عقبات رسمية تقف أمام اندفاع شركات استثمارية خليجية وأجنبية للأردن

تم نشره في الثلاثاء 3 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً

بسام علي الطواحين*

تابعت باهتمام بالغ تصريحات رئيس الوزراء د.عبدالله النسور، المتعلقة بالشأن الاستثماري، وتشجيع قدوم الاستثمارات الخارجية للمملكة، وما يعترضها من عوائق. ويسجل للحكومة شجاعتها وشفافيتها وواقعيتها، واتفق تماما مع ما جاء في تصريحات رئيسها.
أتحدث من واقع خبرتي العملية بشأن تشجيع الاستثمار، وبحكم عملي الحالي، كمدير للمكتب التمثيلي لمؤسسة تشجيع الاستثمار الأردنية في دولة قطر الشقيقة منذ عدة أعوام.
يبذل جلالة الملك عبدالله الثاني جهودا فذة للترويج للأردن، كوجهة مهمة للاستثمار الخارجي، إلى جانب ما تبذله الحكومة من جهود عن طريق أذرعها المختلفة، بخاصة مؤسسة تشجيع الاستثمار سابقا عبر مكاتبها الموجودة في دول خليجية، إذ أسهمت بقدوم استثمارات خليجية للأردن، لكن الكثير منها فقد نتيجة ممارسات وأسباب مختلفة.    
إن التعامل الرسمي لجهات حكومية، وقائمين على العملية الاستثمارية، يقف عقبة في مواجهة تسهيل اندفاع بعض الشركات الاستثمارية الخليجية وغيرها للعمل في الأردن، ما ترك انطباعا سيئا جدا لديها، نلمح فيه افتقار جهات رسمية للحد الأدنى من المهنية وحسن التعامل مع هذه الشركات.
كما تظهر الصراعات الداخلية في قلب هذه المؤسسات، كفاعل مضاد للجذب الاستثماري، إلى جانب تغليب المصلحة الشخصية لدى مسؤولين على مصلحة الوطن، والافتقار للجرأة والموضوعية. كلها أسباب رئيسة في تعثر وانعدام قدوم الاستثمارات وتوجهها لبلدان أخرى.
كانت وما تزال معاناتنا، كمشجعين على الاستثمار في الاردن، مع جهات رسمية في هذا الجانب، تفوق التوقعات، اذ اتسمت إجراءات بعض الوزارات والمؤسسات، ببيرقروطية وتعقيد وتأخير واهمال، وعدم فهم لفلسفة الاستثمار.
وعمليا، فإن المؤسسات والشركات الخليجية تحديدا، المتجهة للاستثمار في الاردن، تعتمد على تحديد فرصها الاستثمارية ودراستها والتفاوض حولها، وتنفيذها ضمن فترات زمنية محددة، تأخذ بالاعتبار الاستخدام الامثل والاجدى للأموال المستثمرة والبيئة الجاذبة والآمنة.
اما ما يتعلق بمهام المكتب التمثيلي لمؤسسة تشجيع الاستثمار سابقا (الهيئة الاستثمارية حاليا) في قطر، فقد بذلت إدارة المكتب جهودا دؤوبة ومضنية للتعريف بالبيئة الاستثمارية السائدة في الاردن، والفرص الاستثمارية التي تزخر بها قطاعاتنا الاقتصادية المختلفة.
وقد أدى هذا إلى تغير، نستطيع الجزم بأنه جيد جدا، وبدل في القناعة التي كانت سائدة لدى كثير من فاعلي مجتمع الأعمال القطري، بشقيه الرسمي والخاص، حول معوقات الاستثمار في الأردن.
وأثمرت هذه الجهود بشكل مرض مبدئيا، إذ تمكننا من إقناعهم بجدوى فرص استثمارية قائمة في بعض القطاعات الاقتصادية، وبما حدث من تطور في منظومة الاستثمار وأساليب التعامل مع المستثمرين، والشفافية التي يتم التعامل بها مع المهتمين بالاستثمار عندنا، وأن أعلى السلطات في البلاد مهتمة بمتابعة هذا الموضوع شخصيا. وكنتيجة لهذه الجهود، أبدت بعض هذه المؤسسات الاستثمارية المهمة في قطر رغبة بتوجيه استثماراتها إلى بعض هذه الفرص في اكثر من قطاع، وتركيزها على بعض القطاعات كالصناعة والسياحة والبنوك والطاقة وتحديدا في مجالات الغاز وتوليد الكهرباء.
وقد وجدت بعض هذه الاستثمارات طريقها إلى التنفيذ بعد عناء ومشقة، لكن بعضها المهم لم يتمكن من القدوم للأردن، نتيجة للأسباب الآنفة الذكر، ما أدى لتوجيهها إلى دول أخرى.
نعم، خسرنا استثمارات قطرية مهمة في هذه القطاعات، ولو تمكنت مؤسساتنا المعنية التعامل معها بجدية وسرعة ممكنة ومهنية واحتراف في العمل الاستثماري، ولو لم نخسر هذه الاستثمارات لاستطعنا توفير أموال كبيرة جدا تكبدتها خزينة المملكة، كالتعويض عن انقطاعات الغاز المصري المتكررة، بخاصة وأن البدائل التي كنا نسعى اليها، كانت ستكون في المراحل النهائية من انجازها حاليا.
عملت إدارة المكتب بجد وشفافية على استقطاب هذا النوع من الاستثمارات القطرية، لتحقيق طفرة في الاستثمارات الصناعية بمحافظات الجنوب، وتحديدا في محافظة معان عبر التركيز على تزويد المنطقة الصناعية بهذه المحافظة بطاقة نظيفة ورخيصة، وهي طاقة الغاز المسال، ما يمكننا من جذب رؤوس أموال، تحدثنا معها لبدء إنشاء مصانعها ومؤسساتها التي ترغب بإنشائها، والتي تعتمد مباشرة على المواد الخام المتوافرة في معان وما حولها، والتي نعلم ما تكتسبه هذه المادة من أهمية بالنسبة لصناعات مختلفة.
هذا التوجه، سيضع اسم الأردن على خريطة الاستثمار الصناعي عالميا، كما أنه سيحفز رجال أعمال أردنيين على زيادة حجم استثماراتهم الداخلية نتيجة استخدام هذه الطاقة النظيفة بعد أن تصل للأردن.
لقد أدت الأسباب الآنفة الذكر وغيرها في التعامل مع هذه  الاستثمارات لبعث رسائل خاطئة لإخواننا المستثمرين في قطر، تفيد بأن استثماراتهم غير مرحب بقدومها للأردن، وهذا بالتأكيد ليس واقع الحال ولا التوجه الحقيقي والعام  للحكومة.
وهنا، فإنه لو قدر لرغبات المستثمرين في قطر أن تصل لمسامع جلاله الملك، لتغير الوضع تماما، ولتمكنا من استقطاب هذه الاستثمارات وغيرها، ما سيسهم بدخول استثمارات كبرى، ورفع حجم ما هو موجود منها. وقد أكد لي بعض القطريين وغيرهم، أنه لو طبقت الجهات المعنية بالاستثمار توجيهات جلالة الملك، وأسلوبه في التعامل مع المستثمرين، لكانت النتائج أفضل بكثير، مما هي عليه الآن في القطاع الاستثماري.
نعم، نحن بحاجة ماسة لإعادة النظر وبشكل عاجل بمنظومة الاستثمار بشكل عام، وهذا يشمل إصدار قانون استثمار جديد وعصري، يواكب أحدث القوانين العالمية، لتعزيز تنافسية الاقتصاد الأردني، وجاذبيته لاستثمارات جديدة، ويعزز ثقة المستثمرين ببيئة استثمارية سوية في الأردن بشكل عام، كما يوحد مرجعيات الاستثمار المبعثرة هنا وهناك، تكون مخولة قانونيا للتعامل مع كل المستثمرين، كأن تنشأ وزارة خاصة بالاستثمار، أو مجلس أعلى، يحظى بأهمية كبيرة من مؤسسات الدولة، وأن يرفد هذا الجسم بكفاءات حيوية مؤهلة.
كما أننا بحاجة لإعادة النظر بقانون الضريبة، بحيث يتم التوافق على قانون يحقق المصلحة المشتركة للدولة والمستثمرين، لكي لا تصبح هذه القوانين عوامل منفرة للاستثمار داخليا وخارجيا.
وفي النطاق نفسه، لا بد من التركيز على إزالة أحد أهم عوائق الاستثمار حاليا، بخاصة في قطاع الصناعة والتعدين، الذي لا تتوافر له طاقة رخيصة ونظيفة، وذلك عن طريق عمل الحكومة على خلق بدائل سريعة توفر خليطا للطاقة يشمل الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية، وطاقة الرياح والغاز والزيت الصخري وغيرها، بحيث يصبح الأردن أكثر تنافسية بالنسبة لللمستثمرين في هذا المجال.
وبالرغم من كل المعيقات والعراقيل، التي واجهت وما تزال المستثمرين، ممن يرغبون بالقدوم للأردن، وبالرغم مما تعرضنا له من إحباط ويأس، إلا أنني مقتنع بأننا نستطيع تحقيق الكثير لمستقبل الأردن، بمزيد من المصارحة والمكاشفة والشفافية، بالاتفاق على الأولويات، واختيار المؤهلين والأكفاء والقادرين على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، والتركيز على جعل الأردن منطقة مفتوحة لقدوم الاستثمارات، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

* مدير مكتب الاستثمار في السفارة الأردنية بقطر

التعليق