باب الشمس ليسري نصر الله و إلياس خوري

تم نشره في الجمعة 31 كانون الأول / ديسمبر 2004. 10:00 صباحاً
  • باب الشمس ليسري نصر الله و إلياس خوري

بطاقة الفيلم
الاسم : باب الشمس
الزمن : 4 ساعات و38 دقيقة (جزءان )
المخرج : يسري نصرالله
الكاتب : إلياس خوري
السيناريو : يسري نصرالله , الياس خوري , محمد سويد
التمثيل : نادرة عمران , محتسب عارف , هالة عمران , ريم تركي ,باسل خياط , دارينا الجندي , بياتريس دال
انتاج : قناة إي آر تي الفرنسية وبعض الجهات الأخرى .
التصنيف : 17 + لإحتوائه على عنف ولقطات جنسية .
التقييم : ***
دور العرض المحلية : غراند مكة مول " حصريا "


هذا فيلم يجمع روائيا كبيرا بحجم الياس خوري مع مخرج مبدع مثل يسري نصرالله , وقد التقيا معا إضافة إلى المخرج اللبناني محمد سويد حول موضوع مصيري هو مأساة فلسطين وأهلها , من خلال قصة حب كان قد صاغها خوري في روايته الشهيرة " باب الشمس " ,  ولعل هذا المشروع المشترك قد أضاف إليه الكثير من العناصر المهمة على صعيد التمثيل والسيناريو والتصوير , أما الإنتاج فقد تكفلت به قناة إي آر تي الفرنسية الألمانية , وبعض القنوات والجهات الأخرى الممولة .

من السهل هنا أن نعيد سرد حكاية الفيلم التي هي بالطبع حكاية نحو خمسين عاما من المآسي التي حلت بالشعب الفلسطيني وتهجيره , ولكن هذا الأمر بتفاصيله يحتاج هنا إلى مئات الصفحات , وربما على المرء أن يعيد قراءة الرواية حتى يلمس ذلك الشغل الدؤوب الذي تم لكي تتحول سطورها الكتابية إلى صور سينمائية تدب فيها الحياة , ويبدو أن المخرج المصري نصرالله قد رغب بقول كل شيء في عمل واحد , ابتداء من عام 1943 وانتهاءا بأوسلو , وبالطبع فإن طول الفيلم ( أربع ساعات و38 دقيقة ) يجعل المشاهد يفكر مليا قبل التورط في المشاهدة ,ولكن إحدى دور العرض عندنا قد تنبهت لهذا الأمر على ما يبدو وعرضته على جزئين , وعموما فإن هذا هو الأمر الطبيعي إذ من الصعب أن يتفرغ المرء خمسة ساعات متواصلة من أجل فيلم ما ,وعلى كل حال سأحاول هنا أن اتلمس بعض الجوانب الفنية في عناصر الفيلم , والمرور على موضوعه الأساسي وطروحاته .

تأتي الحكاية عن طريق الاسترجاع ( الفلاش باك ) عبر الطبيب خليل في مخيم شاتيلا  التي يرويها للمناضل يونس الأسدي المصاب بغيبوبة طويلة امتدت عدة أشهر , وهنا تتقاطع حكاية خليل وحبيبته شمس مع حكاية يونس ونهيلة ,وفي هذا المقام يقول الروائي خوري في مقال له بجريدة النهار "   الرواية، بالنسبة اليّ، كانت قصة حب. سحرني عشق يونس لنهيلة، واتلفت روحي حكاية شمس وخليل، ومن هذين العشقين الكبيرين نمت حكاية حبي للفلسطينيين وحكاياتهم، التي لم أشف منها حتى الآن. لا أريد الايحاء أن الحب بدأ مع البحث والكتابة الروائيين اللذين استغرقاني اعواماً طويلة بل هو حكاية قديمة، بدأت في شبابي المبكر في اواخر الستينات حين ذهبت الى نهر الاردن، وتعلمت الوقوف في مياهه، كي أحمل حصتي من آلام "معذَّبي الارض" ويتابع قوله :  إن العمل الميداني في شاتيلا وبرج البراجنة ومار الياس وعين الحلوة، كان اشبه برحلة الى الاقاصي والاعماق. ذهبت الى المخيمات من اجل أن اتعلم ابجدية الحكاية الفلسطينية.

افرت الى بلاد لم أزرها، وكانت عيون عشرات النساء والرجال، الذين استمعت اليهم، نوافذي المفتوحة على الذاكرة والألم والحلم " .

ولكن يبدو أن صياغة نصرالله لهذا العمل قد حرصت على أن تلم بكل التفاصيل , وتبث المشاهد المصورة كلها , ومن هنا جاء انتقاد مشاهدي الفيلم من النقاد والصحفيين لطوله , وأنه يحتاج إلى عملية تكثيف تقتطع منه المشاهد الحوارية الطويلة , واللقطات غير المبررة للقاءات الجسدية الحميمية , وبعض الحكايات الفرعية الأخرى لتكون النتيجة في النهاية عملا مقطرا , لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

لا يمكن للمرء إلا أن يشد على يدي المخرج نصرالله للصياغات البصرية التي اقترحها لنا , ولتلك القدرات الأدائية التي استطاع أن يجد لها متنفسا ,وهنا نتذكر دور الفنان محتسب عارف كشيخ أعمى , وكيف استطاع في الجزء الأول أن يؤدي دوره باتقان بالغ , وتماه عميق مع الشخصية , أما الفنانة نادرة عمران فقد استطاعت في الجزئين أن تبرز كممثلة لها قدرة على التقمص لشخصية الداية الفلسطينية في قريتها قبل الاحتلال وفي الهجرة القسرية , وربما يطرح هذا التميز لهذين الفنانين السؤال عاليا عندنا في الأردن عن تلك الطاقات الفنية المعطلة التي لا تجد لها طريقا سويا حتى تصل إلى الإعلام العربي والدولي رغم كفاءتها الكبيرة . ومن الواضح ذلك الاشتغال المتمهل على الشخصيات وتطورها , فثمة تنام طبيعي للشخصيات عبر الزمن , وهذا واضح من اللباس ,وقسمات الوجه التي أبان عنها المكياج وقدرات التمثيل, وهنا نجد في نادرة عمران نموذجا ناجحا لهذا الأمر , أما أداء الممثلة التونسية التي تعيش في فرنسا " ريم تركي " في دور نهيلة فقد بدا ناجحا ما عدا لهجتها العربية المكسرة , حيث تنطقها بالطريقة الغربية , وكان من الممكن أن يستعاض عنها بالدوبلاج لصوتها مثلا أو على الأقل بممثلة أخرى تتقن اللهجة الجليلية , وحكاية ريم تستدعي الانتباه إلى إدخال بعض الممثلين المصريين في الفيلم بلهجتهم دون أن يكون لذلك أي مبرر فني أو موضوعي , وهذا ما أضعف الفيلم , ناهيك عن اللغة الفرنسية التي استخدمتها الممثلة بياتريس دال كوضع طبيعي لدورها فيما كان خليل يتكلم معها بالانجليزية , وهذا خطأ كان يجب أن لا يمر , وعلى كل حال عج الفيلم بمزيج من اللهجات العربية بسبب استخدام الممثلين دون إعطائهم الوقت الكافي كما يظهر للتدرب على لهجة فلسطينية موحدة , وما دمت قد قررت مسبقا في هذا المقال أن لا أتطرق للحكاية وتفاصيلها لضيق المكان ,وعدة الإفادة في الإعادة للرواية , فإني سأورد هنا ما قاله الروائي خوري عن علاقته بالمخرج نصرالله وكيف خرج الفيلم بهذه الصورة "  التقيت يسري في اوج الحرب الاهلية، وذروة عبثيتها. كان الشاب المصري الآتي الى بيروت، بأحلامه الثورية، يعيد صوغ مزيج الخيبات والاحلام في مقالاته النقدية، وعبر عمله مساعداً للالماني شلوندورف او لعمر اميرالاي. ثم غادر بيروت كي يبدأ مغامرته السينمائية في مصر. مزيج من الذكاء والموهبة والاخلاص، ولكن ايضاً صداقة لم تنقطع رغم المسافات، وقدرة على تجديد الذات عبر اعمال سينمائية، صارت احدى علامات الابداع والتجديد السينمائي في العالم العربي، وفي العالم , ويتابع خوري قائلا " الانتقال من لغة الكلمة الى لغة الصورة، عملية معقدة وصعبة، تبلغ في بعض الاحيان حدّ الاستحالة. وهنا يقع دور المخرج، الذي يسرد بالصورة بدلاً من الكلمة. يزيح الكلمات عن دورها المركزي ليجعل منها رديفاً للمشهد الذي يتشكّل. فجأة يستولي خيال المخرج على السرد، ونصير امام عمل جديد يشبه العمل الاصلي ويختلف عنه " .

بقي علي أن أشير ولو لماما إلى بعض الشذرات عن الموضوع وطريقة تناوله , فقد حرص نصرالله أن تكون قصة الحب هي الأساس الذي تنطلق منه الأحداث , وهذا عمل يجمع بين قساوة الهجرة وظلم ذوي القربى , والمعاناة الهائلة للفلسطيني في أرضه وبعد خروجه إلى الجانب الإنساني , فالفلسطيني هنا لا يظهر مثل  ( سوبرمان ) بل له انكساراته وعناصر قوته , وهو هنا يحب ويكره , ويقتل , ويضعف ويتمرد معا , ويحرص المخرج على بيان التشطي الذي طال الشخصية الفلسطينية التي أخرجت  وتعرضت للمصائب المتتالية هنا وهناك ,أو تلك الفئة التي بقيت في أرضها صامدة لكنها اضطرت إلى قبول الأمر الواقع والتعاون مع الإحتلال , لقد شاهدنا رفقاء يقتلون بعضهم باسم الثورة أو الشرف العتيد أو لأجل قضية تافهة , وشاهدنا ضابطا من جيش الإنقاذ العربي يطلق النار على نفسه انتحارا ويأسا من حال قادته الذين لم يعطوه الأوامر بالدفاع عن فلسطين , وشاهدنا فدائيا خرج من سجون الاحتلال بعد سنوات طويلة وقد أصبح معطوبا ومجنونا يدور في الشوارع , ولكن ثمة ملاحظة تتعلق بتناول المخرج  للجنس واللقطات الحميمة ,والذي بدا فائضا عن الحد وغير مبرر , وربما يأتي استجابة لضغوطات الجهة الممولة , فثمة لقطات لنهيلة " ريم التركي " ويونس زوجها مليئة بالقبل والتعري الجدي لأسباب غير مبررة فنيا ولا تخدم الموضوع , وكذلك لشمس وخليل , أما عن الكلمات الثقيلة على النفس , والتي تتكرر كثيرا فكان من الممكن أن لا تكون لأنها لا تضيف شيئا بل تثقل الفيلم بها وتعطب جانبا من جمالياته .

في النهاية يمكن القول بأن الفيلم قد صيغ بطريقة بصرية جمالية أخاذة من ناحية المشاهد ,وكشف عن قدرات متميزة في التمثيل والتأليف الموسيقي والتصوير , كما أنه يعد وثيقة هامة ترصد الملحمة الفلسطينية وما آلت إليه , وتوثق للأفراح والأتراح وللنضال والخيانة معا , ولا يملك المرء رغم كل الملاحظات التي ذكرت  إلا أن ينحني احتراما لهذا الجهد الجماعي  المبدع , متمنيا أن يتاح للجميع رؤية هذا الفيلم الذي يعد واحدا من أبرز الأفلام العربية وأطولها على الإطلاق .

التعليق