إبراهيم غرايبة

تخيل أنك مسيحي موصلي

تم نشره في الخميس 24 تموز / يوليو 2014. 12:03 صباحاً

تخيل أنك مسيحي موصلي، وأنك طبيب خمسيني يعمل في عيادته منذ خمسة وعشرين عاما، وأن زوجتك معلمة تُدرّس في مدرسة المدينة منذ خمسة وعشرين عاما أيضا... والداك الثمانينيان تقاعدا من العمل ويعيشان في سكون وسلام بجوارك، وأولادك في مدارس المدينة وجامعتها؛ أحدهم بدأ للتو حياته العملية.. والكنيسة التي تعمدتم فيها جميعا، والتي يؤمها المؤمنون الذين يشاركونك الإيمان منذ القرن الثامن قبل الميلاد، موجودة منذ ثلاثة آلاف سنة.. والمقبرة المجاورة لها فيها قبور أهلك منذ آلاف السنين.. والعمارة التي تقيم فيها وإخوانك، وأثاث بيوتكم الذي أحضرتموه قطعة قطعة، وذهب النساء وحليهن الذي جمعنه منذ الخطبة وفي كل عيد أو مناسبة أو ذكرى، كل قطعة لها قصة.. لكن الناس الذين عالجتهم في عيادتك ومنهم الدواعش، بينهم من سرقوا أثاث بيتك وذهب وحلي وخواتم وعقود وأساور زوجتك وأخواتك وزوجات إخوانك... والبنات والأولاد الذين علمتهم زوجتك، بينهم الذين دلّوا عليك ووشوا بك وأهلك، واستولوا أو شاركوا في نهب ما تملكه.
تتساءل وتتذكر الذين عشتم معهم وعملتم معهم سنين وعقودا وقرونا من الزمن، وتشاركتم الحلوة والمرة... أقول لك: انس إن استطعت، وإن لم تستطع فانس أيضا؛ سيؤويك مكان في أربيل أو كركوك، ثم تهاجر إلى السويد أو النرويج أو أستراليا، وسوف يحاول أبناؤك أن ينسوا. سوف تكون أقدر منهم على النسيان، سوف تجد أن أحفادك أقرب إليك من أبنائك، سوف تلعبون معا وتتحدثون، سوف يسألونك: لماذا لا تتحدث يا جدو مثلنا؟ لماذا تختلف لهجتك عن لهجتنا؟ لماذا تتحدث بشغف بلغة غريبة مع أصدقائك؟ هل علموكم هذه اللغة في مدارس السويد؟ هل كانت اللغات واللهجات هكذا في أيام طفولتكم؟ سوف يسألون أمهم: لماذا يبكي جدو كلما سألناه عن لغته الغريبة؟ حين يودعك حفيدك قبل أن يسافر مع قوات حفظ السلام في الموصل سوف تتحدثان معا بالسريانية، وتوصيه أن يذهب إلى كنيسة في الموصل إن بقيت، ويبحث عن قبور إن بقيت. سوف يدهشكما أنها باقية، ويدهش حفيدك أن الناس في الموصل يتحدثون السويدية (السريانية يحسبها سويدية)، ويسألك وأنتما تتحدثان بالهاتف: هل هم سويديون مثلنا؟ تبكي وتقول: نعم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تخيل... (عمر)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2014.
    وتخيل انك إمرأة عربية. تخيل انك شيعي. تخيل انك فلسطيني. تخيل انك خادمة أسيوية, تخيل انك عامل مصري. تخيل انك إنسان غير فاسد. تخيل انك بلاواسطة. تخيل انك فقير. هنالك شخصيات عديدة لاتحتاج فعليا للتخيل بالعالم العربي لتعرف عمق ثقافة الظلم والإستغلال التي إنتشرت بيننا كاسرطان ولم نعد قادرين على كبح جماح ظلمنا .
  • »اعلام غير متوازن (ابو باسل)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2014.
    مع استنكارنا جميعا لاعمال داعش اللانسانية بحق نصارى شمال العراق وغيرها من تصرفاتهم الهمجية,, الا اننا نستغرب كيف لاقت تلك الحادثة اصداء دولية واسعة اكبر من ردة فعل الاعلام على تهجير ملايين السوريين, بل ان الاعلام العالمي المنافق اعطاها حجما اكبر من ماساة غزة وما يحصل فيها من قتل ممنهج وتدمير واجتثاث للشعب الصامد في القطاع
  • »رد على أبو خليل (ام سمير)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2014.
    تقول ان الهدف من المخطط هذا هو ليحصل تدخل اجنبي لحماية المسيحيين ؟ خلينا نقول تحليلك صح.
    فين الدول العربية من كل الذي يحصل؟ لماذا هذا الصمت الكبير؟ أنتم تعلمون أننا لسنا بعيدين ليحصل عندنا نفس الشيء لا قدر الله.
    صمت الدول قاتل لكن الله موجود و هو قادر يحمي ويحفظ الجميع
  • »شكراً (عيسى)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2014.
    شكراً جزيلاً على هذا المقال و على مقالاتك السابقة بخصوص الموصل، حيث أن هذه المشاعر تدل على عمق علاقة الأخوة بين مسلمي و مسيحي العرب و التي لن تؤثر عليها أي جماعات أو أفكار إرهابية لا تمت بصلة لأي دين.
  • »ادوار مشبوهة ومعروفة. (ابو خليل الكزاعير)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2014.
    الهدف من وراء هذا المخطط الخبيث ، ومن قبل ما يسمى بداعش الارهابية ، ليس سوى زيادة الحقد والكراهية الصليبية على الاسلام .... وزيادة واتساع فرص التدخل الاجنبي في المنطقة ، بحجة حماية المسيحية ، وخاصة ان كثير من دول العالم الكبرى ، ومن بينها واشنطن ولندن وباريس وبرلين وروما وغيرها تدين بالمسيحية .... ليس هذا فحسب ، بل تحاول داعش الارهابية ، فرز مكونات المناطق التي تحتلها وتجمعها في مناطق تابعة لتلك المكونات ..... من اجل التشجيع على تحويل الصراع في المنطقة الى صراعات طائفية ومذهبية واقليات .... فالموضوع لم يتوقف على طرد المسيحيين في الموصل ، بل والاكراد كذلك .. وقد ينسحب الأمر كذلك على طرد التركمان والاتراك وغيرهم من اقليات هنا وهناك ، وفي مناطق تم احتلالها من قبل ما يسمى بدولة داعش القابلة للسقوط ..... وعلى فكرة مخطط داعش ، مخطط تم رسمه من قبل اجهزة استخبارات دولية واقليمية معروفة ، ولم ينزل من السماء .... وذلك يتطلب ان لا نصدق الكثير مما يدور من حولنا.... وخاصة ما يصدر من كذب وخداع وتضليل ، من قبل البعض ..... ومن اجل خدمة اهداف وسياسات واجندات معينة.