موفق ملكاوي

الإعلام في العدوان على غزة

تم نشره في الثلاثاء 15 تموز / يوليو 2014. 11:06 مـساءً

في الأسبوع الماضي، ارتكبت شبكة "ABC" الأميركية، سقطة إعلامية وأخلاقية كبيرة، حين عرضت على شاشتها صورة لعائلة فلسطينية من غزة تفرّ من الموت الذي تنشره آلة العدو الإسرائيلي، مدعية أنها لعائلة إسرائيلية مذعورة من صواريخ المقاومة.
السقطة تلك، جاءت بتوقيع المذيعة الرئيسة في الشبكة الأميركية، دايان سوير، لكي يكون حجم التأثير أكبر، في حين لم يرفّ للمذيعة المخضرمة جفن وهي تزوّر الحقائق والمعاناة والدم.
هجمة شرسة قادها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي ضد هذا التزوير، أدّت إلى إجبار الشبكة على إصدار بيان تعتذر فيه عن هذه الهفوة "غير المقصودة"، وما اعتبرته "خطأ في تحديد هوية العائلة".
لكنّ أي شخص يطلع على تلك الصورة، لا يمكن له أن يخطئ، ولو للحظة، في تحديد هويتها، خصوصا أنها تتضمن امرأة مسلمة بلباس تقليدي هو "يانس" الصلاة، والذي لا نتصوّر أنه جزء من تراث أي شعب أو أمّة أخرى!
سلوك الشبكة الأميركية، يكاد يكون أنموذجا لطبيعة تعامل وسائل الإعلام العالمية المؤثرة مع العدوان الإسرائيلي على غزة، والإبادة التي مارسها الاحتلال ضد سكان القطاع.
على الجبهة نفسها، بدا الإعلام الإسرائيلي منقسما، إلى حد ما، في نقل الوقائع. ففي حين اجترت وسائل إعلام عديدة الرواية الرسمية لأسباب العدوان وسيره وتأثير صواريخ المقاومة في العمق الإسرائيلي، لم تخفِ وسائل إعلام أخرى ذات توجهات يسارية، مثل صحيفة "هآرتس"، معارضتها لجميع أسباب العدوان، وتعاطفها مع شعب غزة، من خلال نشرها صورا للدمار الذي أحدثته الآلة العسكرية الإسرائيلية، والضحايا الذين يسقطون.
اللافت أن الإعلام الرسمي للاحتلال الذي مثله، بلا منازع، الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، واستقت منه معظم وسائل الإعلام العالمية الأخبار حول مجريات العدوان، لم يخرج عن التصور الأنموذجي الدكتاتوري لإعلام العالم الثالث، أو الإيمان القائم على مبدأ "الصواب السياسي" الذي لا يأتيه الباطل أبدا.
في سعيه إلى خلق وقائع على الأرض، وهي غير موجودة في الأصل، حاول هذا الإعلام تعظيم نتائج أي غارة يشنها الاحتلال، ولو كان الهدف عائلة آمنة أو جنيناً في بطن أمه، مدعيا دائما، أن الهدف مقاومون أو صواريخ يتم تجهيزها للإطلاق.
في المقابل، مثّل إعلام المقاومة الفلسطينية، وللمرة الأولى، مفاجأة بالنسبة للمتابعين؛ فقد استثمر جميع الأدوات المتاحة للتأثير في البنية النفسية للعدو، إضافة إلى حفاظه على خط التواصل الدائم مع المتابع، من خلال قناة "فلسطين اليوم" التلفزيونية، ومن خلال البيانات المتواصلة التي كشف فيها على التوالي المناطق التي يستهدفها في الداخل الإسرائيلي، وأيضا المناطق والأهداف التي يستهدفها الاحتلال، ودأب على ذكر من يرتقي شهيدا من المقاومين، في حين يفضح زيف ادعاءات العدو حين يتم استهداف المدنيين.
في الأثناء، جر إعلام المقاومة إعلام الاحتلال إلى ضرورة الرد، في أكثر من مناسبة، خصوصا لدى الإعلان عن اختراقات مهمة لقواعد عسكرية، أو إعلان موعد محدد لإطلاق الصواريخ باتجاه تل أبيب، وهو ما يعتبر إنجازا إعلاميا حين تجبر المقاومة العدوَّ على اللحاق ببياناتها وتصريحاتها، ومحاولة تفنيدها.
في أسلوبها الجديد، تبدو المقاومة الفلسطينية متأثرة كثيرا بالإعلام المتطور لحزب الله اللبناني، وقراءاته النفسية للرأي العام والجبهة الداخلية للإسرائيليين، لذلك قدمت إعلاما، وعلى غير عادتها، هادئا وغير صاخب، يقدم المعلومة، والتشويش كذلك، كما يكشف زيف رواية العدو.

التعليق