"ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا"

تم نشره في الجمعة 23 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة*

هذه هي الآية 124 من سورة طه. يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: "(من أَعرَض عن ذكري) أَي خالف أمري وما أنزَلته على رسولي؛ أَعرَض عنه وتناساه وأَخذ من غيره هداه، فإنّ له معيشة ضَنْكًا، أَي ضنك في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإنّ قلبه ما لم يخلص إِلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة".
وهذه الآية تخبرنا عن قانون قرآني لواقع البشرية طيلة عصورها. وهي تعد من الآيات القرآنية التي تشكل أحد مفاتيح الرؤية القرآنية لتاريخ البشرية الصحيح. وهو تاريخ ما يزال، للأسف، مغيبا عن مناهج التعليم والإعلام في ديار المسلمين، فضلاً عن غيرهم.
تقوم الرؤية القرآنية لتاريخ البشرية على أن الإنسان مخلوق مكرم من قبل الله الخالق المدبر لهذا الوجود: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" (الإسراء، الآية 70). ومن تكريم الله له، أنه خلقه بيديه سبحانه وتعالى: "قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" (ص، الآية 75)؛ وأنه سبحانه عز وجل أسكنه في الجنة: "وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيثما شئتما" (البقرة، الآية 35). ثم استجاب آدم لغواية الشيطان وأهبط إلى الأرض: "فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى" (طه، الآيات 120-123).
ومن هنا بدأت المسيرة البشرية على الأرض في ظل الكلمات الإلهية، وأصبح قانونها: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا". فكلما استقام البشر على ذكر الله عز وجل بالإيمان به، واتّباع أحكامه وشرائعه، والتخلق بالخلق الحسن، حسنت معيشتهم؛ وكلما أعرضوا ضنكت معيشتهم وضاقت.
ولذلك، إن ما نعرفه عن بؤس بعض الحضارات القديمة، إنما هو بسبب بعدهم عن ذكر الله ودينه وتوحيده والإيمان به. ومن هنا نجد التناقض الرهيب في واقع الحضارات القديمة؛ فهي طوراً تكون متقدمة وقوية وغنية وتمتلك معارف وعلوما، ويظهر هذا في بقايا حضاراتهم من مبانٍ وأدوات وتراث، وطورا تراهم متخلفين ضعفاء فقراء، يتسلط عليهم السحرة والمشعوذون والشياطين، وتنتشر بينهم الخرافات، ويعيشون عرايا كالبهائم.
وهذا التبدل في أحوالهم ما بين السعد والضنك، هو بسبب علاقتهم بالله عز وجل والإيمان به، قوة وضعفاً. فالرؤية القرآنية تخبرنا أن هداية الوحي الإلهي لم تنقطع عن الأرض والبشر، بل هي متعاقبة فيهم ومستمرة: "وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ" (فاطر، الآية 24). ويخبرنا القرآن الكريم أنه ما مِن أمة أطاعت نذيرها ورسولها ونبيها، إلا سعدت ونجت. ومن أمثلة ذلك نجاة المؤمنين مع نوح من الغرق في الطوفان، ونجاة بني إسرائيل مع موسى وغرق فرعون وجنوده. وأغنى دولة في تاريخ البشرية هي دولة نبي الله سليمان. ثم كيف تبدلت أحوال البشرية إلى السعادة والرخاء بعد التعاسة والشقاء، بالتزام شريعة الله عز وجل وأحكام القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أن هذه السعادة عمّت كل البشرية؛ إذ نشروا الإيمان والعدل والرحمة والعلم، فظهرت الحضارة الإسلامية المشرقة طيلة 1400 عام. وهي التي يحاول اليوم أعداء الإسلام طمس نورها والتغطية على فضائلها. والأمثلة كثيرة على سعادة المؤمنين عبر التاريخ، وبؤس الكفار والمعرضين عن ذكر الله وتوحيده.
وفي واقعنا اليوم، ما تزال الأمة الإسلامية -برغم التقصير أبنائها بواجبهم نحو الله عز وجل- أسعد حالاً من غيرها من الأمم. وقد يستغرب البعض هذا القول، خاصة إذا كان لا يزن الأمور إلا بموازين مادية محضة، بسبب هيمنة الرؤية المادية النفعية على ثقافة العولمة.
إذ إن تأملاً بسيطاً في واقع البشرية اليوم، يكشف لنا عن مدى الضنك الذي يعيشه أهل المادية والغنى. فبرغم الوضع الاقتصادي المرتفع في أميركا وأوروبا واليابان وما شابهها من الدول، وبرغم الحياة الاجتماعية المتفلتة من ضوابط الأديان والأخلاق بسبب الأيديولوجيا العلمانية، وبرغم توفر وسائل الحياة والترفيه، إلا أن أهلها يعانون ضنكاً في حياتهم ومعيشتهم أكثر من المسلمين، ولذلك ترتفع بينهم حالات الانتحار، وترتفع بينهم الأمراض النفسية، وترتفع بينهم حالات الاغتراب والوحدة، ويفتقدون لروح الأسرة وعلاقات الصداقة الصادقة، فتكثر فيهم دور العجزة والمسنين، وتجد أن حوادث القتل لأسباب تافهة لا حصر لها.
وفي نفس الوقت، تجد أن إعراضهم عن ذكر الله عز وجل والتقيد بأحكامه وشريعته، تقلب متعتهم إلى جحيم، وفرحتهم إلى قلق، وسعادتهم إلى كآبة. فحياة كثير من الشباب والشابات المنفلتة تنتهي بإدمان التدخين والخمر والمخدرات. وبحسب منظمة الصحة العالمية، يقتل التدخين كل عام نحو 6 ملايين شخص، أما الخمر فلا يقل عدد ضحاياه سنوياً عن 11 مليون شخص بشكل غير مباشر، فيما يقتل مباشرة نحو 2.5 مليون إنسان. أما ضحايا المخدرات فهم 27 مليون مدمن، يقتل منهم حوالى 200 ألف سنويا.
ومعلوم أن التدخين والخمر والمخدرات يعيش صاحبها هما وغماً في توفيرها وتمويلها، وتحمل تبعاتها المالية والصحية والاجتماعية والقانونية، مما يحولها حقيقة إلى ضنك دائم باسم المتعة والسعادة! ومثل هذا ضحايا الأمراض الجنسية؛ كالإيدز وغيره، لمن يجترحون جريمة الزنا والشذوذ، أو ما يتسبب به العري من الإصابة بمرض سرطان الجلد. وبسبب هذا كله، أصبح سكان الغرب يتناقصون، ما جعل بعضهم يصرخ محذرا من "موت الغرب". هكذا، فإنه فكلما أعرضوا عن ذكر الله، جاءهم الضنك من داخل إعراضهم.
وبسبب الإعراض عن ذكر الله، نجد أن الاقتصاد الربوي أصبح يشكل خطراً على هذه الدول والحضارة، وأصبح هناك دعوات للاستفادة من الاقتصاد الإسلامي وفريضة الزكاة. 
وبسبب الإعراض عن ذكر الله وشرعه أيضا، نجد استفحال الظلم والاستبداد، وإن كان في أشكال مقنّعة؛ فتزدهر تجارة الرقيق الأبيض بشكل كبير، وتتوسع جريمة استغلال الأطفال من الشركات العابرة للقارات، وتشرعن الحروب للاستيلاء على ثروات الدول الضعيفة تحت شعارات مكافحة الإرهاب والتطرف ودعم الديمقراطية.
في مقابل هذا، نجد المسلمين -برغم ما يعانونه من فقر وحرمان وظلم واستبداد من الداخل والخارج- أكثر تراحما وتعاطفا وتماسكا أسريا، وتنخفض بينهم حالات الانتحار والقتل والقلق والأمراض النفسية. وحتى نسب ضحايا الخمر والمخدرات والأمراض الجنسية تقل بينهم بشكل ملحوظ عن بقية الأمم والأديان، وكل هذا بسبب الشريعة الإسلامية والتمسك بأحكامها.  وكلما تمسك المسلمون بدينهم، تحسنت أحوالهم. وكلما قام المسؤول والمواطن بأداء الأمانة وإتقان العمل (وهذا جزء مهم من الشريعة الإسلامية)، نهضت الأمة. وكلما عدل القاضي والخصوم (وهذا جزء مهم من الشريعة الإسلامية)، زاد الأمن والسرور. وكلما حرص السياسي والناخب على تبني الحق (وهذا جزء مهم من الشريعة الإسلامية)، دارت عجلة الإصلاح. وكلما تفانى المعلم والطالب في العملية التعليمية، عمت المعرفة بأنوارها، وهذا أصل مهم في الشريعة الإسلامية. وكلما التزم المسلمون بأحكام الشريعة في حياتهم بشكل صحيح، انعكس ذلك على حالة المجتمع؛ نظافة ونظاما وصحة وتقوى وأخلاقا وعملا وتطوعا وبذلا.
هذا كله هو المعنى الحقيقي للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية. وبغير هذا لن تنصلح أحوال أمتنا مهما جربنا من حلول واستوردنا من أفكار؛ فلا تطيلوا الطريق واختصروا، يرحمكم الله.


*كاتب أردني

التعليق