هل يخاف الأوروبيون من المهاجرين حقاً؟

تم نشره في الثلاثاء 27 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً
  • مهاجران يحتجان على القيود المفروضة على حركة المهاجرين في بريطانيا - (أرشيفية)

بيتر سذرلاند*

لندن- تبدو الأحزاب اليمينية المتطرفة في طريقها إلى تحقيق مكاسب كبيرة في الانتخابات البرلمانية الأوروبية المقبلة. ورغم أن المحللين يختلفون حول ما إذا كانت هذه الموجة الشعبية العابرة سوف تلحق ضرراً حقيقياً بصناعة السياسة في الاتحاد الأوروبي أو أنها ستدوم بفضل الانتخابات الوطنية، فإنهم يتفقون على شيء واحد على أقل تقدير: عادة ما يكون الدعم لمثل هذه الأحزاب مترسخاً في المشاعر المعادية للهجرة. لكن المظاهر والأقوال السارية يمكن أن تكون خادعة.
تأخذ الشعبوية أشكالاً كثيرة، ويختلف منطق نجاحها من مكان لآخر. ولكن الاستياء الاقتصادي (والذي عادة ما يرتبط باليورو) والغضب من السلطة السياسية، والجاذبية المتجددة للمشاعر الوطنية والمشاعر السلبية تجاه الاتحاد الأوروبي، تشكل جميعها ثيمات متكررة، سواء كان ذلك في المملكة المتحدة أو فرنسا أو هنغاريا أو إيطاليا أو اليونان أو هولندا أو الدنمارك.
من الصحيح كذلك أن المهاجرين يشكلون جزءاً مهماً من الخطاب الشعبوي في طول بلدان الاتحاد الأوروبي وعرضها. ولكننا سنرتكب خطأ كبيراً لو توصلنا إلى استنتاج أن مجرد وجود المهاجرين في أوروبا يزيد من الدعم للمتطرفين. إن الواقع يقول إن غياب سياسات فعالة لإدارة الهجرة هو الذي أدى إلى نفور الناخبين الأوروبيين من المهاجرين.
من اللافت أن اليمين المتطرف ضعيف للغاية في دول الاتحاد الأوروبي التي كانت الأكثر إيجابية ونشاطاً في إدارة الهجرة وإدماج المهاجرين. وعلى سبيل المثال، عملت ألمانيا وإسبانيا والسويد والبرتغال أكثر من معظم الدول الأخرى على فتح قنوات قانونية للهجرة، كما استثمرت في دمج المهاجرين.
لم تغير الشعبوية في تلك البلدان ملامح النقاش السياسي بشكل أساسي. فعلى سبيل المثال، تجد الأحزاب الشعبوية لنفسها بالكاد موطئ قدم في إسبانيا والبرتغال اللتين توجد فيهما نسبة بطالة عالية.
في واقع الأمر، يدعم سكان هذه البلدان بشكل عام الهجرة القانونية، وينظرون إلى جهود الإدماج على أنها ناجحة. وفي ألمانيا مثلاً، ينظر 62 % من المشاركين في المسح الذي أجراه صندوق مارشال الألماني إلى الهجرة على أنها فرصة أكثر من كونها مشكلة. ويصل هذا الرقم إلى 68 % في السويد. وفي البرتغال أجاب 79 % من الاشخاص الذي تم استطلاع آرائهم بـ"نعم" على سؤال يتعلق بما إذا كان قد تم دمج الجيل الأول من المهاجرين بشكل كامل. كما أجاب 63 % من الذين تم سؤالهم السؤال نفسه في إسبانيا بـ"نعم" أيضاً.
لقد ساعد الساسة في تلك البلدان، بتحدثهم بشكل علني عن الهجرة، وبتعاملهم مع المخاوف المشروعة للناخبين، في جعل النقاش العام أكثر واقعية. وقد صوروا الهجرة بشكل عام على أنها تطور إيجابي يساعد في تخفيف المشاكل للشعوب التي يزداد فيها عدد الطاعنين في السن، والمشاكل المتعلقة بالفجوات في سوق العمل. ونتيجة لذلك، أصبح الخوف من المهاجرين غير ظاهر. وعندما تم توجيه سؤال ما إذا كان المهاجرون يأخذون وظائف المواطنين، أجاب 80 % من الألمان و77 % من السويدين بـ"لا".
أما في الأماكن التي يمتاز فيها الخطاب المتعلق بالهجرة بالحدة، كما هو الحال في المملكة المتحدة، فإنه يتم أحيانا تشويه التصورات بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، يعتقد البريطاني العادي أن 31 % من البريطانيين ولدوا في الخارج، بينما الرقم الحقيقي هو 13 %. ولو قارنا ذلك بالسويد التي تصل نسبة الفرق فيها بين التصور والواقع إلى ثلاث نقاط مئوية فقط، فسنجد أن النقاشات العامة وصنع السياسات على أساس الواقع يمكن أن يغيرا بشكل جذري الدينامية السلبية المتعلقة بالهجرة.
مع ذلك، تبقى مخاوف الأوروبيين الثقافية من المهاجرين أقل بكثير مما تصوره التغطية الإعلامية. ويعتقد ما نسبته 69 % من الأوروبيين أن المهاجرين لا يشكلون تهديداً ثقافياً. وفي واقع الأمر، يقول حوالي الثلثين، بما في ذلك 82 % في السويد و71 % في ألمانيا، أن المهاجرين يثرون الثقافة الوطنية.
على النقيض من ذلك، تبدو الأحزاب الحكومية التي فشلت في التفكير بشكل تقدمي فيما يتعلق بالهجرة أو التي تمتنع عن مواجهة الخطاب الشعبوي بشكل كاف (أو لا تواجهه بالمرة)، وأنها الأكثر معاناة قبل الانتخابات البرلمانية الأوروبية. وبعدم عمل الكثير من أجل إدارة الهجرة والاندماج، قامت بعض الحكومات بالتنازل عن السيطرة لصالح المهربين والمتاجرين بالبشر وأصحاب العمل المستغلين، مما يسهم في الانقسام الاجتماعي ويعيق النمو الاقتصادي. ولا يقوم ذلك فقط بتمكين الشعبويين، وإنما تصبح تلك الحكومات أكثر شبهاً بهم.
ما يزال هناك وقت للتحرك في اتجاه أكثر عقلانية. وما يزال الأوروبيون في طول القارة وعرضها عقلانيين فيما يتعلق بالهجرة. وبشكل عام، وطبقا لصندوق مارشال في ألمانيا، فإن 62 % من الأوروبيين غير قلقين من الهجرة القانونية. وفي الوقت نفسه، فإن الأغلبية الساحقة تعتقد أن "المهاجرين يساعدون بشكل عام في تعويض النقص في سوق العمل". وتثبت هذه الآراء المنطقية أن هناك مساحة لإقامة نقاشات عامة صريحة عن دور الهجرة في مستقبل أوروبا.
يجب أن يكون نطاق الهجرة موضوعاً لنقاش عام مستنير، يوازن بين الاعتبارات الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية. وقد يتفاجأ الساسة الذين تكون لديهم الشجاعة لقيادة مثل هذه المناقشات بطريقة بناءة برد فعل الناس.

*رئيس مدرسة لندن للاقتصاد، المدير غير التنفيذي لساش إنترناشيونال، والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الهجرة والتنمية، والمدير العام السابق لمنظمة التجارة العالمية.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق