المعاني الإيمانية لبيوت الله

تم نشره في الثلاثاء 1 تموز / يوليو 2014. 11:05 مـساءً
  • مما يدل على مكانة المساجد في الإسلام شهود الملائكة للصلاة فيها واستماعهم للذكر - (تصوير ساهر قدارة)

يعد المسجد أحب البقاع إلى الله سبحانه وتعالى، ولقد وضع الله للناس أول بيت من بيوته في الأرض وأشرفها، وهو المسجد الحرام ليقام فيه دينه، كما قال تعالى:"إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين" (آية 96 من سورة آل عمران).
ومما يدل على مكانة المسجد بيت الله، وعظم منزلته عند الله أنه سبحانه هو الذي فضل المساجد، ورغب في بنائها وعمارتها، حساً ومعنى، وجعل أصل وظائفها ذكره، وإقام الصلاة له، وهي أهم أركان عبادته بعد الشهادتين، اللتين هما عبادته وذكره، كما قال تعالى {في بيوت أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالعدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار} ( آية 26، 27 من سورة النور).
قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: "فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع، هو فكر واحد لكل الرؤوس، ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل، وكما يشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم،يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله، فليس المسجد بناء ولا مكانًا كغيره من البناء والمكان، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويضطرب، فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد؛ إذ يجمع الناس مرارًا في كل يوم على سلامة الصدر، وبراءة القلب، وروحانية النفس، ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد".
كما أنّ الذين يقومون بعمارة المسجد مادياً ومعنوياً هم صفوة خلق الله سبحانه وتعالى من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وأتباعهم من عباده المؤمنين، فقد كان باني الكعبة أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل. كما قال تعالى {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} (آية 127، 128 من سورة البقرة).
وقد وصف الله تعالى المسجد في موطن المدح والإطراء، حين أتبع سبحانه نوره بذكر بيوت الله، وكأنه سبحانه ينبهنا إلى أن ذلك النور وتلك السكينة هي جزء من نوره جلّ وعلا، وأن من أراد نور الله فعليه بالمسجد، قال تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ).
وأثنى سبحانه وتعالى على الذين يقومون بعمارة سائر المساجد، بقوله جلّ وعلا {إنما يُعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلاَّ الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} (آية 18 من سورة التوبة).
واعتبر سبحانه من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه اعتبره مرتكبًا لأكبر أنواع الظلم، وتوعده بالخوف والخزي والعذاب في الدنيا والأخرى، قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
ووعد الله سبحانه وتعالى من بنى له بيتاً في الأرض- أي بنى مسجداً لله تعالى- أن يبني له بيتاً في الجنة، كما في حديث عثمان بن عفان- رضي الله عنه- قال: سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من بنى لله مسجداً بنى الله له كهيئته في الجنة)).
ومما يدل على مكانة المساجد العظيمة في الإسلام شهود الملائكة للصلاة فيها واستماعهم للذكر، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((.... فإذا حضر الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)). أي إذا حضر الإمام لخطية الجمعة، فإنّ الملائكة تحضر لسماع الذكر.
وفي السيرة النبوية مواقف كثيرة تدل على منزلة المسجد في الإسلام، ومن ذلك: حينما وصل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء لم يستقر به المقام حتى بدأ ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في المدينة وأول مسجد بني لعموم الناس.
وكذلك عندما واصل سيره صلى الله عليه وسلم إلى قلب المدينة كان أول ما قام به تخصيص أرض لبناء مسجده، ثم الشروع في بنائه.
وكان- صلى الله عليه وسلم- إذا نزل منزلاً في سفر أو حرب، وبقي فيه مدة اتخذ فيه مسجداً يصلي فيه أصحابه، رضي الله عنهم، كما فعل في خيبر وفي غزوة الخندق.
ولذلك وصى النبي صلى الله عليه وسلم بارتياد المساجد، وحث على ذلك، قال: "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداها تخط خطيئة، والأخرى ترفع درجة" وقال: "من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح"، وقال: "أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام".
وقال عليه الصلاة والسلام: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة، وكذلك الدهر كله".
ولعل ما يؤكد المعنى الإيماني للمسجد تلك الابتسامة الأخيرة التي ابتسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته، لما كشف ستر الحجرة يوم وفاته، فرأى أبا بكر يؤم الصفوف، وما هذه الابتسامة إلا رضاء منه صلى الله عليه وسلم على أمته، واطمئنان على أنها على الطريق الصحيح الموصل لمرضاة الله وجنته، وكأنه يطّلع علينا كل يوم خمس مرات، ويبتسم تلك الابتسامة الجميلة.. ابتسامة الصلاة في المسجد.

التعليق