د.باسم الطويسي

رسائل إلى البابا من عجلون ومعان

تم نشره في الأحد 25 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

كُتب الكثير خلال الأيام القليلة الماضية حول أهمية زيارة الحبر الأعظم قداسة البابا إلى الأردن وما تحمله من رسائل لنا، وحاولنا ان نوظف هذا الحدث في التسويق لما يسمى السياحة الدينية؛ لا بأس بذلك، ولكن الأهم من هذا الرسالة الثقافية والحضارية التي علينا أن نوضحها للعالم الغربي وللفاتيكان.
 وهذه رسائل ثقافية وسياسية توفر فهما مختلفا لقدرة هذه الجغرافيا الحضارية على بناء متحد اجتماعي على أساس ثقافي سياسي متنوع منذ حضارات الأنباط والمؤابيين والعمونيين إلى اليوم، وهذه الرسائل مهمة اليوم في الوقت الذي يُصنع فيه التطرف باسم الأديان وهي صناعة سياسية ترتبط دوما بمصالح من يدير القوة في العالم، وهذه الرسائل مهمة في الوقت الذي يواجه فيه مسيحيو المشرق العربي، أقدم مسيحيي العالم عمليات تهجير واسعة في الوقت الذي يعد فيه الأردن الدولة الوحيدة في العالم الاسلامي التي ازدادت فيها أعداد المسيحيين بفعل الاستقرار وايواء اللاجئين، وهذه الرسائل مهمة لأنها تأتي من اكثر المجتمعات فقرا وتهميشا، ولكنها تؤكد أن التعدد في سياق الهوية هو الأصل في نشأة  المجتمع الأردني.
الرسالة الأولى من عجلون شمال الأردن حيث يعيش الأردنيون من مسيحيين ومسلمين معا منذ  نحو ألف وخمسمائة عام، وبالقرب من عجلون آوى الأردنيون القدماء في بيلا القديمة على أطراف النهر العتيق أول لجوء ديني في تاريخ البشرية حينما استضافوا مجموعة من انصار المسيح وحوارييه الأوائل في بواكير المسيحية الاولى من اضطهاد اليهود والمكابيين.
 هذه الرسالة مفادها ان نتذكر الشيخ راشد الخزاعي الفريحات ( 1850 – 1958) الذي يعد أول عربي مسلم منح وشاح القبر المقدس من قداسة البابا في عام 1887 لجهوده ونضاله في حماية مسيحيي المشرق العربي والدفاع عنهم وايوائهم؛ وهو أعلى وسام يمنحه الحبر الأعظم بابا الفاتيكان في روما للمطارنة والكاردينالات  ففي نهاية القرن التاسع عشر وفي أواخر حكم الدولة العثمانية تعرضت بلاد الشام وتحديدا لبنان لسلسلة من تصنيع الفتن الطائفية التي شكلت بدايات لدخول الاستعمار الفرنسي للمنطقة، وكان اكبرها فتنة جبل لبنان بين المسلمين والمسيحيين، هنا برز دور الشيخ راشد الفريحات حيث أعلن ومن شمال الأردن "بأن كل من يقوم بالتعرض أو الاعتداء على أي مسيحي أو كتابي فإن ذلك سيعتبر اعتداء على شخصه وقبيلته وعلى كل القبائل الخاضعة لحكمه، وسيكون هناك جزاء ذلك عقاب بالمثل دون تهاون وتخاذل". ولقد احتضن الشيخ راشد في جبل عجلون أبناء الطائفة المسيحية من كافة أرجاء بلاد الشام وعمل على حمايتهم من أي تنكيل أو قتل، ونجح الشيخ راشد الفريحات والامير عبد القادر الجزائري الذي كان منفيا في بلاد الشام في إجراء مصالحة تاريخية بين الموارنة والدروز وحقن دمائهم.
الرسالة الثانية من معان جنوب الأردن وبالقرب من كنيسة البترا التاريخية التي ازدهرت في القرون الأولى من المسيحية؛ الرسالة الأردنية المعاصرة هنا  تعود الى بداية القرن العشرين إبان مأساة الأرمن وتهجيرهم حيث استقبلت معان ووادي موسى مجموعة صغيرة من الأسر الأرمنية المسيحية ومعظم أفرادها من النساء والفتيات، لقد قدمت معان أحد أرقى الأمثلة على العيش المشترك بين الاديان؛ تصوروا بلدة ريفية شبه بدوية في ذلك الوقت تؤوي مجموعة من النساء من دين مختلف وتمنحهن الأمان والمأوى وينخرطن في المجتمع حيث حافظت مجموعة منهن على مسيحيتهن بل تزوجن من مسلمين وبقين على دينهن ولم يجبرن او يكرهن على تغيير دينهن، لقد روت لي الدكتورة منى أبودرويش أستاذة علم النفس في جامعة الحسين قصة جدتها (أنى الأرمنية) التي تزوجت من أردني مسلم احترم حقها في ان تحافظ على مسيحيتها واحترمت حق أبنائها في اعتناق الاسلام، وأصبحت  أنى مرجعية في مجتمعها المحلي لها كل الاحترام والتقدير، لدرجة انها اوصت ان يدفن إنجيلها معها وكان لها هذا حينما توفيت في عام 1954 حينها اصر وجهاء معان الكرام على طلب رجل دين مسيحي من العقبة لكي يدفنها ويصلي عليها.
 هذه صورة العيش المشترك الحقيقي، وهذه الذائقة الحقيقية للناس في بلادنا التي يجب أن نقدمها للعالم  الذي  يغزوه التصنيع السياسي للأديان والأفكار.

التعليق