"The human stain" لأنتوني هوبكنز ونيكول كيدمان لطخة بشرية أم ازمة مجتمع اخلاقية?

تم نشره في الجمعة 31 كانون الأول / ديسمبر 2004. 10:00 صباحاً
  • "The human stain" لأنتوني هوبكنز ونيكول كيدمان لطخة بشرية أم ازمة مجتمع اخلاقية?

هل يستطيع الانسان ان يبني حياته كلها على كذبة! نعم: يستطيع, لكن الكذبة مهما كانت محكمة, لا تستطيع ان تغطي على الحقيقة.

ثم, هل هناك شيء في هذه الحياة يبرر للانسان الخروج من جلده, ومن جوهره وحقيقته!

واي ثمن يدفعه الانسان الذي يبني حياته على الوهم?

اسئلة جارحة وعميقة يطرحها الفيلم الرائع "The human stain" "اللطخة البشرية" المأخوذ عن رواية فيليب روث, من اخراج روبرت بنتون, وبطولة انتوني هوبكنز ونيكول كيدمان, وإد هاريس, وجاري سينيسي واخرين.

الملاحظة الهامة على هذا الفيلم انه يتبع طريقة في السرد شبيهة بطرق السرد في الرواية الحديثة, من حيث تعدد الرواة, وتعدد وجهات النظر, وتقنية الاسترجاع, ويبدو ان المخرج قد التزم بتقنية الرواية المكتوبة, ولهذا فان قراءة الفيلم قراءة دقيقة تستلزم رؤيته اكثر من مرة, هذا اولا, و ثانيا فان الكتابة عنه تقتضي اعادة تركيبه زمنيا من اجل تتبع مساره ومسار الشخصيات والاحداث, خاصة وان الفترة الزمنية التي يغطيها الفيلم تمتد من عام 1948 وحتى عام ,1998 وهو العام الذي انشغلت فيه امريكا والعالم بقضية الرئىس كلينتون ومونيكا لونيسكي, حيث كانت محاكمة كلينتون لعلاقته بهذه المتدربة تشكل خلفية العديد من من المشاهد من خلال الاستماع لاستجواب لجنة التحقيق مع كلينتون, واذا اضفنا لهذا قول الراوي في بداية الفيلم ان صيف عام 1998 كان صيف النفاق, حيث انشغلت الامة بهذه الفضيحة, فاننا نلمس الاطار الاخلاقي او الازمة الاخلاقية التي وضعنا بها المخرج, وكأنه اراد ان يقول لنا ان الازمة الاخلاقية ازمة عامة, وازمة مجتمع قبل ان تكون ازمة افراد, بل لعل ازمات الافراد هي تجليات شخصية لهذه الازمة العامة التي يبحث فيها المجتمع عن اجابات لأسئلته الاخلاقية الكثيرة.

كولمان سيلك "انتوني هوبكنز" هو استاذ الادب الكلاسيكي في جامعة اثينا غرب ماسوشستس, وعميد الكلية وهو الذي حوّلها من جامعة مغمورة الى جامعة مرموقة, وفوق هذا فهو اول دكتور يهودي متخصص في الادب الكلاسيكي في امريكا.

خلال محاضرة له عن الادب اليوناني القديم, يسأل عن طالب وطالبة يرى اسميهما ضمن اسماء الطلاب, لكنه لم يرهما منذ 5 اسابيع, اي انه لم يلتق بهما مطلقا, ويسأل الطلبة اين هما, ولماذا هما متغيبان, وهل هما طلاب حقيقة, ام انهما اشباح, ويستخدم كلمة سبوكس "spooks".

وهذه الكلمة تعني اشباح او اطياف, لكنها تعني ايضا "زنوج" يفاجأ الدكتور بان الطالبين قد رفعا شكوى ضده بتهمة التحقير والاذلال, ذلك انهما كانا من الزنوج, وينعقد مجلس الجامعة لمساءلة الدكتور كولمان, ويؤكد للمجلس ان الكلمة تعني اشباح, وهذا هو المعنى الذي قصده والواضح من السياق, لانه لم يسبق له ان رآهما, ويغضب كولمان من موقف الجامعة وزملائه, وهو يواجه تهمة العنصرية ولا يجد منهم مساندة, لذلك يقدم استقالته وتموت زوجته ايرس نتيجة الصدمة.

يذهب كولمان للتعرف على الروائي المعروف ناثان زوكرمان الذي يلعب دوره جاري سينيسي, ويعرض عليه قصته طالبا منه ان يكتبها, وتنشأ علاقة صداقة بين كولمان وجاري الذي يعيش في بيت منعزل قرب البحيرة, وحيدا بعد ان تركته زوجته.

من خلال سرد كولمان لقصته على مسامع جاري تتوالى الذكريات والمشاهد الاسترجاعية لنكتشف خبايا حياة كولمان.

قبل عام 1948 كان كولمان طالبا في المدرسة الثانوية ايست اورانج, وقد احب في تلك الفترة المرأة الاولى في حياته ستينا بولس الايسلندية الأب والدانمركية الأم, وكانت على جانب كبير من الجمال, وقد احبته حبا عظيما, وعندما يقرر الارتباط بها يأخذها معه عند عائلته كي يعرفها على امه, وتكون المفاجأة فكولمان سيلك ابيض البشرة, لكن اهله من الزنوج ذوي البشرة الفاتحة, عندما تكتشف ستينا هذه الحقيقة لا تستطيع ان تتعايش معها, فتتركه باكية.

من هنا تبدأ عقدة كولمان, من اصوله الزنجية, ومن العرق الذي ينتسب له.

في السنة النهائية للمدرسة الثانوية, وحيث انه من الطلاب الرياضيين ويلعب الملاكمة ويرعاه الدكتور اليهودي دي تشيزنر, يبلغه هذا الدكتور انه رشحه لبعثة دراسية في جامعة بتسبرج, وان مندوب الجامعة سيحضر مباراة الملاكمة التي سيلعبها امام طالب زنجي, ويقول له الدكتور كلمة حفرت عميقا في وجدانه وغيرت مجرى حياته, قال له: عندما تقابل مندوب الجامعة لا تقل له انك من الملونين, ثم انه سيعتقد انك يهودي لانك معي!

وفي المباراة يتفجر حقده على ذاته وعلى الزنوج, فيضرب خصمه الطالب الزنجي ضربا مبرحا ويتغلب عليه في الجولة الاولى, وعندما يلومونه على ما فعل يقول انه لن يرحم اي زنجي!

هذه هي اللطخة البشرية التي استمد منها الفيلم عنوانه, لطخة شوهت تفكيره وحياته, وجعلته حاقدا على اصوله الزنجية التي تركته حبيبته بسببها, اضافة ان انكاره لأصوله حسب نصيحة الدكتور  له, فتحت له ابواب الدراسة العليا.

وبدأت هذه اللطخة تتمدد وتفرش اوساخها على حياته لهذا, وعندما احب الفتاة الثانية ايرس, اخفى عنها اصوله الزنجية, بل وقال لها ان والديه قد ماتا, وظل يخفي عنها هذه الحقيقة طوال حياته الزوجية معها التي استمرت خمسة وثلاثين عاما.

لكن الحقيقة المتوارية خرجت من مكمنها على حين غرة, وكانت في الوقت نفسه اداة عقاب, ووسيلة خلاص.

اتهامه بالعنصرية بسبب كلمة "سبوكس" كان يمكن رده بكل بساطة لو انه اعترف انه هو ذاته من اصول زنجية كما قالت اخته رنستين للمؤلف جاري في نهاية الفيلم.

لكن هذه اللطخة, هذه الكذبة التي بنى حياته كلها عليها كانت من الضخامة بحيث كان من الصعب عليه ان يمحوها, وكأن اتهامه بالعنصرية كان العقاب له على عنصريته تجاه ذاته وقومه, لقد كان بالفعل كما قالت له على عنصريته تجاه ذاته وقومه, لقد كان بالفعل كما قالت له امه وهو يبلغها انه اخبر الفتاة الثانية التي يحبها والتي ستصبح زوجته ايرس ان والديه قد ماتا.

قالت امه له: انك ابيض البشرة كالثلج لكنك تفكر مثل عبد اسود, او كما قال هو لنفسه: اردت ان اصبح حرا فاكتشفت انني اصبحت اسيرا.

بعد استقالته من الجامعة يقع كولمان في حب فتاة في السابعة والثلاثين من عمرها هي فونيا فارلي التي تلعب دورها نيكول كيدمان.

كان عمره عندها ضعف عمرها, واحبها في الفترة التي سيطرت فيها فضيحة كلينتون ومونيكا لوينسكي.

وفونيا فارلي هذه لها قصة عجيبة, فهي تعمل عاملة تنظيفات في الجامعة وفي مكتب البريد, وتحلب الابقار في مزرعة مقابل مبيتها في غرفة فيها.

علاقتها مع كولمان تتم بسهولة شديدة, فسلوكها سلوك مومس, حاجياتها قليلة, وكذلك كلامها, وتفضل ممارسة الحب على الكلام, وشعارها في ذلك العمل هو عدو التفكير, تستوقفه الكلمة, وعندما يلح عليها كي يعرف عن حياتها تسرد له مأساتها.

فهي سليلة عائلة ثرية جدا كانت تمتلك كل شيء, انفصل والداها, وعاشت مع امها التي تزوجت من رجل آخر, زوج امها دأب على مداعبتها وهي صغيرة, وعندما نضجت حاول اغتصابها, ولما ابلغت امها بذلك لم تصدقها, ولم يصدقها احد, لذلك غادرت المنزل وواجهت الحياة, تزوجت من محارب كان في فيتنام.

الحرب اثرت عليه فكان يضربها ضربا مبرحا, انجبت منه طفلين ماتا في حادث حريق بسبب انقلاب المدفأة في المنزل, زوجها ليستر فارلي الذي يلعب دوره إد هاريس يتهمها انها تسببت بقتل الولدين لانها كانت تنام مع رجل في ذلك الوقت وبسبب ضربه الشديد لها, ابلغت الشرطة, ووضعوه في مراكز التأهيل مرتين, لكنه ما زال يطاردها.

رغم ظروف فونيا المعقدة الا ان كولمان يحبها حبا شديدا, ويغضب بشدة من كل من ينصحه بالابتعاد عنها, يقول لصديقه المؤلف زوكرمان بغضب: بالتأكيد هي ليست حبي الاول, وليست حبي الكبير, لكنها هي حبي الاخير.

شخصية فونيا عميقة جدا, فهي لا ترى نفسها الا انها حثالة كما تقول لكولمان رغم اصولها الارستقراطية, وفي اعماقها تريد ان يحبها كما هي, لذلك تغضب حين يأخذها للعشاء في مطعم فخم ويفاجئها انه يريد ان يعرفها على صديقه المؤلف زوكرمان, وتقول له انك لا تستطيع معاشرة امرأة لا تأخذها الى مطعم فخم, فأنت عميد الادب الكلاسيكي الذي يدني مستواه مع واحدة مثلي!!

عندما تغضب منه ذات مرة وتعود  لمزرعة الابقار بعد غياب ثلاثة اشهر تقف قرب قفص فيه غ راب, وتخبرها زميلتها في المزرعة ان الغرب خرج من القفص ذات يوم, لكن الغربان ضربوه فعاد للقفص, فقالت لها: ذلك لان البشر هم الذين ربوه, وتقول: انه غراب لا يعرف كيف يكون غرابا, وكأن مثل هذه الاشارات تعمق الدلالات حول شخصية كولمان نفسه, فهو زنجي لا يعرف كيف يكون زنجيا ايضا.

علاقة كولمان مع فونيا تستمر بقوة, ويبدو انه وجد فيها صدى علاقته الاولى مع حبه الاول ستينا بولس التي تركته بسبب اصوله الزنجية, لذلك كانت التداعيات والذكريات تنهال عليه وهو معها, ويتذكر حبيبته الاولى, وكأنه يريد ارجاع الزمن الى الوراء, ويطلب من فونيا ان ترقص له كما رقصت له ستينا قبل اربعين سنة.
اصوله الزنجية التي اخفاها عن زوجته 35 عاما, بل واخفاها عن صديقه المؤلف وهو يسرد له حياته, باح بها الى فونيا فقط بعد ان حسم امره, وقرر الارتباط بها, قبل  ان يموتا في حادث مروع في السيارة من تدبير زوجها السابق ليستر فارلي.

ولم يكتشف المؤلف زوكرمان, راوي الفيلم وصديق كولمان ان صديقه زنجي الاصل الا في جنازته, عندما يشاهد اخته ارنستين, والتي تخبره بالاجزاء الخفية من حياة كولمان الذي عاش حياة رجل ابيض البشرة, وفي اعماقه مشاعر عبد اسود, كولمان الذي اراد ان يتحرر من اصوله فسقط اسيرا لكذبة حياته.

هذا الفيلم يشبه الرواية في تقنياته السردية, فكل حرف فيه محل بالدلالات والايحاءات, وكل حوار يلامس قضية, فهو يتحدث عن ازمة مجتمع كامل, مجتمع ما تزال العنصرية فيه لها سطوتها, والا لماذا ينصح الدكتور الطالب كولمان بان لا يذكر اصوله الزنجية وان يتخفى وراء بشرته البيضاء, ولماذا يقول له ان مندوب الجامعة سيعتقد انك يهودي لانك مرشح من قبلي, لولا هيمنة اليهود!
كما يطرح الفيلم مأزق التربية والتوجيه الذي يتلقاه الامريكي يقول ليستر فارلي زوج فونيا الجندي القديم في فيتنام اثناء التحقيق معه بسبب ضرب زوجته حتى الاغماء, لقد قالوا لي اقتل, اقتلهم جميعا, وقد فعلت ذلك.

لقد علموه القتل, والقتل فقط, ولهذا يذهل عندما تبعده الشرطة عن منزل زوجته ويصرخ بهم, هل هذا جزاء قتالي في فيتنام, هل هذا جزاء دفاعي عن الوطن!
عندما يموت كولمان, وفي حفل تأبينه يقف زميله في الجامعة الاسود هيربرت كيلي ويقول بندم: انني لم ادافع عنه عندما اتهموه بالعنصرية وانا اشعر بالعار لذلك, كان علي ان ارفع صوتي, لقد واجه كولمان خيانة الغباء الاخلاقي في مجتمع ميال للنقد الجارح والقاسي.

ان ما يحويه الفيلم من دلالات وما يحفر عليه من ازمات فكرية واخلاقية اكثر من هذا.

قدمها المخرج بحرفية رفيعة, ولغة سينمائية هادئة وساحرة رغم حرارة الموضوع, وظل ممسكا بخيوط هذه الرواية العميقة بكل احكام, متنقلا عبر الزمان, وعبر المشاعر, وعبر الاحاسيس باقتدار عظيم, ساعد على تجسيده انتوني هوبكنز العملاق, ونيكول كدمان في واحد من اهم ادوارها, بمرافقة موسيقى تصويرية ساحرة وضعتها الموسيقية رتشيل بورتمان الحائزة على الاوسكار عن موسيقى فيلم ايما, وهي اول امرأة تحصل على الاوسكار عن الموسيقى.

بالاضافة الى الدقة والاتقان في اختيار المناظر والاجواء التي تعكس سنوات الاربعينيات, وسنوات التسعينيات والانتقال بينها بسلاسة, والربط بينها في حالات الاسترجاع عن طريق الموسيقى والمؤثرات.

فيلم, من افلام النخبة التي تجد متعتها في مثل هذه الافلام العميقة الرائعة التي تجمع بين عمق الاعمال الادبية وسردياتها الحديثة, وبين روعة السينما وتقنياتها المتطورة.

التعليق