ضوء على سياسات دعم الخبز في الأردن

تم نشره في الأحد 8 حزيران / يونيو 2014. 12:09 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 8 حزيران / يونيو 2014. 01:50 مـساءً
  • خباز يصنع الخبز العربي في أحد مخابز عمان - (أرشيفية)

خوسيه سيرو مارتينز*

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

خلال العام 2013، أنفقت الحكومة الأردنية أكثر من 200 مليون دينار على دعم الطحين من أجل الإبقاء على سعر الكيلوغرام الواحد من الخبز العربي عند 16 قرشاً. ويقدر أن سكان الأردن يستهلكون 8 ملايين رغيف من الخبز العربي المعياري يومياً، بمعدل يقارب 90 كيلوغراماً من الخبز للفرد الواحد سنوياً. وترتبط مكانة الخبز في النظام الغذائي الأردني بوضوح باستخدامه في العديد من الوجبات، وكذلك بثبات سعره. ويشكل الخبز المدعم ثابتاً غذائياً بلا شك. وقد ظل دائماً دعامة أساسية لمسؤوليات الدولة الاجتماعية تجاه المواطنين الأردنيين. وبذلك، فإن الإصلاحات الممكنة لنظام دعم الدقيق ليست اقتصادية في طبيعتها فقط؛ إنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمجموعة من النقاط المرجعية والجدالات الثقافية والسياسية. كما تؤثر مسألة الخبز في وقت واحد على ميزانية الحكومة، وقطاع الأعمال الخاص، والنتائج السياسية، والمعيشة اليومية للمواطنين في الأردن.
في هذه المقالة، يتناول الباحث الإسباني خوسيه سيرو مارتينز واحدة من أبرز سياسات الرعاية الاجتماعية في الأردن، سياسة دعم الطحين. وسيقوم، بوصفه متخصصاً في اقتصاد الإعانات وسياسة المواد الغذائية، بتحليل هذه القضية الحساسة من منظورات مختلفة، على أمل تقديم فهم أكثر دقة لهذا الموضوع المعقد.

في هذه الأوقات، تحتل موضوعات الأزمة السورية، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وإدخال إصلاحات على قانون الأحزاب السياسية، مركز الصدارة في المناقشات العامة الأردنية. ومع ذلك، هناك مسألة أخرى ربما تكون أكثر إلحاحاً، والتي تم استبدالها بالموضوعات التي تحتل عناوين الأخبار اليومية. عندما يفكر سكان ومواطنو المملكة في شؤون حياتهم اليومية، فإن الشواغل الاقتصادية هي التي تحتل عندهم مركز الصدارة. ويتساءل كثيرون عما إذا كانت الرواتب الراكدة سوف تتمكن من مواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة، وعن الكيفية التي يستطيعون بها تدبر أمر إطعام أسرهم. ويشكل توافر الخبز المدعم شأناً حاسماً بالنسبة لنوعية حياة ولقمة عيش الطبقات الفقيرة والعاملة في المملكة. وفي حين يفكر البعض في أحدث السيارات وأحدث الموضات -أو أحدث خطة اقتصادية للحكومة، يتساءل العديد من الأفراد والأسر عما إذا كانت الحكومة سوف تستمر في تزويدهم بخبزهم اليومي.
على القائمة الطويلة من القضايا الاقتصادية الصعبة التي تواجه المملكة الأردنية، لا يبتعد الغذاء أبداً عن قمة القائمة. وبينما يتم استيراد 90 ٪ من المواد الغذائية في البلاد و97 ٪ من قمحها، فإن البلد يظل مكشوفاً بشكل كبير أمام تقلبات أسواق الغذاء العالمية. وقد أصبح هذا الضعف ملحوظاً أكثر ما يكون في أعقاب ارتفاعات الأسعار العالمية التي أثرت على كثير من الفواكه والخضروات والقمح بشكل خاص خلال الفترة ما بين 2007-2008. وبين عشية وضحاها، حلقت نفقات الحكومة الأردنية على واردات القمح إلى عنان السماء، وأدرك العديد من المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى أن المملكة أصبحت معرضة بشكل خطير للتطورات الخارجية الخارجة عن سيطرتها. ومن المهم أن نلاحظ أن هذا لم يكن دائماً واقع الحال. فعلى الرغم من أن الأردن لم يكن أبداً مكتفياً ذاتياً في إنتاج القمح، فإنه كان ينتج أكثر كثيراً من 50 ٪ من القمح الذي يستهلكه خلال عقد السبعينيات. لكن هذا تغير نتيجة للنظام الغذائي الدولي خلال فترة الحرب الباردة، حيث قامت دول مثل الولايات المتحدة بتقدم دعم مفرط للمحاصيل الزراعية، خاصة القمح، ثم قامت بتوزيعها على الدول الحليفة في أفريقيا والشرق الأوسط. وكان الأثر السلبي لمثل هذه السياسات هو خفض أسعار المنتج بالنسبة للمزارعين المحليين، مما اضطر كثير من الناس في القطاع الزراعي إلى التحول إلى منتجات أخرى. وفي حالة الأردن، أفضت هذه السياسة، جنباً إلى جنب مع الظروف المناخية المحلية، والنمو السكاني السريع، واستراتيجية سيئة التخطيط للتصنيع والتحضر، إلى إبعاد الكثير من المزارعين عن إنتاج القمح، مما أدى إلى انخفاض على المدى الطويل في الاكتفاء الذاتي من هذا المحصول الحيوي.
اليوم، يشكل الأردن واحداً من أكبر المنفقين في العالم على نصيب الفرد من الإعانات الغذائية، والتي يتم إنفاق الغالبية العظمى منها على القمح الذي يتم تحويله إلى دقيق لصناعة الخبز العربي، وعلى الشعير الذي يستخدم كعلف للحيوانات. وعلى الرغم من التخفيضات في الإنفاق الحكومي ودعم المواد الغذائية على مدى السنوات العشرين الماضية، فإن دعم الدقيق يشكل مصادرة تاريخية غير منطقية في وقت تحركت فيه الحكومة، بدفع من منظمات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، نحو تحرير جميع الأسعار. كيف بدأت هذه الإعانة ولماذا ما تزال سارية، هي الأسئلة التي يحاول أن يجيب عنها هذا العرض الموجز لقصة الخبز.
لمحة تاريخية عن دعم الخبز في الأردن
تقلص نظام المساعدات الغذائية الأردني الحالي إلى حد كبير عما كان عليه في بداياته في الحقبة الاستعمارية. وقد توسعت بنية الدولة التحتية للرفاه العام وتدخلها في السوق بشكل كبير في الستينيات. وكانت السياسات الرامية إلى توفير الأغذية الرخيصة واحدة فقط من المناطق العديدة التي أسست فيها الدولة الأردنية عقداً اجتماعياً مع مختلف قطاعات المجتمع. وفي حالة المواد الغذائية، شملت لوائح العرض والأسعار أولاً منتجات مثل القمح والأرز والسكر، ثم شملت فيما بعد القهوة والشاي والحليب المجفف، والدواجن. واستوردت الدولة العديد من السلع الأساسية، وحددت الحد الأقصى لأسعار التجزئة من أجل تحويل نتائج السوق لصالح المستهلك. وتم حفز التوسع في رفاه الدولة بفعل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة في أوائل السبعينيات. وهدف ذلك أول الأمر إلى تحسين سبل العيش لأولئك الذين يعملون في البيروقراطية والجيش، خاصة أولئك الذين يفتقرون إلى التحويلات من الخارج. وفي نهاية المطاف، امتد تدخل الدولة الكثيف في توفير المواد الغذائية الأساسية ليفيد الأغلبية من السكان.
تم إضفاء الطابع المؤسسي على التزام الدولة في العام 1974 بإنشاء وزارة التموين، التي أصبحت مسؤولة عن إدارة الإعانات والدعم للسلع الحساسة سياسياً. وشهد ذلك العقد توسيع شبكات الأمان الاجتماعي التي ترعاها الدولة. وبمرور السنوات، ارتفعت أسعار الخبز بقدر قليل، من 5 قروش إلى 7.5 قرش للكيلوغرام الواحد في الثمانينيات، قبل أن تصل إلى 14 قرشاً في أوائل التسعينيات. وبعد ارتفاع أسعار القمح (من 175 دولارا إلى 280 دولارا للطن الواحد) في السوق الدولية في العام 1995، طلب صندوق النقد الدولي من حكومة عبد الكريم الكباريتي رفع الدعم مؤقتاً عن القمح، وهو ما فعلته الحكومة في 13 آب (أغسطس) من العام 1996. وجاء ذلك لتلبية متطلبات قرض صندوق النقد الدولي كجزء من برنامج التكيف الاقتصادي الرئيسي الثاني في الأردن، في أعقاب الأول الذي تم تنفيذه في العام 1989. وعلى الرغم من أن الحكومة قدمت تحويلاً نقدياً وطنياً بقيمة 1.28 دينار أردني للشخص الواحد في الشهر للتعويض عن ارتفاع أسعار منتجات القمح، فقد قوبلت هذه السياسة بدورها، بزيادة في أسعار المنتجات الغذائية الأخرى. وعندما تم رفع الدعم، تضاعف سعر الخبز تقريباً، ليصل إلى 25 قرشاً للكيلوغرام الواحد. واندلعت احتجاجات في جميع أنحاء المملكة، وخاصة في مدن الكرك، معان والطفيلة، في الأحداث التي أصبحت تُعرف باسم "انتفاضة الخبز". وفي نهاية المطاف، عادت الأسعار إلى التراجع، حيث انخفضت تكلفة القمح في الأسواق العالمية وقام بديل رئيس الوزراء الكباريتي -عبد السلام المجالي، بإعادة الدعم، وتم تحديد سعر الخبز عند 16 قرشاً للكيلوغرام الواحد. أما السبب في وجوب إعادة الدعم، فهو موضوع ما يزال موضع نقاش.
اليوم، يقف سعر الخبز عند 16 قرشاً للكيلوغرام الواحد من الخبز العربي. ويقدر أن سكان الأردن يستهلكون ثمانية ملايين رغيف من الخبر العربي القياسي يومياً، وهو ما يعادل في المتوسط 90 كيلوغراماً تقريباً من الخبز للشخص الواحد سنوياً. ومع ذلك، شهدت آلية الدعم تغييرات مهمة في السنوات الماضية. فحتى العام 2007، باعت الحكومة القمح بسعر مخفض لأصحاب مطاحن الدقيق. وكان يتم تسليم الدقيق المدعم للمخابز المحلية التي تبيع الخبز وغيره من المنتجات المعتمدة على القمح للمستهلكين بأسعار تنظمها وزارة التجارة والصناعة والتموين. وانطبق الدعم على جميع أنواع نخالة القمح والدقيق التي كانت تستخدم لصنع الخبز، وكذلك على منتجات المخابز الأخرى. ونتيجة لهذه السياسة في التغطية، توزعت فوائد الدعم بشكل غير متساو، حيث استفادت المخابز الأعلى تصنيفاً والزبائن الأكثر ثراء من الدقيق المدعم عند إنتاج أو شراء الحلويات والكعك وغيرها من السلع الكمالية. وذكرت منظمة التجارة العالمية أن المخابز سرعان ما أصبحت واحدة من الصناعات الأسرع نمواً في الأردن. وفي العام 2007، كان هناك ما يقرب من 1.800 مخبز في البلاد.
بعد الارتفاع الكبير في أسعار القمح العالمية في الفترة ما بين 2007-2008، أوقفت الحكومة دعم جميع أنواع الدقيق، وقامت بتغيير النظام بحيث يتم دعم الدقيق المستخلص من القمح بنسبة
 78 ٪، والمعروف في الأردن باسم "الموحد". أما الكعك والبسكويت والحلويات والأصناف غالية الثمن من الخبز، والتي تصنع من من الدقيق عالي الجودة المعروف باسم "زيرو"، فلم تعد مشمولة بالدعم الرئيسي. والآن، بات يسمح باستخدام الطحين المدعم "الموحد" قانونياً فقط لإنتاج أصناف أرخص أنواع الخبر العربي وخبز الحمام.
منذ تم إقرار هذه التغييرات في العام 2008، تقوم وزارة التجارة بشراء القمح في السوق الدولية من خلال عملية مناقصة، وتبيع القمح لمطاحن الدقيق من القطاع الخاص بأسعار السوق. وتشرف المطاحن على تحويل القمح إلى أنواع مختلفة من الدقيق، ثم يتم بيع الدقيق "الموحد" بأسعار تنظمها الحكومة للمخابز المفردة. وبعد ذلك، تقوم وزارة التجارة بالتسديد لمطاحن الدقيق عن كل كيلوغرام تم بيعه من الدقيق المدعم. ويتغير سعر الدقيق المدعم الذي يُباع للمخابز كل شهر وفقاً لمعادلة شاملة وضعها قسم الرقابة على المخزون في وزارة التجارة. وتم وضع السعر ليخدم ثلاثة أغراض: (1) التأكد من أن يحصل جميع سكان البلاد على الخبز المدعم (2) الحفاظ على سعر الخبز المدعم ثابتاً على مستوى المخابز؛ و(3) الحفاظ على هامش معين من الربح لمطاحن الدقيق والمخابز.
يتلقى كل مخبز في الأردن الدقيق المدعم وفقاً للحصص المحددة من قبل الوزارة. ويسمى هذا النهج بالإعانة غير المباشرة، حيث تدعم الحكومة الطحين، لكنها تحدد أيضاً سعر الخبز على مستوى المخابز في حين لا تتدخل مباشرة في عملية التجزئة. وفي حين تأثرت المواد الغذائية الأخرى بسبب مجموعة متنوعة من أساليب الإدارة التي تقودها الدولة (على سبيل المثال، التحويلات النقدية، والتقنين، ومراقبة الأسعار وكوبونات الغذاء)، فإن الكفاءة الحكومية كانت ملحوظة ومستمرة في ضمان توفير الدقيق المدعم للمخابز في المملكة. وقد يشكل الخبز مجرد وجبة يومية فحسب، لكنه يشكل دعامة أساسية لقواعد الرفاه الاجتماعي للدولة أيضاً.
مع ذلك، تعاني آلية الدعم الحالية العديد من المشاكل التي ينبغي تسليط الضوء عليها. أولاً، يجعل اعتماد الأردن على القمح المستورد منه تحت رحمة الأسعار العالمية. وعلى الرغم من أن الحكومة لا تحتفظ بحقوق حصرية للتداول، فإنها أصبحت المستورد الوحيد للقمح والشعير. ويرجع ذلك إلى حجمها كعميل، وسياستها في دعم الدقيق. وهكذا، أصبح من غير المربح للمطاحن أن تقوم باستيراد أو تخزين أو نقل القمح.
يقدم النظام الحالي أيضاً عدة فرص لتحقيق مكاسب غير مشروعة في مراحل عديدة من سلسلة التوريد. ويشكل تخصيص وزارة التجارة حصص الدقيق المقررة للمخابز الفردية الفرصة الأولى للاحتيال؛ فقد يعمل موظفو الحكومة بالتنسيق مع أصحاب المخابز إلى توفير حصص غير متناسبة لمخابزهم. ثم يمكن استخدام الدقيق المدعم بعدئذ في صناعة سلع أغلى ثمناً أو بيعه في السوق السوداء بأسعار أعلى. كما قد يحدث الفساد أيضاً أثناء التسليم، حيث يمكن أن يقوم الموزعون بالتنسيق مع مطاحن الدقيق أو الخبازين ببيع القمح المدعم للمزارعين، لخبازين آخرين أو بتهريبه إلى مخيمات اللاجئين أو الدول المجاورة التي تعاني من نقص القمح أو ارتفاع أسعار الدقيق. وقد رأيت بنفسي أصحاب المخابز وهم يستخدمون هذه الممارسات. ولحماية أنفسهم من عمليات التفتيش المحتملة لوزارة التجارة، يقومون بشراء الخبز العربي من المخابز الكبيرة بأسعار مدعومة لإثبات أنهم يخبزون الخبز. وقال لي خبازون مختلفون إنهم يُدفعون إلى بيع الطحين المدعم بشكل غير قانوني، لأن ارتفاع أسعار الكهرباء ونظام الحصص غير الفعال تجعل من الصعب جداً على المرء الاستمرار والبقاء كصاحب مخبز بدون استخدام هذه الأساليب غير القانونية. وقد أنحوا باللائمة على الحكومة لدفعها الخبازين الفرديين إلى اتخاذ مثل هذه التدابير المتطرفة، بجعلها إنتاج الخبز وبيعه عملية غير مربحة على نحو متزايد.
بالإضافة إلى ذلك، يفضل النظام الحالي، وعلى نحو غير متناسب، المخابز الأكبر ذات قاعدة الزبائن الثابتة، في وقت يظل فيه من الصعب جداً زيادة حصص المخابز من الدقيق المدعم أو إنقاصها بمجرد تحديدها. ومع أن وزارة التجارة تعمل بجد لضمان توزيع الكميات المناسبة من الدقيق المدعم، فقد أدى التدفق الأخير للاجئين السوريين والزيادات في الاستهلاك عند الأردنيين إلى خلق حالات نقص في بعض الأحيان. كما أن ما يسميه المتخصصون الاقتصاديون "هدر الدقيق" يشكل أيضاً مشكلة كبيرة في النظام الحالي. وبسبب الفارق الكبير في الأسعار بين الخبز المدعم وغير المدعم، قلص العديد من الزبائن استهلاكهم لمنتجات المخابز غير المدعمة، مما أفضى إلى تحليق استهلاك الخبز العربي على مدى السنوات الخمس الماضية. وتقدر دراسة حديثة أن متوسط استهلاك الدقيق المدعم قد ارتفع بنسبة 20.4 ٪ خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2013 مقارنة مع العام 2010. وكانت الزيادة ملحوظة في محافظات شمال الأردن، حيث تقيم أعلى نسبة من اللاجئين السوريين حالياً.
أخيرا، لا يمكن أن تكون أي مناقشة لدعم الخبز كاملة من دون الإشارة إلى الطبيعة الشاملة للدعم، حيث لا تميز سياسته بين الأجانب واللاجئين والمواطنين، وهو ما يعني أن الفائدة من البرنامج الحكومي لا تقتصر على دافعي الضرائب والمواطنين الأردنيين فقط. وبالتالي، يمكن للمقيمين المؤقتين من أمثالي أن يدخلوا أي مخبز ويشتروا الخبز المدعم. وفي حالتي الخاصة وحالة العديد من المستخدمين الأجانب المقيمين الآن في الأردن، تبقى هذه طريقة سخية، وإنما غير عادلة سياسياً، للتقليل من التكاليف علينا. وبينما تستمر المطاعم والفنادق من فئة الخمس نجوم، ورجال الأعمال الأثرياء والأجانب ذوو الرواتب المتضخمة بالحصول على المواد الغذائية المدعمة الأكثر أهمية في الأردن، فإننا يجب أن نتساءل عما إذا كانت سياسة الدولة تسهم بكفاءة في الحد من الفقر والنتائج الأخرى غير العادلة اجتماعياً. ومع ذلك، وبالنسبة لكثير من العمال المهاجرين المصريين واللاجئين السوريين الآن في البلاد، فإن ذلك يشكل نوعاً حاسماً من المساعدة التي تجعل من حياتهم اليومية ممكنة، والتي لن يستطيع العديدون الاستمرار بدونها. أما كم من أصل الـ 265 مليون دينار التي أنفقتها الحكومة على دعم الخبز في العام الماضي ذهب لدعم المستهلكين من دافعي الضرائب الأردنيين، فيبقى سؤالاً مفتوحاً، بلا إجابة واضحة المعالم.
أهمية الخبز: ملاحظات جمعتها خلال إقامتي في الأردن
من منظور اجتماعي، استطعت أن أشاهد مباشرة خلال فترة وجودي في الأردن هذه الأهمية الرمزية للخبز والمخابز في الأردن. إننا لا نستطيع تفادي حقيقة أن هناك في كل يوم عدداً لا يحصى من الأسر الأردنية من كل الطبقات الاجتماعية التي تقوم بشراء كميات كبيرة من الخبز، ولا التملص من حقيقة أن ما يشير إليه العمال الوافدون المصريون باسم "العيش" يشكل عنصراً بالغ الأهمية في السلسلة الغذائية لسكان المملكة الأردنية بشكل خاص، والعالم بشكل عام.
مما لا شك فيه أن المخبز يشكل مكاناً للعمل التجاري ومصدراً للرزق. لكنه يمكن أن يعمل في كثير من الأحيان كفضاء شبه عام بديل، والذي يتم فيه تعليق قواعد الاقتصاد الرأسمالي السائدة لبعض الوقت. وتقول تطلعات أصحاب المخابز الذين قابلتهم وواقع الطبقات العاملة الدنيا الكادحة أن المخابز تستطيع، بل وتعمل فعلياً في كثير من الأحيان، كحيز متحرر من دكتاتورية السوق وتسلط السلعة، وعدم المساواة في التوزيع الرأسمالي للثروة. وقد تسعى الإصلاحات التي تقودها الحكومة إلى تحقيق الكفاءة الاقتصادية، لكنها يمكن أن تغير الشعور تجاه الحكومة أيضاً بين أولئك الذين سيعانون أكثر من غيرهم من إطلاق العنان لقوى السوق.
ما تزال مكانة الخبز في الوعي الجماعي وضمان توزيعه وتوفيره يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالشرعية الحكومية منذ عدة عقود في مختلف الأنظمة الشرق أوسطية التي تعتمد اعتماداً ملحوظاً على الإعانات لضمان الاستقرار. وقد اعتادت الشعوب على واقع اعتبار الحريات كبش الفداء في سبيل التنمية وتوفير السلع الأساسية. وبهذا، لا تمس إصلاحات دعم التعويضات المادية أولئك الذين بلا وظائف أو تتسبب في احتمال ارتفاع الأسعار فقط، وإنما يمكن للزيادات الممكنة في الاسعار أن تنتهك أيضاً ذلك العقد الاجتماعي الثابت الذي يساعد الطبقات الكادحة والفقيرة في أكثر الأوقات الاقتصادية إلحاحاً. وقد شكل الخبز في الأردن رمزاً مباشراً لكرامة الفقراء والمساكين، بحيث أصبح العبث فيه موضوعاً بالغ الخطورة.
لا تقتصر مركزية الخبز في الحياة الأردنية على جعل حضوره السياسي قوياً فقط، وإنما جعلته أمراً لا مفر منه أيضاً. ويبين النقاش الدائر والمستمر حول دعم الدقيق في الأردن أن الخبز وتوافره يشكلان جزءاً مركزياً من "الاقتصاد الأخلاقي" للأردن. ومع أن العلاقة المفترضة بين المصاعب الاقتصادية والاحتجاج الاجتماعي تبدو أكثر ضعفاً وأقل ارتباطاً مما كان يعتقد سابقاً، فإن الرابط الحاسم بين الاثنين قد يكون موجوداً في مفهوم الاقتصاد الأخلاقي الأقل قابلية للقياس الكمي. ويشكل الاقتصاد الأخلاقي واحداً من مكونات التفاعل بين الأعراف الثقافية السائدة والنشاط الاقتصادي، والمنظم بالمواثيق الاجتماعية السابقة بين الحكومة ومواطنيها، وهو ما يصفه جيمس سكوت بأنه "فكرة الطبقات الدنيا عن العدالة الاقتصادية، وتعريفها العملي لفكرة الاستغلال". وقد تثور الاحتجاجات إذا تشكل لدى الناس اعتقاد بأن المصاعب الاقتصادية الشديدة تجيء نتيجة لانتهاج الحكومة سياسات عامة تخون الأخلاقيات الاقتصادية. وقد تعمل حقيقة وجود الخبز في كل مكان، وكذلك صلاته بالشرعية الحكومية وكونه قوت الفرد الأساسي، على تأجيح مشاعر الغضب والاستياء، وخلق حس بالظلم المتأصل في الوعي الجمعي للأردنيين بطرق قد لا تولدها السياسات الأخرى.
الإصلاحات الممكنة في سياسات الخبز
طوال العام 2013، أشارت جميع المؤشرات في عمان إلى نية الحكومة الوشيكة تغيير سياسة دعم الدقيق. وشملت موجة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية بعد اتفاق الأردن على قرض متعدد الاستعمالات لمدة 36 شهراً مع صندوق النقد الدولي، بما يصل إلى 2.06 مليار دولار في آب (أغسطس) 2012، شملت إجراء تغييرات مقترحة على نظام المعونة الغذائية. وبهدف تحسين الاستقرار الاقتصادي الكلي والتوازن المالي، بينما يتم تعزيز مستويات عالية من النمو، تم وضع خطة موازنة في أوائل العام 2012 لإعادة هيكلة نظام دعم الدقيق بحيث يستهدف الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل بشكل أفضل. وتم وضع احتمالات مختلفة، وجرى استمزاج منظمات المجتمع المدني، وتشكيل لجان من الخبراء، وسرَّب المسؤولون الحكوميون للصحافة تلميحات خفية إلى التغييرات الوشيكة. وبعد تحرير أسعار الوقود في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، شجعت الحكومة بهدوء خطة تقوم على استخدام البطاقات الالكترونية الذكية لدمج مدفوعات نقدية تعطى للمستفيدين المؤهلين بهدف التصدي للرفع التدريجي لدعم الوقود والدقيق. وبعد إجراء مزيد من المشاورات، أصدر مجلس الوزراء اقتراحاً بجعل المدفوعات النقدية متاحة من خلال بطاقة ذكية تنطبق فقط على الخبز العربي الذي يُشترى من أي مكان. وبالإضافة إلى ذلك، سيمنح المواطنون الأردنيون الذين يحملون بطاقات هوية صالحة فقط هذه البطاقة الذكية للتعويض عن الفرق بين أسعار الخبز المدعمة (16 قرشاً) وأسعار السوق الحرة المتوقعة (38 قرشاً) للكيلوغرام الواحد.
مع ذلك، شدد المتحدثون الرسميون الوزاريون مراراً على أن جميع الخيارات ما تزال على الطاولة، بما في ذلك تنويعات نظام البطاقة الذكية أو التحويلات النقدية المباشرة. وجعلت الاضطرابات الشعبية المحتملة الحكومة غير راغبة في التجريب. وفي معرض الإعراب عن شكوكهم، بدا بعض المستهلكين من الطبقتين المتوسطة والعاملة واعين تماماً للآثار التوزيعية غير المتكافئة بشكل صارخ، والتي نتجت عن البرامج السابقة الساعية إلى تحسين الكفاءة، والتي روجت لها المؤسسات المالية الدولية. وقد أفضى إنهاء إعانات رئيسية في الماضي إلى مفاقمة أوضاع قطاعات ضعيفة أصلاً في البلاد.
تعني الطبيعة الواهية لفرص العمل والمستويات المنخفضة من مدخرات الأسر أن قسماً كبيراً من الأردنيين يعيشون على مقربة من خط الفقر؛ ويمكن أن تؤدي الصدمات المفاجئة في أسعار السلع الأساسية إلى زيادة غير متناسبة في عدد الفقراء والعمال وسكان المناطق الريفية. وكان رئيس الوزراء عبد الله النسور وفريقه الوزاري حذرين في نهجهم لهذه الأسباب. وقد أخبرني نشطاء سياسيون عديدون بأن البطاقة الذكية هي الخيار المفضل للحكومة، لكنها مترددة في التطبيق لأنها تخشى قيام "انتفاضة" أخرى مثل انتفاضة العام 1996، عندما تفضي تغييرات في دعم الخبز إلى قيام مظاهرات خطيرة ودفع الناس إلى الثورة لدى الشعور بأن أحداً يمس بخبزهم وبأن هناك طيف مجاعة يلوح في الأفق.
يتساءل معظم أصحاب المخابز عن سبب عدم لجوء الحكومة إلى خطة استراتيجية مضمونة،‬ مثل رفع الأسعار بالتدريج، ويعتقدون أنّ الخطة‪ ‬المقدمة‪ ‬الآن ستفتح الباب أمام انفجار الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وأغلب الظن أن الذي لا يخيب يصيب، والمسلك الحقيقي الذي يقترحه أصحاب المخابز هو الرفع التدريجي الذي إذا ما‪ ‬اتبعته‪ ‬الحكومة، فإنه‪ ‬سيحول دون خروج‪ ‬المظاهرات إلى الساحات‪ ‬و‪دخول البلاد‪ ‬إلى المجهول. وفي حين تقول وجهة النظر التي تمثل الحاجة إلى دعم اقتصادي عاجل بأنه يتوجب على الحكومة أن تقبل بتوصيات صندوق النقد الدولي وسياساته في حال أرادت الحصول على مساعدات اقتصادية، فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى خلط الحابل بالنابل، والحقيقي بالمزور، والمعيشي بالسياسي.
خلال مفاوضات الميزانية قرب نهاية العام 2013، تم تأجيل أي وجميع التغييرات على سياسة الدقيق في المملكة حتى العام 2015. وانتصرت المخاوف من تزايد الاستياء والاعتراف بأهمية الخبز في نوعية حياة المواطن الأردني على تفضيلات البيروقراطيين الوزاريين والجهات المانحة الخارجية. وتعكس النتائج المؤقتة لنقاش دعم الطحين ذلك التناقض المركزي الذي يربك السياسة الاقتصادية الأردنية. فمن ناحية، يدعو المأزق المالي في البلاد إلى التقشف وتبني نموذج الليبرالية الجديدة، بينما تتطلب السياسة قصيرة الأجل، من ناحية أخرى، تراجعاً عن تلك الإصلاحات التي قد تثير الاستياء الشعبي وتلحق الأذى بشعبية بعض السياسيين. وكانت النتيجة في حالة دعم الخبز هي التأخير والتأجيل، والبحث المستمر عن سياسة ربما تضمن الاستقرار الاجتماعي، مع مواصلة تعزيز النهج النيو-ليبرالي لمعالجة المشاكل الاقتصادية في المملكة.
لا-اقتصاد الخبز
من وجهة نظر اقتصادية، أعتقد بأن التوفير غير المستهدف في مسألة الخبز المدعم يبدو منطقياً في السياق الأردني الحالي. فهو يتيح للحكومة تجنب كلف وضع بيروقراطية مستهدفة صريحة وكلف النفقات المرتبطة بالتحويلات النقدية. ومن خلال دعم الخبز، وهو السلعة التي يستهلكها الفقراء بشكل غير متناسب، تتجنب وزارة التجارة أيضاً تلك العملية الصعبة المتمثلة في تحديد وتعريف الأسر المحتاجة، وهي مهمة صعبة للغاية، نظراً لحجم القطاع غير الرسمي في البلاد، وكذلك ارتفاع معدلات التهرب الضريبي.
يسمح هامش الربح المعطى للخبازين لإنتاج وبيع الخبز المدعم والبالغ 8 ٪ للحكومة، وفق حسابات الوزارة الحالية، بإدارة الحوافز التي يستجيب لها التجار. ومن دون وجود رقابة وزارية، قد لا تتوافق أهداف أصحاب المخابز تماماً مع الأهداف الإنسانية أو أهداف الحكومة. وبطبيعة الحال، هناك العديد من المشاكل في آلية الدعم الحالية. وتحضر مشكلة هدر الدقيق والفساد في النظام الحالي بشكل واضح. ومع ذلك، يبدو أن الحل يكمن في تحسين الإشراف الحكومي على هذه العملية، وتغيير آلية الدعم بحيث يمكن أن تصل المساعدات الحكومية إلى أولئك الذين يحتاجون إليها حقاً.
أخيراً، يجب علينا الاعتراف بأن السياسات الاقتصادية لا تُصنع أبداً في فراغ. لا يمكننا إهمال الذاكرة التاريخية والموروثات المؤسسية التي أدت بالمجتمع الأردني إلى وضع قيمة للحد الأدنى لبعض السلع الاستهلاكية. وفي هذه الأوقات، يظل استخدام الأموال العامة لدعم الخبز أسهل سياسياً من إقناع دافعي الضرائب بدعم تحويلات دخل مباشرة للفقراء، لا سيما في ضوء عدم الكفاءة والفساد اللذين يميزان برامج التحويلات النقدية الحالية في الأردن. وبدلاً من استعمال آلية مكلفة وغير فعالة، فإن وضع برنامج دعم دقيق خال من الفجوات التي تتيح الربح غير المشروع، قد يكون الطريقة الأكثر فعالية على المستوى الاقتصادي، والمقبولة سياسياً لضمان حد أدنى من الأمن الغذائي لكل من الطبقات الأردنية الدنيا واللاجئين السوريين في المملكة على حد سواء.
يصعب إنكار حقيقة أن الحكومة حاولت إجراء عدد من الإصلاحات، ‬و‪‬أن‪ ‬هذه‪ ‬الاصلاحات‪ ‬الحكومية‪ ‬كانت تسعى إلى تحقيق كفاءة عالية في السوق، لكنها يمكن أنْ تشكل في الوقت نفسه انتهاكاً للشعور العام بوجود نظام سائد بين أفراد مجتمعها، على قاعدة وجود قطاعات تعاني أكثر من غيرها نتيجة لإطلاق العنان لآليات السوق. ولذلك، يرى الكثيرون في الحفاظ على أسعار الخبز حصناً دفاعياً منيعاً يقي من شبح المجاعة. ويمكن لهذه الممارسات (أي احترام قدسية الخبز ووفرته دون المساس بدبلوماسية المخابز) أن تفسح المجال أمام بقاء الجانب الأخلاقي والغايات الاقتصادية الفعّالة تحت سيطرة المستقلين نسبياً عن الجشع، وتجنب فقدان السيطرة الناجم في كثير من الأحيان عن إطلاق العنان للسوق. وإذا ما استمرت الحكومة في استفزاز مواطنيها بممارساتها الاقتصادية، خصوصاً في المناطق الفقيرة من البلد، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة التوتر الاجتماعي. وبالرغم من هشاشة الخبز من حيث المبدأ، فإنه يبقى واحداً من أقوى أنواع الأسلح ] في التاريخ، والذي يستحيل أن يُنظر إليه من منظور اقتصادي فقط. وبهذا، فإن قضية دعم الخبز لن  تتوقف على نية الحكومة وإرادتها السياسية بقدر ما تتوقف على اتخاذ القرارات في الاتجاه الصحيح. وفي هذا السياق، يجدر تذكر ما أعربت عنه الحكومة حتى الآن من أن الخبز لم يعد خطاً أحمر، بحيث لن يبقى دعم الخبز ضمن الخطوط الحمراء التي اعتادت التأكيد عليها في عقودها الاجتماعية المبرمة مع الشعب. ولن يكون هناك بعد الخبز أي خط أحمر.
هل الخبز فعلاً سياسة؟ وإذا كان سياسة، فأين سيكون الأردن من موضوع الخبز؟ وهل سنرى سياسات بديلة؟



*باحث إسباني مقيم في الأردن حالياً، متخصص في اقتصاد الإعانات وسياسة المواد الغذائية.

التعليق