مشكلة التجسس في وادي السيليكون

تم نشره في الاثنين 7 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً

مارتن كيني*

ديفيز - لقد طلب الرئيس التنفيذي لشركة سيسكو سيستمز جون تشامبرز في رسالة وجهها مؤخرا الى الرئيس باراك اوباما ان تتوقف وكالة الأمن القومي عن اعتراض منتجات الشركة من أجل زرع أجهزة تجسس على المستهلكين الاجانب. ان هذه الرسالة هي الاخيرة ضمن سلسلة من المعلومات والتي تم الكشف عنها والتي تتعلق بكيفية تجنيد شركات تقنية المعلومات الاميركية سواء بعلمها او بدون عملها في "الحرب على الإرهاب" مما يهدد من الهيمنة العالمية لقطاع تقنية المعلومات الاميركي.
بعد ان تم تسليط الضوء على مدى التصنت الذي تقوم به وكالة الامن القومي بدأت الحكومات والشركات الكبرى خارج الولايات المتحدة الاميركية بالتشكيك بقدرة شركات تقنية المعلومات الاميركية على ضمان أمن منتجاتها. ان مركز اميركا المتميز في اقتصاد المعلومات العالمي والذي بدا مضمونا قبل عامين فقط اصبح الآن مهددا وهي حقيقة يجب ان تثير مخاوف حقيقية لرواد الاعمال والمسؤولين التنفيذيين والموظفين واصحاب المشاريع الرأسمالية في الصناعة الاميركية.
ان هذا التحول في الاحداث ينطوي على بعض السخريه فالدور القيادي العالمي الذي تلعبه اميركا في تقنية المعلومات يعود بشكل مباشر الى جهاز الأمن القومي الاميركي فبعد الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد ان اطلق الاتحاد السوفياتي القمر الصناعي سبوتنيك سنة 1957 تمكنت الولايات المتحدة الاميركية من عمل استثمارات ضخمة في الهندسة الكهربائية ولاحقا لذلك علوم الحاسوب.
ان نظام التعاقد الذي يغطي التكلفة مع الربح سمح لشركات التقنية الصغيرة مثل هيوليت باكارد وفايرشايلد سيميكوندكتر ان تحاسب وزارة الدفاع على أسعار الأبحاث والتطوير والذي لا يمكن لأي منها ان تدفع تكلفتها وحدها وهذا مكن الشركات من خلق منتجات تقنية مما أدى في نهاية المطاف الى خلق اسواق جديدة وقطاعات اقتصادية.
لقد قامت الحكومة الاميركية بعمل استثمارات ضخمة ومستمرة في الأبحاث ضمن الجامعات مما عزز من اعداد المهندسين والعلماء. ان هؤلاء والذين تلقوا تدريبا عاليا تمكنوا من عمل أعداد لا حصر لها من التقنيات بما في ذلك الرسومات البيانية للحاسوب وأشباه الموصلات ومعدات الشبكات والبرمجيات الرائدة والإنترنت نفسه.
في واقع الأمر، ما تزال الحكومة الاميركية داعما حيويا للأبحاث العلمية والهندسية حتى يومنا هذا وفي سنة 2012 استثمرت وزارة الدفاع مبلغ 1.3 بليون دولار اميركي في مجالي الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب فقط بينما استثمرت مؤسسة العلوم الوطنية 900 مليون دولار اميركي. لقد قامت القوات الاميركية على وجه الخصوص بتوفير كمية كبيرة من التمويل الى الباحثين الجامعيين في مجال أمن الحاسوب والتشفير.
اذا اخذنا بعين الاعتبار الأعداد الكبيرة من رواد الاعمال والمسؤولين التنفيذيين والباحثين الذين تلقوا الدعم من وزارة الدفاع فلقد كان من غير المفاجئ ان يتبادل مؤسسو جوجل والمسؤولون التنفيذيون فيه على سبيل المثال رسائل بريد إلكتروني ودية مع مسؤولي وكالة الأمن القومي. إن العلاقات المهنية والشخصية جعلت تجنيد قادة الشركات في الحرب ضد الارهاب عملية سهلة نسبيا ويبدو ان القليل من هؤلاء فكروا في العواقب المحتملة لمشاركتهم.
ان العلاقة التي نشأت بين وادي السيليكون والعاصمة واشنطن هي علاقة تميزت باستمراريتها لفترة طويلة وعمقها، فعلى سبيل المثال لقد تردد أن شركة اوراكل العملاقة والمتخصصة في برمجيات قاعدة معلومات الحاسوب لديها علاقات وثيقة مع وكالة الاستخبارات الاميركية كما ان شركة كيهول انك وهي شركة يتم تمويلها جزئيا من وكالة الاستخبارات الاميركية كانت واحدة من المشاركات في انتاج جوجل للخرائط. ان عملية المشاريع الرأسمالية لوكالة الاستخبارت الاميركية في وادي السيليكون ان - كيو - تيل تهدف الى التحقق من ان مصالح جهاز الأمن القومي الاميركي مزروعة في شركات التقنية الرائدة.
إن من عواقب هذه العلاقات هي أن صناعة المعلومات الاميركية قد اصبحت عميلة لدولة الأمن القومي. ان هذا يقوض ثقة المستهلكين في رغبة الشركات او قدرتها على ضمان خصوصياتهم بينما يجعل من الصعوبة بمكان على الشركات ان تدعي أنها ملتزمة بالأخلاق والأصول عندما تقوم الحكومة الصينية على سبيل المثال بتقييد عملياتها المحلية.
نظرا لأن قطاع تقنية المعلومات الاميركي متقدم بمراحل على المستوى الدولي فإن تأثير هذه التصورات سوف يبقى محصورا الى حد كبير على المدى القصير ولكن عندما تتمكن شركات تقنية المعلومات في اوروبا وآسيا من اللحاق بركب الشركات الأميركية فإن أفضلية اميركا سوف تنحدر بشكل تدريجي.
يبحث الزبائن الاجانب حاليا عن بدائل في الصناعات الحالية والناشئة فعلى سبيل المثال تواجه اوراكل تباطؤا في اعمالها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ حيث تزدهر اعمال منافستها الرئيسية الشركة الالمانية "س آ بي" كما ان من المرجح ان المنافسة التي تواجهها شركة سيسكو من شركة هواوي الصينية هي التي دفعت تشامبرز الى القيام بندائه الاخير لاوباما. ان من أحدث المجالات في تقنية المعلومات هو الحوسبة السحابية والتي تمتلك الشركات الاميركية الريادة فيها لكن الشركات ورواد الأعمال في العديد من البلدان يبحثون في خلق بدائل غير أميركية.
إن منع هذا التهديد لتفوق اميركا في مجال تقنية المعلومات وهو تهديد تجلبه اميركا على نفسها سوف يتطلب عملا قويا من القادة السياسيين الاميركيين والمسؤولين عن هذا التوجه الخطير. اولا وقبل كل شيء يجب على اوباما وبدعم من الكونغرس ان يطالب بالإفراج عن جميع المعلومات المتعلقة بالتواصل بين وكالات الأمن القومي وشركات تقنية المعلومات الاميركية.
كما يجب تشجيع المؤسسات والمدافعين عن الخصوصية على استخدام القضاء من أجل تحدي طلبات الحكومات من أجل وضع برامج تجسسية في المنتجات التجارية. لو قام العملاء الحكوميون بخرق قوانين الخصوصية في الوطن أو خارجه فإن على وزارة العدل مقاضاتهم بقوة القانون.
نظرا لحقيقة ان نشاطات وكالة الأمن القومي قد ألحقت ضررا كبيرا بالثقة العالمية بالحكومة الأميركيه وقطاع تقنية الاتصالات فإن أي شيء أقل من الشفافية الكاملة لن يكون كافيا. لقد حان الوقت للقادة الأميركان ان يضعوا خير قطاع التقنية العالية والذي يجلب الثروات - والذي كلف دافعي الضرائب الأميركان عشرات البلايين من الدولارت لبنائه - فوق المفهوم الخادع بأن الطريق الوحيد للسلامة هو الوصول غير المقيد لحركة المرور الرقمي العالمي.

*استاذ في جامعة كاليفورنيا في دايفيز.
خاص بالـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق