العراقيون لا يريدون تقسيم بلدهم

تم نشره في الأربعاء 23 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً
  • الاحتلال الأميركي كان المقدمة لاحتمال تقسيم العراق حالياً - (أرشيفية)

أمل مدللي — (سي إن إن)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

الفكرة السائدة في واشنطن هي أن العراق مقبل على التقسيم. وتقول الأطروحة إن العراق يوشك أن ينقسم إلى ثلاث دول: دولة سنية وواحدة شيعية وأخرى كردية، والتي ستحل كلها محل دولة العراق الحالية. وبينما يزعم العديد من المدافعين عن هذه الأطروحة بأن العراقيين أنفسهم هم الذين يريدون ذلك لأنهم ببساطة لا يستطيعون العيش معاً، فإنني أعتقد بأنه ليس هناك شيء يمكن أن يكون أبعد من الحقيقة من هذا الادعاء.
لا يريد العراقيون السنة أن يكونوا منفصلين، وإنما يريدون أن يكونوا مواطنين متساوين. وبالنسبة للعراقيين الشيعة فإنهم يرون أن تعريف المساواة يعني أن يظل العراق موحداً، تحت حكومة يهيمن الشيعة عليها. وقد تبدو هذه الرؤى غير متساوقة، لكن ائتلافاً إقليمياً ودولياً يستطيع أن يرى مخاطر تفكيك العراق على الجانبين ينبغي أن يكون قادراً على مساعدتهما في التراجع عن مواقفهما.
أدرك أن هذا ممكن لأن لبنان، البلد العربي الآخر الذي عانى من حرب أهلية دموية استمرت 15 عاماً استطاع الخروج من الجحيم من خلال التوصل إلى تسوية سياسية. وما يزال لبنان بلداً موحداً بعد ثلاثين عاماً من انتهاء تلك الحرب الأهلية، وبالرغم من التفجيرات الانتحارية التي عصفت بالبلد في الشهور الأخيرة.
من الطبيعي أن العراق يواجه تحدياته الخاصة. فالسنيون لا يستطيعون نسيان حقيقة أنهم حكموا البلد بواسطة رجل قوي، كما أن الشيعة لا يستطيعون نسيان معاناتهم خلال حقبة صدام حسين. ومن الواضح أن النظام الطائفي الذي أصبح هو الإفراز غير المقصود للاحتلال الأميركي للعراق من العام 2003 غير قادر على بناء عراق جديد، بحيث يكون بذلك وصفة للحروب الأهلية المستمرة.
تراكمت هذه العيوب بفعل الميول الطائفية والدكتاتورية لرئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، والطبقة السياسية المحيطة به. ووفق وجهة نظر المالكي، فإن على السنة أن يدفعوا ثمن كل الخطايا التي ارتكبت في ظل حقبة صدام، ولذلك، وبدلاً من جلبهم إلى داخل الخيمة العراقية الكبيرة، عمد نظامه إلى الدفع بهم إلى الهوامش.
نتيجة لذلك، ما يزال السنة العراقيون يعيشون طوال الشهور الثمانية عشرة الماضية في ثورة شبه دائمة، فيما تبدو واشنطن وأنها تنظر إلى الاتجاه الآخر. وقد نظم المحتجون الاعتصامات، لكن حكومة المالكي ردت بدلاً عن الاستجابة لمعاناتهم بالقنابل، ما أفضى إلى مقتل العشرات في هذه العملية. وقادت هذه السياسات السنة العراقيين إلى الارتماء في أحضان المجموعات الإسلامية المتطرفة، ثم دفعتهم في نهاية المطاف إلى إقامة تحالف مؤقت مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام "داعش". لذلك لا يجب أن يفاجئ استيلاء المتشددين على الموصل وغيرها من الحصون السنية أحداً في واشنطن. لكن ما كان مفاجئاً هو الاعتقاد بأن ما لم يكن نافعاً خلال معظم العقد الماضي سوف ينفع الآن بطريقة ما. لن تسهم الهرولة إلى الدفاع عن حل عسكري أو أمني، كما فعل المالكي، في حل مشاكل العراق، ولن تكون المقاربة الأمنية فقط كافية لجلب كل مكونات المجتمع العراقي سوية.
إن ما تمس الحاجة إليه الآن هو التوصل إلى حل سياسي يبقي على العراق كلاً متماسكاً، بما في ذلك بقاء الأكراد جزءاً لا يتجزأ من البلد. وليس الأكراد صبورين فقط، وإنما واقعيون أيضاً. إنهم يعرفون القيود الإقليمية الراهنة المفروضة على الاستقلال الكردي، ويدركون أنهم سيتلقون أفضل خدمة من وجود قيادة عراقية تفي بالتزاماتها تجاههم.
بالنسبة للسنة، يبقى العيش في عراق موحد أفضل كثيراً من البديل –العيش في ظل دولة خلافة متطرفة وفقيرة نفطياً، نظراً لأن النفط العراقي متركز في الجنوب الشيعي (حيث يوجد 70 إلى 80 في المائة من احتياطيات النفط العراقي) والمناطق الكردية. وبالإضافة إلى ذلك، يبقى من الصعب تصور أن العراقيين السنة -سياسياً وثقافياً- يفضلون الانفصال عن عراق موحد. وبعد كل شيء، لا تشكل بغداد مجرد العاصمة الحالية للسنة والشيعة على حد سواء وحسب، وإنما هي مدينة ذات هوية وتاريخ ثريين.
سوف يكون قتال التطرف مهماً لاستقرار العراق، لكنه لن يجلب الوحدة، كما لا يمكن أن يضطلع به الشيعة وحدهم. يجب أن يكون السنة جزءاً من هذا القتال إذا أريد للعراق أن يظل بلداً واحداً. وإذن، إلى أين ينبغي أن نتجه من هنا؟
لا يقف السنة في العراق بأي معيار وراء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، لكنهم عالقون بين مطرقة حكومة المالكي وسندان الخلافة الجديدة لتنظيم "داعش".
ولذلك، لا يصب الوقت الآن في صالح العراق، وسوف يصب أي تأخير في تشكيل حكومة جديدة ذات وجه في صالح المالكي والذين يستخدمون تعنته كمبرر لتقسيم البلد.
ثمة إشارة جيدة سجلت مؤخراً، بينت أن العراقيين مصممون على التراجع عن الفوضى العارمة، وتمثلت في انتخاب سالم الجبوري رئيساً جديداً للبرلمان. ويجيء انتخابه ليكون بمثابة الخطوة الأولى في عملية سياسية لتشكيل حكومة جديدة، ويسلط الضوء على إمكانية قبول السنة بالتسوية كما كانوا قد فعلوا في السابق، عندما جعلوا مغادرة المالكي شرطاً مسبقاً للانضمام إلى العملية السياسية. وكما يبدو، فإن السنة يفضلون التمسك بدولة عراقية يعرفونها على الدولة الإسلامية المجهولة.
 لكن، وبالرغم من أن غالبية القيادة الشيعية في العراق -بما في ذلك القيادة الشيعية الدينية- تريد حكومة جديدة، فإن هناك عائقاً رئيسياً يعترض سبيل إقناع المالكي بانتهاء عهدته: إيران. ومن المؤسف أن الدعم الإيراني للمالكي يعكس دعم طهران للرئيس السوري بشار الأسد. ويبدو أن العراق وسورية، وحتى لبنان، تبدو كلها في نظر طهران مسرحاً واحداً للعمليات التي يتم من خلالها تحدي الغرب.
بعثت إدارة اوباما بالرسالة الصحيحة للعراق من خلال تشجيعها تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة. لكن على الولايات المتحدة عدم السماح لنفسها بالتورط عسكرياً مرة أخرى في الحرب الأهلية العراقية. وعليها بدلاً من ذلك أن تنظر إلى هذا الموقف على أنه صراع سياسي من أجل محاولة وضع العراق على المسار الصحيح بطريقة كانت قد منيت بالفشل قبل عقد.
غني عن البيان أن الوقت ليس متأخراً جداً لإنقاذ العراق، لكن هذا لا يمكن أن يحدث من خلال تقسيمه. ما يزال العرب يشعرون بأنهم تعرضوا للخيانة جراء اتفاقية سايكس-بيكو التي قسمتهم إلى دول قبل مائة عام. وسيكون تقسيمهم اليوم إلى قبائل وطوائف لها أعلامها قمة الخيانة.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Iraqis don’t want their country broken up

التعليق