجية للأمانة العلمية المفقودة .... وأخيرا من هو الألمعي الذي قال إن على النقد أن يواكب الأعمال الجديدة، فلا يترك شاردة أو واردة إلا ويتناولها ؟ في ظني أن هذا ضرْب من التصور الصحفي الإخباري الساذج، الذي يكتفي من الأمر بذكر عناوين الكتب الجديدة وأسماء الناشرين وعدد صفحات الكتاب وبالكاد يذكر عناوين الفصول . وهذا عند كثيرين ليس نقدا، وإن نشر في زوايا تحمل اسم النقد.. حاجتنا إلى النقد كبيرة ، والنقد الذي نحتاج إليه هو النقد الناتج عن القراءة المتأنية والتحليل العميق.

* نرى أكثر ما ينشر من مقالات وبحوث يدور حول القصة والرواية وقليلا ما يتناول الشعر، ألا ينبئ هذا عن إحساس بأن المستقبل هو للنثر لا للشعر، وللرواية والقصة لا لشيء آخر ؟

في بداية عصر النهضة اهتم النقد الأدبي بالشعر وحده ، فعندما نتذكر الجيل الأول من النقاد: المرصفي ، والعقاد، والمازني ، وعبدالرحمن شكري، وإسماعيل مظهر، ورئيف خوري ، وحسين مروة، ومحمد مندور ، وأنور المعداوي، وطه حسين ، والرافعي، وسلامة موسى ... وغيرهم ممن لا تحضرني الآن أسماؤهم لا نجد فيما كتبوه إلا القليل مما يتصل بالنثر القصصي والروائي والمسرحي إذ غلب عليهم نقد الشعر غلبته على الصحافة الأدبية والمجلات ومحطات البث الإذاعي .

لكأن الأدب يعني عندهم الشعر لا غير . وهذه الظاهرة قديمة قدم الأدب العربي نفسه ؛ فعندما ظهرت المؤلفات النقدية الأولى كانت مقصورة على الظاهرة الشعرية " طبقات الشعراء " و "الشعر والشعراء" و"نقد الشعر" و" قواعد الشعر " . و"فحولة الشعراء" .. .والنادرون الذين التفتوا إلى النثر اكتفوا بكتب من قبيل " كتاب الصناعتين " الذي كان غرضه التفريق بين الشعر والنثر لصالح الأول، فقد وظف الكلام على النثر لإظهار محاسن الشعر... .ففيه الوزن والجرْس والقافية والروي والتصوير البديع وليس في النثر شيء من ذلك إلا السجع ،وما شاكله من ألقاب البديع وهو إلى الصنعة أنسب ، وإلى التكلف أقرب. .وقد انسحب هذا على النقاد المحدثين. لكن طه حسين التفت للقصة والرواية والمسرحية وكتب في بعض هذه الفنون، وهو باعتباره ناقدا تنويريا أديبا متعدد الجوانب . أما مندور فكان الشعر هاجسه وكذلك العقاد والرافعي ومحمود شاكر. واليوم نجد التغيير في الصورة كبيرا؛ فقد بدأت القصة والرواية تزاحم الشعر وتقاسمه اهتمامات النقد ، فنجد عزالدين إسماعيل ولويس عوض وغالي شكري ورشاد رشدي وخلدون الشمعة وفاضل ثامر وجبرا إبراهيم جبرا وعلي الراعي ومحمد عطية ونبيل راغب وآخرين لا يتحيزون للشعر بل يتحيزون إذا صح التعبير-  للقصة والرواية وربما للمسرحية ، والنقاد الذين ما يزال عطاؤهم في ذروته - اليوم - يجدون في السرد وتقنياته وعالمه ما يغذي اهتماماتهم. وهكذا نجد النقد في الثمانينيات والتسعينيات ،وربما الآن، يميل إلى دراسة الأعمال الروائية واستئناف النظر فيما درس منها في السابق، وتطبيق مناهج النقد الحديث من بنيوي وتفكيكي وسيميائي وتأويلي ومن نقد ثقافي. وهم يجدون في السرد الذي يفتقر إلى تراكم تاريخي موروث ما يشجعهم على إعادة النظر فيه ودراسته من جديد . بيد أن هذا لا يعني الانصراف التام عن نقد الشعر، فالعربية لغة شعر أولا، وهذا ما كان يتصوره الناس منذ القديم، ويحتفظون بهذا التصور إلى الآن، وإذا تراجع نقد الشعر اليوم فذلك لا يعني أنه لن يتطور أو لن يزدهر غدا.

*هل تعني بذلك أن نقد الرواية والقصة يستجيب لدواعي الحداثة أكثر مما يستجيب له نقد الشعر باعتبار هذا الأخير فنا أدبيا له جذوره القديمة ومعاييره النقدية الأصيلة في حين أن الرواية فن جديد لا أصول نقدية ولا ضوابط أو معايير له في الموروث النقدي العربي القديم ؟ باختصار : هل لذلك كله صلة بالحداثة التي أصبحت القاسم المشترك لأحاديث الأدباء والكتاب ؟

   مع أنك بهذا التعليق تلقين الضوء على جوهر المسألة ، فإنني أستطيع أن أجيب بالقول : إن نقد الشعر هو الآخر يستجيب لكل ما تأتي به الحداثة من أفكار وتأملات تتعلق بالعمل الفني ، والنص الأدبي . ومن يقرأ ما كتب عن الشعر العربي الحديث من نقاد القرن الماضي أمثال : يوسف الخال وجبرا وخالدة سعيد وغالي شكري وخلدون الشمعة ولويس عوض ورشاد رشدي ورئيف خوري وحسين مروة وإحسان عباس وأدونيس ورينيه حبشي وأسعد رزوق وخليل حاوي وتجمع مجلة شعر وعز الدين إسماعيل وعيسى بلاطة وروز غريب وريتا عوض ، أقول من يقرأ لهؤلاء يكتشف البون الشاسع بين نقد هؤلاء للشعر والنقد القديم ومدى تأثرهم بالحداثة . فقد تشبع هذا التيار أولا بالمفاهيم الرومانتيكية ثم بمناهج النقد ولا سيما النقد الأنجلو –أمريكي ثم سرعان ما تأثر هؤلاء النقاد بالنقد الأسلوبي والبنيوي والتفكيكي والتأويلي،أي أن أصابع الحداثة أسهمت في تشكيل ملامح النقد الشعري قبل أن تبدأ بتشكيل ملامح النقد الروائي والقصصي .

    على أن القراء والدارسين من طلبة الجامعات ،والمهتمين بقراءة الرواية والقصة من الفنانين، والقائمين على صناعة السينما والتلفزيون والفنون الأدائية المختلفة يجدون في نقد الرواية والقصة نكهة جديدة وطعما خاصا، لذا نراهم منجذبين إلى هذا النقد على حين يتميز موقفهم من نقد الشعر بالفتور، والإحساس المحايد حول  جدوى الشعر في زمن يفتقر افتقارا شديدا للإحساس بشعرية الحياة .

*ما رأيك في الجدل الذي يدور حول الحداثة وبين معارض ومؤيد لها ؟

      لا أحد من الناس يستطيع أن يقف في وجه الحداثة ؛ فهي تيار جارفٌ يتأثر به الكثيرون من الناس بمن فيهم أولئك الذين يقفون ضدها.. . قبل بضع سنوات كان الحصول على خط هاتفي عادي من الأمور الصعبة، والآن جل الناس يستخدمون الهاتف النقال، والبريد الإلكتروني، وغيرها من وسائل التحديث في الاتصالات، وهذا لا يسلم من التأثر به أحد . ونحن من أوائل الناس الذين نادوا بالحداثة في الأدب شعرا ونثرا، في القصة والرواية . إلا أن الحداثة لا ينبغي أن تكون مفرغة من المضمون. فأولئك الذين يسوّقون أعمالا فجة،أو سطحية، أو مبهمة عديمة القيمة والمعنى، مغلفة بغلاف الحداثة لا يستطيعون خداع أحد؛ فثمة فرق بين الحداثة الحقيقية النابعة من الأصالة والحداثة المفتعلة التي تشبه على رأي شيخ النقاد المرحوم إحسان عباس " قطف الثمار قبل غرس الأشجار"

     ولهذا الفريق من الكتاب أن نذكرهم بما يذهب إليه إليوت وهو شاعر حداثي- بالمناسبة- فقد اشترط في الحداثة شرطين، أولهما : أن لا تنفصل عن الماضي، والثاني : أن نسمع صوت الشاعر مندغما بأصوات أسلافه من الشعراء . هذه هي الحداثة في الواقع . ويوسف الخال في كتابه" الحداثة في الشعر" يذهب هذا المذهب ، ويرى هذا الرأي ، وهو شاعر كبير وحداثي . وخلاصة القول أن الحداثة ليست ماركة مسجلة يمكنك الصاقها على أي بضاعة كاسدة من باب التزوير ومخالفة دائرة المواصفات والمقاييس ، ولا غلافا كتلك التي يغلف البعض بها الهدايا القديمة لتبدو وكأنها هدايا جديدة : الحداثة مشروع فكري وثقافي تنغرز جذوره في التراث وتمتد فروعه وذوائبه في المستقبل .

* وضعت كتابا بعنوان " نقاد الأدب في الأردن وفلسطين " نود أن نعرف ما الذي انتهى إليه النقد في هذين البلدين من وجهة نظرك؟

*أولا فيما يتعلق بما انتهى إليه النقد في هذين القطرين الشقيقين فشيء واضح في الكتاب، فبعض الكتاب النقاد مثل جبرا وإحسان عباس وغالب هلسا وعيسى بلاطة وسلمى الخضراء الجيوسي والدكتور ياغي وآخرين أضافوا للنقد العربي الحديث ما أضافوه على صعيد منهجي أولا وتراكمي ثانيا. وإلى جانب هؤلاء عدد آخر من النقاد اتسمت إضافاتهم بالتواضع ، أو أن عطاءهم ما يزال مستمرا، وهو في حاجة إلى دراسة تستكمل التجربة النقدية فيها أبعادها المستقبلية.. .لكن الكتاب اقتصر على تناول النقاد الكبار (الشيوخ) ولم يلتفت للنقاد الشباب الذين بدأ عطاؤهم في الربع الأخير من القرن الماضي (1975-2000) لكون تجاربهم ماتزال في أول الطريق .

*ما هو ردك على بعض الآراء التي انتقدت الكتاب؟

ما أثير حول الكتاب وما طرح من أسئلة لا يستفزني، لسبب بسيط وهو أن قسما ممن انتقدوه فعلوا ذلك لأنني لم أكتب عن أعمالهم، أو لم أذكر أسماءهم فيمن ذكرت. وهؤلاء - بالطبع- غير موضوعيين؛ لأنهم ينظرون إلى الموضوعي من خلال الذاتي، ولا يمكن أن يكون الذاتي معيارا للموضوعي . وفريق ممن انتقدوا الكتاب زعموا أنه غير علمي لكثرة ما فيه من الهوامش، والإحالات إلى المراجع، والمصادر.. وهذا الرأي لعمري رأي ساذج ، ويدينهم  أكثر مما ينتقد الكتاب ، لأن البحث العلمي يشترط مثل هذه الإحالات، بل تزداد قيمته بازدياد مثل هاتيك الهوامش .

 

التعليق