داغر: أمقت الكلام عن قصيدة الحدث لأنها تتهاوى في العالم المتكاثر

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • داغر: أمقت الكلام عن قصيدة الحدث لأنها تتهاوى في العالم المتكاثر

 

 

 
على خلاف شعراء كثر يقف الشاعر اللبناني شربل داغر ليصرخ في المجاملين وأصحاب كذبة الأهمية بقوله: لا تنسبوا الإبداع دائما الى الأفعال الجليلة لان ما يخفى أو لا نتنبه إليه هو أن المبدع يتسلى فيما هو يعمل، ويلهو فيما هو يكد، ويعبث بالموجودات فيما هو يفكر فيها, ومع هذا الرأي الحاذق ينسف داغر ما طرح بصورة مغايرة عن الالتزام وألعاب التمثيل التي يمارسها بعض الشعراء لإثبات جديتهم والتلطي أو التخفي تحت عناوين مستبعدة ومتخاصمة.


ويرى صاحب مجموعة " فتات الأبيض" أن أدوات الشاعر باتت في عهدته وهو يذهب بها مذاهب شتى حتى انه قد يناقضها في القصيدة نفسها قاصدا بذلك أن الإبداع نوع من اللعب الأكيد الذي يضعنا أمام احتمالات مفاجئة مسلية ولاهية وغير مكلفة.


وصدر له إضافة لـ"فتات الأبيض" أربع مجموعات شعرية " "تخت شرقي"، "رشم"، "حاطب ليل" و"إعرابا لشكل" وستة كتبٍ نقدية هي  "شغف"، "التقاليد الشفوية العربية"، "الشعرية العربية الحديثة"، "الحروف العربية: فن وهوية", "مذاهب الحسن" و"الفن الإسلامي في المصادر العربية" وغيرها من الكتب.


 حول تجربته الإبداعية ورؤاه النقدية كان لـ"الغد" معه هذا الحوار.

* يسعى الشعراء دائما الى تقديم اقتراح جديد مع كل مجموعة شعرية جديدة, ما هو اقتراحك الجمالي الجديد في مجموعة "إعرابا لشكل" وبماذا تختلف عن المجموعات السابقة ؟


- المجموعة الجديدة قصيدتان طويلتان ومجموعة كبيرة من القصائد القصيرة الملتهبة حول عنوان إجمالي واحد، وهي في اجتماعها المركب هذا حاصل كتابة شعرية لا تستغرق مني وقتا طويلا في اندفاعاتها الأولى وإنما في معالجاتها التنقيحية اللاحقة. الا انها مجموعة تشدني من طرفين متباعدين واحد يمسك بيدي ويقودني الى (الشارع) الى شارع الطفولة في بيروت والثاني يشدني إلى وهج النار الممتد في شريطي (نميمة الكترونية) هي نميمة العولمة التي تنقض علينا بينما نواجهها بحيلة البائس المستبد. هاتان القصيدتان الطويلتان تمضيان بعيدا في السرد وفي اختبار طاقات النثر على ان يكون شعرا، والمجموعة في ذلك سعي الى بلورة قصيدة اشبه بالبيت قد يكون لها باب أساسي وأبواب داخلية ونوافذ وممرات وفضاءات مجلوة ومعتمة تتناهى الى الناظر بمجرد الدخول الى هذا المناخ, قصيدة تقترب من الحدث لأول مرة في شعري اذ تعالج عواقب او اعترافات ما بعد 11 سبتمبر, وتتبين الموت في الصورة، وقصيدة تلقي نظرة الى الحنين الذي يستبد بمكان النشأة والتكوين نظرة الفرح الذي يلاقي أشياءه القديمة مثل متخصص في الآثار, وهي نظرة تأمل فيما لم تكن عليه النشأة. وهي بهذا المعنى قصيدة لا تكتب السيرة بل عنها، متقاطعة في ذلك مع قصائد سابقة في مجموعة "حاطب ليل" تحديدا. أما مجموعة القصائد القصيرة فهي متفرقة في مساراتها وفيما تنطلق منه وتؤول اليه إلا انها تتحرى عن السري والغامض والمحيي في القصيدة اذ تتولج بموضوعاتها فتبدو منقادة إليها أكثر مما تشكلها واقعا.


* ألا ترى انك قد غيرت رأيك السابق الذي طالب بابتعاد القصيدة عن الحدث؟


- لا أريد ان أطلق أحكاما في الشعر العربي الحديث لذلك ان الجواب في هذا الأمر يحتاج الى قراءة متوسعة ومتأنية كما يحتاج الى إزالة صور سوء الفهم الثاوي في خطابنا النقدي. قد يكون الشاعر ادونيس في نص شهير لتعريف الشعر الحديث في العام 1957 هو أول من دعا في صورة جلية بين شعرائنا الى القطيعة مع الحدث متكلما حينها عن الشعر بوصفه رؤيا, وهو قول في الحداثة يخالف في صورة أساسية ما قال به معرف الحداثة الأول في العالم بودلير حين ربط الحداثة بالعابر الزمني بل بالموضة حتى , فالحديث عن الرؤيا محمل في تضاعيفه بموبقات ومشتهيات في القول تأخذ من النسب الديني بعضا من حصانتها ودعواها ومن النسب الإيديولوجي السياسي بعضا من شرعيتها وتطلعها الى التمكن من القارئ، والحديث عن الرؤيا إن أردت التبسيط لا يختلف عما يقوله (النص) بمعنى ما ولا بما تقوله القصيدة بمعنى اخر، اي ان الشاعر له (كلمة) وله (رسالة) وهو بقدرته على التسمية يجعل للغة سلطة تتعداها بل تسعى بها الى غيرها الى التمكن من القارئ جاعلة منه منضويا لا محاورا ولا شريكا فيما تقوله القصيدة من كلام ومن رسائل. امقت الكلام عن قصيدة الحدث ذلك ان ما نسميه بالحدث يتهاوى تحديدا اليوم في هذا العالم الإعلامي المترامي والمتكاثر، اذ باتت الصحيفة مثل التلفزيون مثل قنوات الاتصال الالكترونية تحتاج لنشاطيتها. ما يعنيني من الشعر هو العلاقة مع الزمن وهي علاقة تفترض المعايشة والمتابعة والاحتكاك والمعالجة ومعاودة النظر فيما تؤوّل إليه. علاقة تتوسل الوصف والإخبار والمعاينة والتقاط الصور المقربة والانتباه الى الصور المؤطرة سلفا والوقوف خصوصا عند علاقات البشر بالأمكنة التي يعيشون فيها، بالأدوات التي يستعملوها , و بالهواء الذي يعبر فيهم وهم ساكنون هذه العلاقة بالزمن هي اصغر ما يمكن ان يبلغه الشعر. اما الحديث عن الحدث بوصفه مناسبة او توظيفا لمعاني مدبرة سلفا لا يعني كونه الوجه الاخر لخطاب حداثي له نبرة نبوية تدعى الإمساك بالمشهد الكلي وبالمعاني الخالدات, ففي النبرات مما يسمونه الحدث هناك نوع من التعالي الذي قد يتحول إلى خطابية متكررة ومجوفة من عصب إنساني حار ومتجدد.


* كشاعر وناقد هل أنت مع الرأي القائل بموت الشعر في المستقبل؟ أم أن هذا الرأي مجرد تخرصات نقدية لا طائل من إطلاقها ؟


- الشعر مثل غيره من الفنون حي، أي يعيش ويتغير، أي ينقضي بعض ماضيه وتنفتح له افاق جديدة وهذا ما يصيب غير الشعر قبله وانتقاما من الشعر فالشعر عاش لقرون وفي غير حضارة سيدا يعين وحده الجمال الإنساني , و هذا يصح في حضارتنا وعند الاوروبيين وغيرهم, هذه السيادة انتقصت وخلد الشعر الى مواضع اقل ادعاء واكثر سرية فما خسره من مكانة اجتماعية في البلاط أو في السوق كسبه في تأثيث خلوة دافئة للإنسان المتميز، لهذا قد تكون العلامة المميزة لحداثة الشعر في العالم هي احتياجه الى ادوات اخرى والى طلب حوارية مختلفة مع القارئ هذا ما انزل الشعر والشاعر من عليائهما ومن المواضعات والاتفاقات الجماعية والبلاغية والفنية، وأصبحت القصيدة الحديثة نصا (مفردنا) كما يحلو لي ان اقول. نص في عهدة الشاعر لا في عهدة عمود الشعر، وللشعراء الحديثين في ذلك فنون وفنون يتصرفون بما يشاءون حتى ان بعضهم يسعى الى الشعر من ابعد سبله وهو النثر ويعتمد على ما كان يتجنبه الشعر العربي القديم على سبيل المثال مثل المعاينة البصرية الشديدة والإخبار السردي المتتابع فضلا عن تغول متفاقم للصورة بمعانيها السينمائية اي الحيوية المتحركة اعرف ان هذه الحالة محيرة للناقد قبل القارئ، بل يمكنني القول انها محيرة للشاعر قبل هؤلاء ذلك ان ادوات الشعر باتت في عهدته، وهو يذهب بها مذاهب شتى حتى انه قد يناقضها في القصيدة نفسها الا ان الشعر مثل غيره من التجارب الإنسانية مثل الصوت الإنساني أساسا كما في مقامات الارتجال يجرب ويمرن ويتوصل الي تدبيرات في المعالجة الشعرية تروق له ويقر بها. والناظر اليوم الى احوال القصائد العربية المتأخرة يلاحظ استقرارها او تجمعها حول تدبيرات معينة في اخراج الصنع الشعري الى اللغة والقارئ وهي تجارب غنية فيما سعت اليه وتبنته وان كان بعض هذا الشعر تتكفل به أحيانا التجريبية وحسب من دون بناء نقدي يجعل من التجريب إمكانا لنسق فبعض الشعر في بلادنا يفتقر الى معاودة النظر فيما انتهى اليه وفيما يجب ان يكون عليه عندما يمثل للقارئ فهناك ركاكة واسفاف وتبذير وقول الشيء وعكسه في المكان عينه وتجريب طريقة جديدة في التركيب من دون بلورتها ولا استغلالها الكافي وبعض هذا الشعر يفتقر الى التفكير في الصنع الشعري وهذه سمة الشعراء الكبار اذ يتنبهون دائما الى ان القصيدة هي مقترح جمالي بوصفه مقترحا بنائيا في المقام الاول فالشعر لا يعيّن بما يقوله بل بكيف يقوله، فحين يأتي معنى القصيدة مثل أحجار تأتي في مواضعها بصورة هينة، فهذا يعني أن الشاعر يرصف وقد يكون بناء تقليديا في أحسن الأحوال.


* في مجموعاتك السابقة شُغلت بالمرأة، الآن وبعد هذه التجربة الطويلة كيف تنظر الى المرأة وهل ما تزال أثيرة حديثك الشعري؟


 - دائما كانت المرأة حديثا شعريا كما هي امتحان لإنسانية شعرنا أي إن أراد أن يكون فعلاً إنساني النبرة فعلى المرأة ان تكون إحدى موضوعاته الأثيرة, اما في شعرنا فالقصيدة تبدو أحيانا مثل تسجيل ملحق او دعوة مسبقة في علاقة حبية او جنسية او هي موضوع أشبه بالممدوح في قصائد المدح القديمة نتكلم عنها بما يفيد مكانة الشعر لا ما يجمعه بها. وقد يكون من الطريف والمفيد نقديا ان تستخرج من الشعر عن المرأة صفات المرأة في نوع من المقارنة مع صفات الممدوح في الشعر القديم فمثل هذه المقارنة قد تؤدي بنا الى الانتباه بأن علاقة القائل بموضوع القول واحدة ونفعية في آن، فالشاعر يتحدث عن الحبيبة على أن حديثه عنها يتحول اليه، ونزار قباني خير مثال على ذلك. في شعري يتكشف البعد الإنساني لعلاقتي مع المرأة وتتهاوى المسبقات التقليدية من أي نوع كانت.


 وأنا أرى أن نطاق الحب من اكثر النطاقات المغيبة فعلا عن الشعر رغم كثرة قصائد الحب المحتوية على تعبيرية عاطفية متكررة تجمل الحبيبة بقدر ما تجمل الشاعر ولا تجعل من الحب تخليا عن النفس الجسد و(انوجاد) في الآخر وانتفاء فيه بهدف الوصول إلى عودة مختلفة منه، والذهاب اليه من جديد بعزيمة أمضى وعواطف مشعة، فالحب هو أصعب الشراكات الإنسانية وأجملها، وهو الإنسانية الممكنة في عهدة البشر.


* كأنك تنظر الى المرأة نظرة تصوفية او طوبائية, الا ترى بان هذا التصور شبه حلمي, ومنفصل حتى عن شبه الواقع ؟


- هذا الكلام فكري فيما هو حسي في أساسه فلو تعود الى كلامي السابق لوجدت فيه وصفا حسيا للعملية الجنسية، وهو ما يعنيني سواء في الرغبة نفسها أو في الكتابة عن الرغبة حيث أنهما متشابكتان، وما أقوله في الفكر عشته في الحس، اي العيش الحر خارج الأنماط والأعراف، والدخول في تجارب تنبني في الحركة نفسها، لا في الاعتيادات المسبقة وهذا يحتاج الى تأهيل لأنفسنا وأجسادنا في الرغبة مثل الفارق الذي يحققه الراقص التعبيري ان شئت المقارنة عبر خبرته بجسده, وبقدراته التعبيرية مع الإنسان العادي الذي يتصرف مع جسده مثل آلة لا مثل جسم حي، ففي الحب تشكيل راقص، وفي الحب التذاذ يجعل ما يحيط بالحبيبين فضاء حيويا مشعا.


* قصيدة النثر حديث مشاغبٍ، معارك تدور، إقصاء وتكفير، كيف تنظر الآن الى هذه القصيدة ؟


-  يعنيني بداية ان أصحح خطأ لغويا ونقديا شائعا كنت من جملة مرتكبيه فقد بت امتنع عن تسمية هذه القصيدة بقصيدة النثر خلافا للكلام الساري بعد أن تنبهت إلى ان هذا اللفظ التركيبي مستقى من الفرنسية أساسا ومن دون ان يوافق ما يقوله الكلام الفرنسي في الشعر فلو شئت ترجمة دقيقة له فأقول هو القصيدة نثرا او القصيدة بالنثر وهو اختلاف يتعدى الترجمة والنقل ليبلغ المضمون نفسه ففي القول الفرنسي تشديد على ان ما يقوم به الشاعر هو بناء القصيدة ولا يعني الذهاب الى النثر لبناء قصيدته الى حيث للقصيدة ان تكون ان تنبني. ولو تتبعنا المشهد الشعري حاليا لتبينّا أن التجارب التي تنضوي تحت هذا النوع تحتوي الكثير من هذه المعضلات والمشاكل إلا أنها في مجموعها وقبل تقييم هذه التجربة او تلك او عن الحملات الصحفية التي تشبه حفلات الهجاء السياسي لا تغيب غير الحاصل الإجمالي التالي: القصيدة نثرا تستغل وتوفر حاليا بتجاربها وموضوعاتها وأشكالها وبالمقترحات الفنية والجمالية التي تعرضها للفضاء الحيوي الأرحب في الشعر العربي وهو ما يجعل غيره من التجارب اقل حضورا واقل اثارة وما يعنيني قوله ايضا في صورة إجمالية هو ان القصيدة نثرا هي التي عنيت اكثر من غيرها في التجربة الشعرية العربية الفردية في التعبير ففي غير هذه القصيدة يبقى صوت المتكلم في القصيدة صوتا عموميا له نبر فردي، صوتا جماليا وان له توقيعات خصوصية فيما تجنح القصيدة نثرا الى فردانية مبرمة في التعبير فهي قصيدة لا تقال في تظاهرة ولا في حاكم ولا في المدح أو تسمي واقعا في التجارب العربية, إنها تجارب حميمة وخصوصية في المقام الأول, واعتقد أيضا أن للقصيدة نثرا تاريخا بات اكثر في تجريبيتها وفي توليدها لاشكال مبتكرة في البناء ولتراكيب وصيغ في التأليف لم يستفد منه الشعر فقط وانما النثر ايضا, هذا لا يعفيني من ملاحظة ان بعض القصائد تكاد تكون من الهذر الكلامي فقط ومن الاستعمالية اللغوية التي تفتقر الى اي تجديد ذلك ان بعض تجارب القصائد نثرا تنسى او لا تعرف تماما ان الشعر يبقى بين الممارسات اللغوية المختلفة هو الممارسة الاعلى اشتغالا وتطلبا من اللغة اي استعمالها بغرض تجديدها اي الانطلاق من معان ومن تراكيب والوصول بها الى غيرها, الشعر هو ازاحة المعنى عن جاريه وهو تبلور شكل اثناء الكتابة لا وفق صورة مسبقة للبناء هذا الغطاء الحر والمفتوح قد يتحول عند بعضهم الى استعمال للغة في افقر استعمالاتها ومدلولاتها والى تكرار نمطية في البناء جافة ومعهودة:


"لكل أندلسه الضائع
يصرف أياما بعملة بائرة
ويغيب من دون مناديل.
عين تتأنى في مشيها فوق حبال من هموم,
وأخرى تسقط ستائرها كي ترى:
أهي رزم الرحلة لم يبادر احد الى استلامها
او تنكر لها قبل ان يراها؟
لا اكتب ما جرى,
بل عما جرى,
عما يتساقط وأداريه
خافتا مثل بصيص ضوء;
صياد كنوز, اقلع صخورا
من دون جدوى,
وأستريح لشاردة فوق غيمة:
أيها اللفظ لا تقنع بما حصل,
فيك ما يبني حياة معطلة,
أو خافية مستلقية,
وفيك ما يرمم خلوات خربة
استكانت لغبارها
في وحشتها!
تيسير فصيح لما لا يروى.
ضفتان من غبار منير,
لأحذية تخبط في غبش
بتصميم القائد في خيمته,
لنظرات تتحفز في مشيها
في أروقة من دون مظلات,
من دون مقاعد تقي من مطر داهم,
من دون شرطة حدود
لعابرين, قاطنين, مقيمين على سفر,
رافعين أناشيدهم لأعلام ممزقة,
ولصور مثل لقى
تتناقلها الأيدي
بأناة المنقب عن لفح غائر;
خشبتان من دون كراس
لعروض من دون مخرجين,
لممثلين من دون مؤلفين,
لكوني انصب شاشة
تتقافز فوقها صور غيري
ما أن أدير ظهري لها.
الهواء يعبر:
لك وحدك أن تنفخ في رماد الغفلة,
أن تتحرى عن علامات,
عما سقط,
سهوا,
عمدا,
في ريق شفتين,
عما يذبل في أغصان العابرين
ويورق من جديد.
مسودة في عهدة الأهواء,
تجريد ما لا ينقطع عن الحركة,
تشكيل الغبار,
سطر له جانبان:
ما يقع في الباء,
ما يقع تحت النون,
وله قلمان,
من صبر وهواء;


صبر للذين وضعوا في براويز قصاصات جرائد بالفرنسية والإنكليزية ورفعوها على حيطان يشخصون اليها كلما شخصوا الى السماء, من دون ان يحسنوا قراءتها بالضرورة فيطالعونها عن ظهر قلب,
براويز لحجج عقارية باتت جغرافية,
ولـ "بدروس" بلحيته المنسقة المدهونة,
ولمسيح أقدم من مسيح غيرهم,


صبر للذين يتجولون في خواتمهم وعقودهم وسبحاتهم السوداء المرقطة, كما في فنجان صباح, في متحف جوال بين ايديهم, بين عيونهم, بأناة الاثاري الذي يستظهر في الكسور الق الخسران,
صبر من قوس قزح لمن يتحادثون بالارمنية فيما بينهم, ويصرفون العربية بها مع غيرهم, وللمسنات اذ اقمن مدارس من دون أحواش, وثرايا ونجوما فوق الترانزستور لصباح وعبد الحليم, ولـ"نزهة" يوم الأحد,
صبر حجري لمن واعدوا بيوتا بالعودة اليها, ونوافذ بفتحها من جديد, بعد ان تركوا ركوة القهوة على نارها, وأحلامهم فوق أسرتها, وحسبوا دروب التيه بعد انقضائها ندوبا جافة وودائع راجحة في تاريخ له ميزان,
صبر للصابرين, وصية مستحقة وإن من دون سداد, صبر له اوراق تزيد, وبداية معلومة,
صبر لعابري نهر بيروت, بعد انهر عديدة, ينتقلون فوق احجار قلقة وإن متتابعة, مثل هذه القصيدة:
استقروا فيها قبل ان اقيم فيها,
فكانوا المتوطنين وكنت الغريب".


*شاعر وصحفي أردني

التعليق