عبد الرحمن بن عوف

رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم

تم نشره في السبت 5 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً

هو ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الزهري، يكنى أبا محمد، وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة؛ فسماه رسول الله عبد الرحمن. وأمه الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة. وكان مولده بعد عام الفيل بعشر سنوات.
عبد الرحمن بن عوف هو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة. وأحد الستة الذين جعل عمر الشورى فيهم وأخبر أن رسول الله توفي وهو عنهم راض.
إسلامه
أسلم عبد الرحمن بن عوف قبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم، وكان إسلامه على يد أبي بكر الصديق، حيث إن أبا بكر عمل بالدعوة مباشرة بعد إسلامه وكان رجلاً محبًا سهلاً، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، كما كان أبو بكر رجلاً تاجرًا ذا خلق، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه: الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، فانطلقوا إلى رسول الله ومعهم أبو بكر فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحق الإسلام فآمنوا، وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإسلام صدقوا رسول الله وآمنوا بما جاء من عند الله. وكان عمره عند إسلامه ثلاثين عامًا.
وكان عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين الأولين، جمع الهجرتين جميعًا: هاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم قبل الهجرة وهاجر إلى المدينة.
أثر الرسول في تربية
عبد الرحمن بن عوف
أسلم عبد الرحمن بن عوف قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم التي ربى فيها الجماعة المؤمنة التي حملت دعوة الإسلام حتى علا شأنها، وبلغت ما بلغ الليل والنهار، وكان أثر الرسول واضحًا في تربية عبد الرحمن بن عوف، وفي معاملاته مع المسلمين وغيرهم، فقد ظهرت أثر تربية النبي صلى الله عليه وسلم بي عندما آخى بينه وبين سعد بن الربيع وأراد الآخر أن يؤثره بنصف ماله إلا أنه قابل هذا الكرم بعفة شديدة مع أنه كان فقيرًا معدمًا ترك أمواله ودياره بمكة، ومن ذلك لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دومة الجندل ووصاه قائلاً: "غز بسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدًا". فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي وكان نصرانيًا، وكان رأسهم وأسلم معه ناس كثير من قومه وأقام من أقام على إعطاء الجزية، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وقدم بها إلى المدينة وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن.
مهارته في التجارة
استطاع عبد الرحمن بن عوف أن يكوّن ثروة واسعة، بعد أن ترك دياره وأرضه وأمواله، فبمجرد وصوله للمدينة المنورة وبعد أن آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، قال له عبد الرحمن بن عوف بعد أن عرض عليه سعد اقتسام أمواله: دلوني على السوق، فلم يرجع حتى جاء بسمن وأقط، وكان يقول: لو رفعت حجرًا لوجدت تحته ذهبًا، وقال عنه بعض المؤرخين: كان تاجرا مجدودا في التجارة وكسب مالا كثيرا وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومئة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحًا فكان يدخل منه قوت أهله سنة".
باعَ يوْماً أرْضاً بِأرْبعين ألْفَ دينار،فكانت ثلاثة أثلاث: ثلثٌ على أقْربائه من بني زهرة، وثلث على أُمَّهات المؤمنين، وثلث على فقراء المُسْلمين .
وقدَّم يوماً رضي الله عنه لِجُيوش المسلمين خمسمئة فَرَسٍ، ومرَّةً قدَّم ألفًا وخمسمئة راحِلَة في سبيل الله، وعند مَوْتِهِ أوْصى بِخَمْسين ألف دينار في سبيل الله، وأَوْصى لكل من بَقِيَ ممن شهِدوا بدْراً بِأَرْبَعمئة دينار، حتى إنَّ عُثْمان بن عفان رضي الله عنه أخذ نصيبه من هذه الوَصِيَّة رغْمَ ثرائِهِ، وقال: إنَّ مال عبد الرحمن حلالٌ صَفْوٌ، وإنَّ الطُّعْمَةَ منه عافِيَةٌ وبَرَكَة.
          قالوا: أهل المدينة جميعاً شُركاءُ لابن عوفٍ في ماله، ثُلُثٌ يُقْرِضُهم، وثُلُثٌ يقْضي عنهم دُيونهم، وثُلُثٌ يصِلُهُم ويُعْطيهم.
شجاعته
ومن مواقف بطولة عبد الرحمن بن عوف ما كان في يوم أحد، فقد كان من النفر القليل الذي ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفرّ كما فرّ غيره، ويحكي الحارث بن الصمة فيقول: سألني رسول الله يوم أحد وهو في الشعب فقال: "هل رأيت عبد الرحمن بن عوف؟" فقلت: نعم رأيته إلى جنب الجبيل وعليه عسكر من المشركين فهويت إليه لأمنعه فرأيتك فعدلت إليك، فقال رسول الله: "إن الملائكة تمنعه" قال الحارث: فرجعت إلى عبد الرحمن فأجد بين يديه سبعة صرعى فقلت: ظفرت يمينك؛ أكل هؤلاء قتلت؟ فقال: أما هذا لأرطاة بن شرحبيل، وهذان فأنا قتلتهما وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره قلت: صدق الله ورسوله.
وفاته
لما حضرت الوفاة عبد الرحمن بن عوف بكى بكاء شديدًا فسئل عن بكائه فقال: إنَّ مصعب بن عمير كان خيرًا مني توفي على عهد رسول الله، ولم يكن له ما يكفن فيه وإن حمزة بن عبد المطلب كان خيرًا مني لم نجد له كفنًا، وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياته الدنيا وأخشى أن أحتبس عن أصحابي بكثرة مالي.
وهو على فِراش الموت أشارتْ إليه السيّدة عائِشة أمّ المؤمنين أنَّها تُوافقُ على أنْ يُدْفن في حُجْرَتها إلى جِوار النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكرٍ وعُمر، ولكنه رضي الله عنه كان على حياءٍ كبير، فقد اسْتَحْيا أن يكون مع هؤلاء الكِبار، ثمّ إنه كان على مَوْعِدٍ وثيق مع عثمان بن مظغون، إذْ تواثقا ذات يومٍ أَيُّهُما يموت بعد الآخر يُدْفَنُ إلى جِوار صاحِبِه، فهذا وعْدٌ .
وهو على فِراش الموت،قال: إني أخاف أنْ أُحْبَسَ عن أصْحابي لكثرة ما كان لي من مالٍ، وذكر قوْل النبي عليه الصلاة والسلام: "عبد الرحمن بن عوْفٍ في الجنَّة"، وتلا قولَه تعالى:"الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".
وكانت وفاتة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن خمس وسبعين سنة بالمدينة. ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان وكان قد أوصى بذلك.

التعليق