"فاستقم كما أمرت ومن تاب معك"

تم نشره في الجمعة 25 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

الوقت في حياة المسلم ذو قيمة عالية؛ يحرص عليه ويستغله وينظمه. ولا يعيش المسلم في هذه الدنيا بلا هدف ولا مسؤولية، ولا يسمح لنفسه أن تحركه الظروف ويسير خبط عشواء؛ بل لا بد له من ترتيب أولوياته وتنظيم وقته، وأن يعطي كل شيء حقه.
ولعل رمضان قد أسهم عند كثيرين في هذا الأمر. فالصيام له شروطه وأوقاته وآدابه، ومعظمها متعلق بالوقت. وكذا الصلوات؛ تنظم حياة المسلم، وتجعله مدركا لأهمية الوقت. وهكذا سائر الأركان والعبادات.
ولا شك في أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أكد مسألة أهمية الوقت وأهمية استغلاله قبل فوات الأوان، وفي الحديث الشريف: "اغتنم خمسا قبل خمس"، منها: "شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك". وقد قيل: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك؛ ولا يدري أحدنا متى تنتهي أيامه، ومتى يحين أجله". ومن هنا، لا بد أن يكون مستعدا؛ ولا يكون هذا إلا بوعيه وإدراكه والتزامه، وكل ذلك حين يكون قلبه يقظا، وفكره مستقيما، فهنيئا له عندئذ، فهو صاحب نفس مطمئنة في علاقتها مع الله تعالى.
ها هو الشهر الفضيل على وشك الرحيل، وقد استغله من استغله، وقصّر فيه من قصّر، واقتصد فيه آخرون. والناس بين هذه الحالات الثلاث الواردة في قوله تعالى: "فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ" (فاطر، الآية 32)؛ فالأول قصّر في حق نفسه وفي حق الله تعالى، غلبته شهواته فقضى حياته، بما فيها هذا الشهر العظيم، في اللهو والتيه، وأعرض عن الله ولم يدخل السباق أصلا، أو دخله وانسحب منه. والثاني، أدى الحد الأدنى المطلوب منه، ولم يزدد من النوافل، ولم يلتفت إلى ما يرتقي به ويتنافس فيه في الخير. أما الثالث، فهو صاحب البصيرة والهمة العالية، وهو الذي لجم شهواته وصمم على الارتقاء وسمو الروح، فعزم أمره، واستغل وقته وأكثر من الأعمال الصالحة والنوافل، أحيى الليالي وأنفق عن طيب خاطر، واستشعر أخوة الإسلام مع بقية المسلمين، وأخذ القرآن منه وقتا في التلاوة والتدبر، لسان حاله يقول: يا رب، أنت فرضت علي كذا وكذا، وأنا أزيد من عندي، يقينا بأنك المعبود الحق، وأنا راض عما فرضته عليّ.
وحتى يكون هذا الشهر وبقية المواسم الطيبة في حياة المسلم زادا ومحطة تزود للعام كله، بل وللعمر كله، لا بد من الثبات، بل ازدياد الارتقاء. وأنا أتصور الرسم البياني لحياة المسلم الحق أنه مع مرور الوقت، فإنه في ارتقاء في التزامه وتدينه وعطائه وحسن أخلاقه. وليس بالضرورة أن يكون هذا المقياس يوميا، فالأيام قد يكون فيها أمسي خيرا من يومي، ولكن ليكن المقياس سنويا على الأقل. والإنسان في منطق الأشياء يزداد وعيا وفهما من خلال تجاربه، والعبر التي يشاهدها في حياته، فلا بد أن يرتقي، ويأتي هذا الزاد الإيماني ليزيده حكمة ورزانة ومكانة.
لا بد من الثبات على الاستقامة، وليتذكر أحدنا ما قدم خلال هذا الشهر، فلا ينقض عهده، ولا يستجب لشهواته، ولا يخدعن نفسه.
وشاء الله أن يكون هذا الشهر على وجه التحديد دمويا، من خلال الاعتداء على إخواننا في غزة العزة، فكان لرمضان نكهة خاصة، جمعت العبادة مع المسؤولية وامتحان الأخوة الحقيقية، وتأججت عواطف المسلمين -وما تزال- تجاه ما يجري. ومرة أخرى، ينبغي أن تكون هذه كلها مقرونة بفكر ووعي ومنهج حياة، فلا نرجع بعد رمضان مجرد أجساد خاوية من أدنى قيمة ومسؤولية؛ فأمتنا بحاجة إلى الرواحل أصحاب الهمم، لا ينقصها عدد ولا مساجد أو لحى أو حجاب، بل ينقصها النوع والهمة والفكر الناصع والولاء الصادق لله ورسوله والمؤمنين، والحب الحقيقي بين المسلمين ونبذ التعصب، وحسن التخلق بأخلاق الإسلام.
وما يزال في الشهر بقية. ولا يظنن ظان أن الخير محصور في رمضان فقط، بل رمضان وقت مبارك وشهر خير، وإلا فالتوبة بابها مفتوح، وفرص الخير أكثر من أن نحصيها. فالثلث الأخير المحبب والمبارك، هو في كل ليلة من رمضان وغير رمضان؛ وساعة الاستجابة يوم الجمعة هي في كل جمعة. ومرة أخرى، ما دامت روحك تسري في بدنك، فإن علاقتك مع الله لا تنقطع، فما على أحدنا إلا استشعار المعية الحقيقية له تعالى، وأن يطمئن قلب أحدنا بأنسِه بالله وحبه الحقيقي له. ولنتذكر أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ولنتذكر قوله تعالى في أرجى آية في القرآن: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (الزمر، الآية 53).
وما هو مطلوب من الأمة أكثر من الالتزام الديني الذي يؤدي إلى الاستقامة؛ إذ مطلوب منها تحمل المسؤولية، فنحن ورثة الأمم وخيرها: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" (آل عمران، الآية 110)، وبأيدينا ما هو خير للأمم كلها، ولكننا لسبب أو لآخر نكصنا وترددنا وانتكسنا، فغاب دورنا الحضاري. ونحن بحاجة إلى من يرتقي بهذه الأمة ويرفع من شأنها، وأن لا نذوب في الأمم الأخرى. ولا يعني هذا العزلة والمسارعة إلى اتهامهم وتكفيرهم، فلنتهم أنفسنا قبل اتهامهم، ولنحسن من تصرفاتنا على الأقل، لتكون دعوة صامتة لهم في الالتزام، فهم يبحثون عن الخير ونحن قصرنا كثيرا في إيصاله إليهم.
لقد خاطب الله رسوله بهذه الآية فكانت شديدة عليه، وقيل إنها مما شيّبه: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك" (هود، الآية 112). ونحن مشمولون بهذا الخطاب الآمر لنا بالاستقامة. وتبعات الاستقامة كثيرة، منها الثبات والانطلاق الواثق، وعدم التردد، واليقين الصادق بالله تعالى ووعده ونصره. والاستقامة أقصر طريق إلى بلوغ الهدف، وفي الاعوجاج تردد وحيرة ووقوع فيما هو محذور، فلنحرص على هذه الاستقامة، ويكفينا شرفا حينها أننا ذُكرنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في شأنها.
أعمارنا محدودة وأنفاسنا معدودة، ومن ما يزال متحيرا مترددا فماذا تنتظر؟ ثق بالله وآمن به واستقم، كما وصى رسولنا صلى الله عليه وسلم أحدهم حين سأله الوصية فقال: "قل آمنت بالله ثم استقم".

*أكاديمي أردني

التعليق