فيديو كليب عربي

تم نشره في الأحد 2 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً

كانت الأغنية باللهجة البدويَّة، والمغنِّية ومعها مجموعة من الفتيات، يحطن بها ويرقصن، كنَّ جميعاً بملابس فلاّحيَّة، وتتناوب في الظهور، معهن على الشاشة، مجموعة من الشباب السود يرقصون ويغنُّون على طريقة أغاني الراب الأميركيَّة، كما أنَّ ملابسهم ذات طابع أميركي.

وفي فيديو كليب آخر يقف المغنِّي وسط مروج خضراء واسعة، وبالقرب من شواطئ بحيرة صافية المياه، ومن حوله أسراب يصعب عدَّها من الفتيات الجميلات بثياب بيضاء ساطعة، ثمَّ فجأة نرى بيانو منصوباً وسط المروج، فيأتي المغنِّي العربي ويجلس على المقعد الموضوع (للمصادفة!)، أمام البيانو، ويشرع بالعزف. ولكنَّنا لا نسمع شيئاً ممَّا يُفترض أنَّه يعزفه، بل موسيقى أخرى بآلات مختلفة.

هذان نموذجان من أغاني الفيديو الكليب العربيَّة الشائعة هذه الأيَّام. ويحار المرء بما يريد أن يقوله  المغنِّي من خلال هذه التوليفة العجيبة المصاحبة لأغنيته، وبمستوى الوعي والثقافة وزاوية النظر التي انطلق منها المخرج عند إعداده لهذه المشاهد الجوفاء المجانيَّة.

ما علاقة فتيات فلاّحات عربيَّات يَرِدن العين في أحد الأرياف العربيَّة، بشباب أميركيّين سود يغنُّون الراب، ويتسكَّعون في بعض شوارع المدن الغربيَّة؟!
لا أحد يعرف، وربَّما أنَّ مخرج الأغنية نفسه لا يعرف وكذلك المغنِّي. ولا شيء يفسِّر هذا سوى ما نلمسه من إعجاب ساذج بالكليبّات الغربيَّة ومحاولة تقليدها بدون أن يتوفَّر للمقلِّدين ما يلزم من عدَّة ثقافيَّة وأدوات إبداعيَّة.

لقد انتشرت ظاهرة الفيديو كليب المصاحب للأغنية العربيَّة بشكل واسع في التسعينيَّات(كانت هناك محاولة في السبعينيَّات مع أغنية عبد الحليم حافظ "قارئة الفنجان")، واقترنت هذه الظاهرة بالهبوط الشديد للأغنية العربيَّة، وبنفس الوقت بأفكار ساذجة جدّاً وفجَّة، في الكثير من الأحيان، تعبِّر عنها مشاهد الفيديو كليب المصاحبة لها. وهذا ثبَّت صورة عامَّة سلبيَّة للفيديو كليب نفسه؛ بحيث أصبحنا كثيراً ما نطالع أو نسمع أو نشاهد تصريحات لفنَّانين يعلنون رفضهم لتصوير أغانيهم بطريقة الفيديو كليب، باعتبار أنَّ هذا برأيهم يسيء للفن  الجيِّد وللفنَّان الجاد والمحترم! ومع ذلك فكثيراً ما نشاهد بعض هؤلاء، فيما بعد، وقد انحنوا للموجة وصوَّروا أغانيهم بالطريقة الرديئة نفسها! ومن جهة أخرى، يشنّ آخرون، كالعادة، هجوماً أخلاقيّاً كاسحاً على هذه الموجة الطاغية، باعتبارها مفسدة لأخلاق الجيل الناشئ برأيهم.

والحقيقة أنَّ موقف هؤلاء، وأولئك، ضعيف جدّاً أمام هذه الظاهرة التي يتزايد انتشارها باستمرار. فالربط بين الرداءة والفيديو كليب، بشكل عام وبدون تدقيق، إنَّما يعود إلى واحد من سببين، أو إليهما كليهما: الأوَّل؛ عدم فهم المشكلة بشكل صحيح، بحيث ينظر هؤلاء إلى الشكل الرديء من الفيديو كليب على أنَّه هو الفيديو كليب بالمطلق. والثاني؛ اتِّخاذ موقف معارض بصورة مطلقة للتجديد. وفي العادة لا ينظر هؤلاء إلى الواقع السياسي الاجتماعي الاقتصادي الثقافي بمجمله على أنَّه، بالضرورة، يتغيَّر باستمرار. و هم لا يفطنون إلى أنَّ وتيرة التغيير قد أصبحت في العقدين الأخيرين أسرع بكثير ممَّا كانت عليه في السابق، بسبب التطوُّر الهائل الذي طرأ على وسائل الاتِّصال. وبالتالي، فقد أصبح العالم كلّه يتأثَّر ببعضه البعض، وينقل عن بعضه البعض، ويأخذ من بعضه البعض.

ومع أنَّه صحيح أنَّ المراكز الرأسماليَّة الكبرى لها، بما تملكه من أسباب القوَّة والنفوذ، الدور الأكبر في التأثير، إلا أنَّه صحيح أيضاً أنَّه أصبح هناك ، وللمرَّة الأولى، مجال، وإن بحدود أقل، للشعوب الأخرى للتعبير عن نفسها وتقديم ثقافاتها وفنونها للآخرين. لذلك فإنَّ الموقف المحافظ التقليدي الذي يرفض الجديد لمجرَّد أنَّه جديد أصبح الآن يعيش مأزقاً أشدّ بكثير من مأزقه السابق المعروف في مواجهته مع التجديد. وهو في هذه الحالة يخدم "الجديد"، بغض النظر عن مستواه، أكثر ممَّا يضرُّه أو يعيقه، لأنَّه في الواقع، بهجومه عليه، يروِّج له. كما أنَّه، من ناحية أخرى، يجعل من نفسه ما يشبه حشيَّة القش يتمرَّن عليها "الجديد"، فيقوِّي عضلاته ويثبت نفسه.

أمَّا من يحاكم الأمر محاكمة "أخلاقيَّة" تقليديَّة، فإنَّه يسيء للأخلاق، أكثر ممَّا يخدمها، لأنَّه يضعها في موقف الخاسر سلفاً، عندما يفتعل، باسم الدفاع عنها، معركة دونكوشوتيَّة في أهدافها وأدواتها وأساليبها.

ومشكلة هؤلاء وأولئك، أنَّ هجومهم لا ينصبّ على نقاط ضعف خصمهم، وأنَّهم يخوضون حربهم معه على أرض اختارها هو، وبتكتيكات وخطط وضعها هو، وبالتالي، فالنتيجة معروفة سلفاً.

إنَّهم بدلاً من رفض النمط الرديء الشائع من الفيديو كليب، يرفضون ظاهرة الفيديو كليب بمجملها. أي أنَّهم يرفضونها لأنَّها جديدة وغير مألوفة. وهذا الموقف هو نفسه الوجه الآخر من عملة الرداءة؛ إذ أنَّ جلَّ همّه أن يواجه "التغيير"  بالمحافظة على الثبات والسكون والجمود وتكرار صورة قديمة مألوفة ثبتت في خيال أصحابه ورسخت في وجدانهم. ومعروف أنَّ الصورة الثابتة إنَّما هي أكثر الصور خداعاً، إذ أنَّها تعبِّر عن لحظة عابرة معزولة عمَّا قبلها وعمَّا بعدها؛ مع أنَّها ابنة ما قبلها وداخلة في نسيج ما بعدها.

أمَّا النظرة الصحيحة فيجب أن تقوم على أساس أنَّ الفيديو كليب فن من الفنون الحديثة، وهو شأنه شأن أيّ فن آخر، ممكن أن يُنفَّذ بصورة جميلة وممكن أن يُنفَّذ بصورة قبيحة؛ ممكن أن يعبِّر عن ثقافة منحطَّة وممكن أن يعبِّر عن ثقافة رفيعة؛ ممكن أن يحمل رسالة رديئة وممكن أن يحمل رسالة نبيلة. وبالتالي، فالرفض يجب أن ينصبّ على الرداءة التي يتَّسم بها بعض هذا الفن، أو حتَّى معظمه، ولكن ليس على الفن ذاته وبالمطلق.

ومثلما أنَّ للموسيقى واللحن والكلمات أهميَّتها في الأغنية، ولها جماليَّاتها، كذلك شأن الصورة في عصر الفضائيَّات والإنترنت. والصورة الجيِّدة ممكن أن تفيد الأغنية الجيِّدة وتكملها وتضيف إليها وتجعل مساحتها التعبيريَّة أكثر رحابة؛ إذا ما وجدت، بالإضافة إلى الملحِّن الجيِّد والعازف الجيِّد والموزِّع الموسيقي الجيِّد والمغنِّي الجيِّد، مصوِّراً ومخرجاً لا يقلاّن وعياً ومهارة وإبداعاً عن أولئك.

لقد كان على المغنِّي في السابق أن يغنِّي وهو جالس، وكان هذا تقليد راسخ لا يجوز الخروج عليه. ثمَّ في عصر الميكروفون والتصوير السينمائي والتلفزيوني أصبح على المغنِّي أن يغنِّي واقفاً. ولكن كان عليه أن يقف بثبات وأن يحرص على إظهار أكبر قدر من الرصانة والوقار، انسجاماً مع التقاليد الاجتماعيَّة المحافظة، وكأسلوب دفاعي من قبل الفنان عن كرامته وعن شخصيَّته، في مواجهة مجتمع كان ينظر إلى الفنان باعتباره صاحب مهنة منحطَّة! وفي عصر السينما والتلفزيون وتغيُّر القيم الاجتماعيَّة، بفعل التغيُّرات السياسيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة والتطور الهائل في التكنولوجيا، لم يعد الفنان يحرص على هذه الصورة النمطيَّة المتزمِّتة، فأصبحنا نرى نوعاً من الحركة، بل والرقص، مع الغناء. وطبعاً هذا مثله مثل أيّ تطوُّر فنِّي، يتضمَّن الرداءة والابتذال، مثلما يتضمَّن الجودة والإبداع.
ولنتذكَّر أنَّه كان على الشاعر العربي في العصر الجاهلي أن يبدأ قصيدته بالوقوف على الأطلال، ثمَّ حين تغيَّرت أحوال الناس في عهد الدولة العربيَّة الإسلاميَّة القويَّة والمترامية الأطراف، لم يعد هذا التقليد مناسباً، فجاء أبو نواس ليفتتح الخروج عليه، عندما سخر منه قائلاً:

قل لمن يبكي على رسم درس،      واقفاً، ما ضرَّ لو كان جلس؟

ولكن في بلادنا العربيَّة كثيراً ما أثيرت المعارك الصحيحة بصورة خاطئة، وبالتالي فلا تتحقَّق منها أيَّة نتيجة إيجابيَّة ولا تؤدِّي إلى أيّ تراكم بالاتِّجاه الصحيح، بل إلى تكرار عابث للصراعات نفسها، وللأسباب نفسها، بدون أيّ دروس أو عِبَر.

نحتاج قبل كلّ شيء أن نعرف المشاكل بصورة صحيحة، وأن نعرف ما نريد، وأن نعرف ما هو ممكن وإيجابي، ثمَّ نخوض معاركنا الضروريَّة على هذا الأساس.

التعليق