الحاكمية الاستباقية

تم نشره في الأربعاء 25 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً

بيّنا فيما سبق أركان الحاكمية أو الحوكمة المعروفة ومتطلباتها في الأردن. ولكن ذلك لا يكفي دون الإشارة إلى شكل جديد أو إضافي من الحاكمية وهي الحاكمية الاستباقية اللازمة بشدة للدولة المعاصرة لتقوم بتأدية وظائفها بكفاءة وتمتّع شعبها بالنجاح. تدعو الحاكمية الاستباقية إلى عدم اكتفاء الحكومات بإدارة الأزمات عندما تقع بل يجب عليها رؤيتها قبيل وقوعها، وإلا سقطت الدولة ضحية لها عندما تقع.
لم يعد في الوقت اليوم رفاهية كما كان عليه الأمر في الأمس حين كان متخذو القرارات يمضون وقتا ً طويلا ً أو مداولات مطولة قبل اتخاذها. ومع أن الوقت اللازم لكل قرار يجب أن يتوفر، إلا أننا نتعامل اليوم مع أحداث متسارعة معقدة ومركبة ذات تفاعلات متزامنة مع تحديات وأحداث وقضايا أخرى يمكن أن تخترق الحدود البيروقراطية والقضائية، ولا يمكن معالجة كل واحدة منها بتفتيتها إلى أجزاء أو قطعة قطعة كما كانت الحكومات تفعل من قبل.
يتحدى النمط الجديد من التحديات والأحداث والقضايا أو المشكلات مدى قابلية تكيُّف النظم الحكومية (الإدارة العامة) المبنية في الأساس على النموذج الصناعي العمودي الهرمي والميكانيكي والمجزئ والكسول، معها.
لقد صـُممت الحكومات/الإدارات العامة التي أخذت تظهر في القرن التاسع عشر للتعامل مع تحديات وأحداث وقضايا أو مشكلات ذلك القرن، وليس للتعامل مع تحديات وقضايا أو مشكلات القرن الحادي والعشرين.
وعليه تبدو كل دولة للمراقب اليوم لا تعتمد الحاكمية الاستباقية منهجا  في عملها في حالة انحدار أو تدهور، وأنه يجب عليها تطوير النظم التنفيذية وبحيث يتكامل الاستبصار أو التدبر (Foresight) ، والتشبيك/الشبكات (Networking)، والتغذية الراجعة (Feedback) مع السياسات، بهدف التعلـُّم التطبيقي أي التعلـُّم من النتائج، لوقفهما وبحيث تصبح الحكومة/الإدارة العامة استباقية وتكيفية ومرنة وإلا تجاوزتها التحديات والأحداث والقضايا أو المشكلات السريعة الوقوع، وصارت تركض لاهثة وراءها دون أن تقبض عليها.
الحاكمية الاستباقية "نظم النظم" (Systems of Systems) إنها تسجل التحديات والأحداث والقضايا أو المشكلات التي لا تكاد تـُرى أو التي تظهر بعيدا ً جدا ً في الأفق، وتتابعها أولا ً بأول وترتبُ الحكومة/الإدارة للتعامل مع غير المتوقع أو المتقطع (Discontinuous) منها، ثم تتكيف بسرعة مع التفاعلات الجارية بين السياسات والمشكلات. والمشكلات اليوم – بوجه عام – نوعان:
•    معقدة (Complicated): ناشئة عن أسباب غير ظاهرة لأول وهلة ولكن يمكن تحديدها وتشريحها أو تفتيتها إلى عناصر منفصلة، ومعالجتها وإعادة تركيبها، لوقوعها ضمن أطـُر بيروقراطية واضحة مثل مشكلة النقل العام. أما آثارها أو نتائجها فتتناسب – بوجه عام – مع أسبابها، فلكل مدخل (Input) نتاج أو مخرج (Output) يتناسب معه.
•    مركـَّبة (Complex/Wicked): وهي المشكلات الناتجة عن تفاعلات متزامنة بين عدة نظم من الأحداث أو التحديات أو القضايا أو المشكلات التي يمكن أن تخترق الحدود التقليدية، وتفرّق بين المفاهيم البيروقراطية والمهام. وهي بخلاف المشكلات المعقدة يجب أن تـُفهم ويعالج كل منها كنظام (System) قائم بذاته لأنها غير قابلة للتجزئة أو الحلّ قطعة قطعة، وإلا فإنها لا تستقر أوتوماتيكيا ً بل تتحول إلى فوضى شاملة، إذا لم تخاطـَب نظميا، ولأنه لا يمكن حلها بصورة نهائية، فإنها قد تخلق مشكلات فرعية أو جديدة ناتجة عن تدخلات التعامل معها، مثل الأزمة المالية، أو الأحداث في سورية...
 مكونات الحاكمية الاستباقية:
1.    الاستبصار أو التدبّر وتكامل السياسات Foresight – Policy Integration :
الاستبصار أو التدبّر هنا ليس تنبؤا (Prediction) أو رؤية (Vision) أو ذكاءً (Intelligence) وإنما عملية (Process) مميزة تقوم على ترصّد التحديات والأحداث والقضايا أو المشكلات المستقبلية المداهمة أو القريبة، وتحليل كوامنها، وتمثيل (Simulating) بدائل مواجهتها أو حلولها، وإصدار تحذيرات في الوقت المناسب لصانعي السياسات لتفادي خطر، أو مجازفة، أو لاغتنام فرصة.
وعليه يجب أن يكون الاستبصار أو التدبّر نظاما فعالا ومكونا أساسيا في العملية السياسية، لأنه معني بالمستقبلات البديلة، ويساعد الحكومات/الإدارة العامة على تبين الاتجاهات والإشارات الضعيفة، وتصوّر البدائل للحصول على أفضل النتائج.
2.    الحاكمية المشبوكة Networking Governance :
التشبيك مطلوب لدعم التخطيط الحكومي الكلـّي وتنفيذه، فالتحديات أو الأحداث أو القضايا أو المشكلات المعقدة والمركبة تتطلب إبداعا إداريا، والتشبيك هو الاستجابة الإدارية لكل ما هو مركب.
ما تزال الحكومات إلى اليوم منظمة أو مرتبة على غرار الشكل العمودي الذي لم يعد ملائما لإدارة السياسات ومواجهة التحديات والأحداث والقضايا أو المشكلات المتحركة. لكن الإدارة الأفقية والبنى الإدارية الشبكية تستطيع أن تُسهِّل وتسرِّع تدفق المعلومات، وإرساء قاعدة بيروقراطية بصيرة وبارعة.
3.    التغذية الراجعة Feedback: من أجل التعلـّم التطبيقي (Applied Learning) أو التعلـُّم من النتائج ( Learning From Results):
وهي المتطلب الثالث من أجل حاكمية استباقية تراقب الأداء وتسرّع في التعلم التطبيقي أي التعلم من النتائج. إن كل سياسة وسواء أكانت معصومة من الخطأ أو خلاقة عند وضعها قد تتدهور بمرور الوقت وتغيُّر الظروف والأحوال.
لا يوجد على المستوى الوطني إلى اليوم في الأردن نظام شامل لمراقبة حيوية الإدارة العامة، أو لمتابعة آثار السياسات في أثناء عملية تنفيذها. إن وزارتي: التنمية السياسية وتطوير القطاع العام لا تقومان بذلك وربما لا تقدران عليه. إن نظام التغذية الراجعة لازم للتقييم المستمر، ولإعادة التقييم، ولإعادة المَعْيرة أو المعايرة (Recalibration)، والانضباط في نظام التشبيك، ومواصلة المساءلة لتحسين السياسات، لمنع انهيارات النظام أو لوقف إفشاله التي تقع دون انتباه إليها، أو انتباه بعد فوات الأوان. وبتطبيق التغذية الراجعة على السياسات نستطيع قياس النتائج أو مقارنتها بالتقديرات أو الكلفة أو المدخلات أو الأهداف، فالكفاءة (Efficiency) تقاس بنسبة المخرجات/النتائج  إلى المدخلات، أو تقاس بمدى الفعالية (Effectiveness) أي بمدى ما تحقق من الأهداف الموضوعة. ويساعد حقن التغذية الراجعة في آليات الاستبصار أو التدبر في تحسين تصميم السياسة في المستقبل.
 والخلاصة أن الصعوبات التي تواجهها الحكومات متجذرة في بناها. وفي الأردن بنظام الواسطة والمحسوبية... غير المكتوب.
وأخيرا ً: إذا لم تكن الحكومة – أي حكومة – استباقية في تحسس التحديات والأحداث والقضايا أو المشكلات المعقدة والمركبة فإنها تخاطر بالوقوع ضحية لها.

(حسني عايش : مستمد بتصرف من ليون س. فيورث وإيفان م. ناير رائدَي هذه الحاكمية وأستاذيها في جامعة جورج واشنطن : مجلة F.M تموز/آب 2013م)

التعليق