التركيز على الجوهر وليس المسيرة

تم نشره في السبت 7 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحفي الشهر الماضي - (رويترز)

عاموس يدلين -معاريف


قدمت المقابلة التي منحها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للصحفي الأميركي جيفري غولدبيرغ التصريح الأهم له منذ انهارت محادثات السلام بقيادة وزير الخارجية جون كيري. فقد صرح رئيس الوزراء أن أبو مازن مسؤول عن فشل المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين وأنه يفكر بخطوات تضمن ألا تتحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية من جهة، ولا تقوم "دولة ارهاب ايرانية" من جهة أخرى، حتى لو استؤنفت المحادثات.
هذا تصريح مهم ، لان الإسرائيليين والفلسطينيين والأميركان كانوا منشغلين في الأشهر الأخيرة بـ "مسيرة السلام"، أساسا وليس جوهر السلام وبالتنازلات التاريخية اللازمة من الطرفين لدفعه إلى الأمام. كان واضحا لمن يعرف مواقف الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، أن أيا منهما لا يمكنه أن يعطي الطرف الاخر الحد الأدنى الذي يكفي لاقرار الاتفاق من الجمهورين. وعليه فلا معنى للكفاح في سبيل انقاذ المفاوضات، التي انطلقت على الدرب في صيف 2013، او محاولة استئنافها في الصيغة السابقة، المحكومة بالفشل مسبقا.
وبدلا من ذلك، ينبغي الاعلان عن هجم المسيرة الحالية، تفريق الطرفين لفترة تفكير وتقدير، وبدء مسيرة مفاوضات مختلفة تماما، نقية من الشحنات والاخطاء التي راكمتها في السنة الأخيرة كل الاطراف.
للفشل آباء كثيرون
أولا، يجب وقف "لعبة الاتهامات". كل طرف من الطرفين يمكنه أن يسجل في صالحه حقيقة أن المسيرة علقت. فالمفاوضات الحالية ولدت في الخطيئة. خطوات كان يفترض بها أن تشجع أبو مازن وتعززه حيال حماس في صالح الاعتدال في المفاوضات، صلبت مواقفه لدرجة رفض البحث في وثيقة المبادئ والمصالحة مع حماس. فالموافقة الإسرائيلية على تحرير مخربين، قتلة، ساهمت في هز الثقة بين الشعبين. فعندما يرى طرف ما كيف يحتفل الطرف الثاني بعودة القتلة، لا تكون هذه خطوة لبناء الثقة، بل العكس. تحرير مخربين يلوث مسيرة الحوار بوصمة أخلاقية، ويقوض أسس القانون والعدالة الإسرائيلية.
يجب تحرير قتلة مدنيين ابرياء فقط في نهاية المفاوضات وكجزء من المصالحة التاريخية التي في اتفاق السلام. وادخال قتلة مواطنين إسرائيليين في الصفقة بالطريقة التي تمت فيها خلف ظهر حكومة إسرائيل، كان هو أيضا فتاكا لأجواء الثقة بين الطرفين.
هكذا أيضا فهم حكومة إسرائيل بانها مخولة بمواصلة سياسة الاستيطان كونها وافقت على تحرير مخربين. وحتى لو كان صحيحا قانونيا، فقد كان هداما لأجواء الثقة بين الطرفين ولمكانة إسرائيل في العالم. كان من الأفضل لو أنه بدلا من تحرير السجناء اختارت حكومة إسرائيل خطوات هي في جوهرها "بانية للثقة"، مثل كبح جماح البناء في المستوطنات، وعلى رأسها المستوطنات المنعزلة غير المتوقع ان تندرج في الأراضي الإسرائيلية في حالة اتفاق سلام، في الدفع إلى الامام بمشاريع فلسطينية في المنطقة ج وفي نهج ايجابي من مشاريع مثل مدينة روابي الفلسطينية ومعالجة أكثر تصميما لأعمال "شارة الثمن".
ومع ذلك، من المهم التشديد على دور أبو مازن في فشل المحادثات. فهو لم يوافق على الاطلاق على البحث في وثيقة المبادئ الأميركية، لا مع كيري ولا مع الرئيس اوباما. كما أن القيادة الفلسطينية رفضت البحث في اقتراحات حل وسط لمواصلة المسيرة بعد أن تبلور اقتراح أتاح تحرير قتلة النبضة الرابعة، وفضلت التوجه إلى القبول لمؤسسات دولية، خلافا لالتزامها. وهكذا، فان الطرف الفلسطيني قضى على محاولات الحوار وحرف النقاش من الجوهر إلى المسيرة. وفوق كل شيء، فإن الخطوة الأخيرة التي  تضمنت المصالحة مع منظمة الارهاب حماس واقامة حكومة وحدة، رغم التصريحات الواضحة من قادة المنظمة بان حركتهم لا تعترف بدولة إسرائيل ولن تهجر طريق الارهاب، كانت خطوة هدامة للمفاوضات.
أما الوسيط الأميركي، فرغم مساعيه الكثيرة والصادقة، أخطأ عندما قرر ممارسة ضغط شديد على إسرائيل كي تقبل اتفاق الاطار والامتناع عن سياسة مشابهة تجاه أبو مازن. وتصريحات وزير الخارجية كيري، بشأن الخطر على إسرائيل في المقاطعة والعزلة الدولية، الاحاديث عن دولة أبرتهايد والانتقاد العلني من المبعوث الخاص مارتين انديك للبناء الإسرائيلي في المستوطنات، هي أمثلة على رسائل أميركية اعتبرها الجمهور في إسرائيل غير صحيحة وغير نزيهة وتأتي لدفع إسرائيل نحو تنازلات غي مقبولة.
وأدت هذه التصريحات عمليا إلى تصليب موقف الفلسطينيين، الذين فهموا بان إسرائيل ضائعة إذا لم تساوم في المسائل الجوهرية. ومع أن الطرف الفلسطيني اعتبر في نظر الكثيرين بانه الطرف الضعيف في المفاوضات من المهم أن نتذكر بانه بالضبط مثل دولة إسرائيل – هو أيضا يحظى بحق الفيتو على الاتفاق. وقد استخدم أبو مازن هذا الحق عندما اختار الا يوافق على البحث مع الأميركيين في ورقة مبادئ كيري.
الدفع إلى الأمام بواقع "الشعبين"
على قائمة الأخطاء التي تميزت بها الأطراف الثلاثة في المفاوضات، أن تشكل أساسا لتقصي الحقائق والانطلاق إلى مسيرة مفاوضات تركز على الجوهر وليس على المسيرة. واذا ما تأزرت الأطراف بالشجاعة لخوض محاولة أخرى للوصول إلى اتفاق دائم شامل، ينبغي تحريك المسيرة بحد أدنى من الشروط المسبقة. وينبغي للتشديد أن يكون على الجوهر وليس على المسيرة.
شروط مسبقة، مثل الاعتراف بدولة إسرائيل كيهودية أو الطلب الفلسطيني للوقف التام والمعلن للبناء في المستوطنات، من شأنها أن تمس بالمفاوضات وتحسم مصيرها حتى قبل أن تبدأ. لا ينبغي ان يندرج تحرير السجناء كشرط مسبق ويجب مطالبة الطرفين بكبح الجماح وتقليص الاستفزازات: فالتوجهات إلى الامم المتحدة والتحريض العلني من جانب الفلسطينيين، والبناء في المستوطنات باستثناء القدس، من الجانب الإسرائيلي.
في مثل هذه الحالة، على الوسيط الأميركي أن ينشر وثيقة المبادئ التي في ضوئها ستدار المفاوضات. ويمكن للقيادتين أن تتحفظ على مسألة واحدة في الوثيقة، ولكنها ستكون الأساس الذي تدار عليه المحادثات. من المهم ألا تكرر واشنطن اخطاء ممارسة الضغط على طرف واحد فقط كي يخفف حدة موقفه. فالضغط من طرف الوسيط الأميركي ضروري، ولكن فقط إذا ما اضطر الطرفان إلى تخفيف حدة مواقفهما سيكون ممكنا زيادة الاحتمالات لموافقة متبادلة على التنازلات اللازمة لاتفاق شامل.
من المهم ان تتحسن أيضا الجوانب الفنية في المفاوضات. فمثلا، يجب تحديد لقاء للزعماء بشكل متواتر ودائم لمحاولة الجسر على عدم الثقة بينهما، وبلورة القرارات اللازمة للدفع إلى الأمام بالمفاوضات القادرة على أن تتخذ في هذا المستوى فقط. والحوار ينبغي أن يتم بين مجموعات عمل وحسب توزيع المسائل المركزية في المحادثات. وسيكون هدف الفريق الأميركي تشخيص مجالات التوافق والنقاط التي تسمح بتنازل متبادل.
اذا ما اتضح بانه لا يمكن الوصول إلى توافق على الاتفاق الدائم، يجب أن يتحدد للمحادثات هدف أقل طموحا – تسويات مرحلية في الطريق إلى التسوية الدائمة.
وتتضمن مثل هذه التسويات مسيرة طويلة وتدريجية من خطوات بناء الثقة الهامة، مع معايير واضحة للانتقال من مرحلة إلى مرحلة. فنقل مزيد من المناطق إلى السيطرة الفلسطينية، التعاون مع مجال تنمية المناطق ج، وقف المستوطنات في المناطق التي من الواضح الا تبقى في الاراضي الإسرائيلية في اتفاق مستقبلي، تغيير ميل الاستيطان من خلال قانون "اخلاء تعويض"، وقف التحريض الفلسطيني، معالجة إسرائيلية مناسبة لأعمال "شارة الثمن"، وتقدم الحوار بين المجتمعين هي نماذج لمثل هذه الخطوات.
غاية هذه التسويات هي الدفع إلى الامام بواقع "الدولتين" دون مطالبة القيادات بتنازلات تاريخية. من ناحية إسرائيل من المهم الضمان الا ينشأ إلى جانبها كيان ضعيف أن مستضعف. وسترغب القيادة الفلسطينية في أن تضمن ان نية إسرائيل هي اكمال المسيرة وليس ابقاء الدولة الفلسطينية في وضع انتقالي.
مسألة الجدية
على واشنطن الان أن تطلب من القيادة الفلسطينية أن تحسم إذا كانت تقبل مبادئ كيري كأساس للمفاوضات على الاتفاق النهائي، أو في حالة أنها ترفضها، إذا كانت مستعدة للموافقة على مفاوضات على اتفاق انتقالي. هل تعتزم استخدام المصالحة الفلسطينية والحكومة المشتركة كي تجلب حماس وباقي الفصائل الفلسطينية إلى هجر طريق الارهاب ونزع سلاحها، أم أنها تعتزم الدخول في مسار يتجاوز المفاوضات، والتوجه إلى المناكفة في الساحة الدولية وتعزيز العلاقة مع منظمات الارهاب المؤيدة للعنف كسبل للمس بإسرائيل.
في ظل غياب الجدية الفلسطينية أو غياب الشريك الفلسطيني جراء تأثير حماس مما سيدفع المواقف الفلسطينية إلى التطرف، على إسرائيل أن تنزع من الفلسطينيين حق الفيتو على "حل الدولتين". على إسرائيل أن تتقدم في اتجاه واقع الدولتين من خلال خطة بديلة للاتفاق: تصميم حدود إسرائيل بنفسها، دون فيتو فلسطيني ومع موافقة دولية واسعة. مثل هذه الخطوة هي أقل مثالية من اتفاق السلام، ولكنها اكثر واقعية. بوسعها أن تحسن الموقف الإسرائيلي وأن تضمن الهدف الذي قرره رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: منع واقع دولة ثنائية القومية من جهة واقامة دولة إرهاب على حدود دولة إسرائيل  من جهة أخرى.

التعليق