إبراهيم غرايبة

اتجار بالبشر

تم نشره في الأربعاء 25 حزيران / يونيو 2014. 11:05 مـساءً

التحقيق الذي نشرته الغد أمس للزميلة حنان الكسواني عن الاتجار بالبشر لا يصدم فقط في حجم الجريمة التي تمارس بشكل متقبل ومتواطأ عليه، وعلى مستوى شامل وكاسح يطال مئات الآلاف من الوافدين ومثلهم وأكثر من المواطنين، ويشارك في الجريمة أعداد كبيرة من الأفراد والشركات ورجال الأعمال المتأنقين، ولا حجم المعاناة والألم النفسي والجسدي غير المعقول الذي يتعرض له عدد كبير من الوافدين والمواطنين ممن يعملون ويقيمون في ظروف لا تلائم البشر، عدا عن غياب الحماية القانونية والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وسلامة العمل... ولكن ما يصدم أكثر هو عمق "الخراب" الممتد أفقيا وعموديا في سوق العمل، والعجز/ الرفض القاطع لبناء شراكة اقتصادية حقيقية بين الأسواق ومؤسسات الأعمال وبين المواطنين والمجتمعات، والرغبة الجارفة المزودة بالإصرار والوعي المسبق بعدم بناء سوق عمل قائم على المشاركة والكرامة.
كيف يمكن تفسير هذه السوق الواسعة والممتدة للعمالة؟، من مكاتب إلى أعمال فردية قائمة على الإعلان او التواصل الشخصي.. نتحدث عن شبكة واسعة جدا من الاتجار بالبشر، عاملات المنازل، عمال المزارع والورش، أعمال كثيرة غير مرئية وليست بعقود، لا أتحدث فقط عن الدعارة والتحرش والتسول،...
لا يمكن رد اتساع الظاهرة وعمقها إلى عجز إداري وقانوني، ولكن لا بد أنها حالة واسعة متواطأ عليها، ويشارك فيها فئات واسعة في مواقع مختلفة في السوق والمؤسسات الرسمية، وفي الثقافة المجتمعية المتقبلة والممارسة للاضطهاد والتعسف بحق الغرباء والفقراء والمستضعفين!
أحد المواطنين استقدم عاملة منزل وهربت بعد ساعة من وصولها إلى المنزل، كيف؟ ومواطن شغّل عاملة منزل بتوصية من سيدة تتسلل  إلى الدروس الدينية والدعوية في المنازل ادعت بأنها تريد مساعدة هؤلاء المساكين، وفي اليوم التالي اتصلت تطلب خمسين دينارا، وبعد أيام هربت العاملة بما استطاعت سرقته!
كيف يمكن تفسير هذه الأعداد الكبيرة من العمالة السائبة التي تعيش في عمان لدرجة أن مناطق معينة تحولت إلى أحياء تخصهم، وفي البلدات والمدن والورش والمزارع؟ هل يعقل أن السلطة لا تعرف شيئا عن هؤلاء؟
لم تتلقَ وزارة التنمية ولا نقابة مكاتب الاستقدام شكوى حول الاتجار بالبشر، ولكن يعرف كل مواطن أن هذه العمالة السائبة المنتشرة في الأحياء والبلدات ليست سوى مظهر للاتجار بالبشر، ربما يكون معظمهم يعملون برضاهم ويجدون أوضاعهم الحالية أفضل مما في بلادهم، وربما تكون الثقافة الاجتماعية في بلادهم تكرس الطبقية والعبودية، ولكن ذلك لا يعني بحال أن نصمت على ما يجري، لأنه يضر أولا بسوق العمل والعمالة الوطنية التي تصبح في خيار صعب، إما أن تندمج في الاتجار بالبشر أو تخرج من سوق العمل.

التعليق