السعي إلى الإصلاح بين المتخاصمين

تم نشره في الخميس 3 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً
  • الإصلاح بين المتخاصمين عبادة جليلة وخلق جميل يحبه الله ورسوله - (أرشيفية)

تعد هذه العبادة من أعظم العبادات التي أثنى عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وغفل عنها كثير من الناس، لا سيّما في هذا الشهر المبارك، لقوله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟" قالوا: بلى. قال: "إصلاح ذات البين، فإن فساد البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين". وقوله عليه الصلاة والسلام:"أفضل الصدقة: إصلاح ذات البين".
وجعل الله سبحانه وتعالى إصلاح ذات البين من منجزات تقوى الله سبحانه، ومن الأدلة الواضحة على صدق التقوى، فقال جلّ وعلا :"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ".
وعليه فينبغي على الصائم السعي الجاد والحقيقي لإصلاح ذات البين؛ إذ لا يمكن الحصول على فضائل هذا الشهر وخيراته، دون أن يكون هناك وئام بين أفراد الأسرة الواحدة؛ سواء في البيت أو العمل أو الدراسة. وهذا يتطلب التسامح والتغافر وإزالة أسباب الخلاف والفرقة، لنعيش الشهر الكريم بقلوب يملؤها الحب والمودة والرحمة.
يُروى أنّه جرى بين الحسن بن عليّ وأخيه الحسين -رضي الله عنهم أجمعين- كلام حتى تهاجرا، فلما أتى على الحسن ثلاثة أيام من هجر أخيه، أقبل إلى الحسين، وهو جالس، فأكبَّ على رأسه فقبَّله، فلما جلس الحسن، قال له الحسين: إن الذي منعني من ابتدائك والقيام إليك، أنك أحقّ بالفضل منّي، فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به.
فأسرة الإنسان وأرحامه هم عدته وسنده وهم قوته. فمهما كانت أصالة الأصدقاء ونبلهم فإنهم لن يصلوا – في النوائب – لمستوى تحنّن الأرحام واستعدادهم، ومهما تجذّرت العداوات والخلافات بين الأرحام فلا بد من العودة – ولو بعد حين – إلى لأم الجراح، وإعادة العلائق، بينما قد تدوم القطيعة بين الغرباء أبد الدهر لأنه لا يوجد عنصر – كالدم – يستطيع أن يشد المتقاطعين ولو بعد أجيال.
والشقاق والخلاف من أخطر أسلحة الشيطان الفتّاكة التي يوغر بها صدور الخلق، وقد اهتمَّ الإسلام بمسألة احتمال وقوع الخلاف بين المؤمنين وأخذها بعين الاعتبار؛ وذلك لأن المؤمنين بَشَر يخطئون ويصيبون، ومن الصعب أن تتَّفق آراؤهم أو تتوحَّد اتجاهاتهم دائماً، ولهذا عالج الإسلام مسألة الخلاف على اختلاف مستوياتها بدءاً من مرحلة المشاحنة والمجادلة، ومروراً بالهجر والتباعد، وانتهاءً بمرحلة الاعتداء والقتال، والإسلام دين يتشوّف إلى الصلح ويسعى له، وليس ثمة خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة يصلح فيها العبد بين اثنين ويقرب فيها بين قلبين، فبالإصلاح تكون الطمأنينة والهدوء والاستقرار والأمن وتشيع ينابيع الألفة والمحبة، يقول سبحانه وتعالى:" وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {11}".
وقد حذّر الله سبحانه وتعالى من الذين يسعون في التفريق بين المتصالحين، حتى لو كان ذلك الفعل في القلب دون المبادرة إلى أي خطوة في التفريق، يقول سبحانه:"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ".
والإصلاح عبادة جليلة وخلق جميل يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو خير كله، لقوله تعالى:"والصلح خير".
وبالإصلاح تكون الأمة وحدة متماسكة، ويقوى رباطها، وبه يصلح المجتمع وتأتلف القلوب وتجتمع الكلمة وينبذ الخلاف وتزرع المحبة والمودة.

التعليق