أوكرانيا وأزمة القانون الدولي

تم نشره في الجمعة 25 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً

جيفري ساش*

نيويورك- تشكل تصرفات روسيا في أوكرانيا انتهاكاً جسيماً وخطيراً للقانون الدولي. ففي العام 1994، وافقت أوكرانيا على التخلي عن الأسلحة النووية التي ورثتها من الاتحاد السوفييتي، في مقابل تعهد رسمي من قِبَل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا بحماية سلامة أوكرانيا الإقليمية وسيادتها. والآن، انتهكت روسيا هذا التعهد. ولا يضر ذلك بأوكرانيا فحسب، وإنما يقوض أيضاً فكرة الإطار القانوني الدولي لمنع الانتشار النووي.
ما لم تغير روسيا مسارها -وهو ما يبدو غير مرجح في أي وقت قريب- فإن العواقب العالمية قد تكون وخيمة. سوف تعمد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى فرض العقوبات على روسيا، وهو ما من شأنه أن يضعف اقتصاد روسيا والاقتصاد العالمي، وأن يؤجج المزيد من التوتر والنّزعات القومية. وقد تؤدي الأخطاء على جانب أو آخر إلى حدوث كارثة عنيفة. وما علينا في هذا الصدد سوى أن نتذكر دوامة الغطرسة والحسابات الخاطئة التي أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى قبل قرن من الزمان.
بقدر ما تنطوي عليه أزمة أوكرانيا من ترويع، فإنه لا ينبغي لنا أن نتغافل عن تجاهل القانون الدولي بشكل أكثر عمومية في السنوات الأخيرة. ومن دون التقليل من خطورة تصرفات روسيا الأخيرة، يتعين علينا أن نلاحظ أن هذه التصرفات تأتي في سياق من الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي من قِبَل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ويعمل كل من هذه الانتهاكات على تقويض الصرح الهش للقانون الدولي، ويهدد بدفع العالم إلى أتون حرب فوضوية لا يحكمها قانون، والتي يخوضها الجميع ضد الجميع.
لقد أطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها سلسلة من التدخلات العسكرية في السنوات الأخيرة، في مخالفة لميثاق الأمم المتحدة ومن دون دعم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كان قصف حلف شمال الأطلسي لصربيا في العام 1999 بقيادة الولايات المتحدة مفتقراً إلى إقرار القانون الدولي، وقد حدث رغم الاعتراضات القوية من جانب روسيا، حليفة صربيا. وكان إعلان كوسوفو لاحقاً استقلالها عن صربيا، والذي اعترفت به الولايات المتحدة وأغلب بلدان الاتحاد الأوروبي، سابقة تستشهد بها روسيا بحماس في تبريرها لتصرفاتها في شبه جزيرة القرم.
المفارقات الساخرة هنا واضحة. وفي أعقاب حرب كوسوفو، شهدنا حربين بقيادة الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق، وكل منهما حدثت بدون دعم من مجلس الأمن، وفي حالة العراق، رغم الاعتراضات القوية داخل مجلس الأمن. وكانت النتائج مدمرة تماماً بالنسبة لأفغانستان والعراق.
شكلت أفعال حلف شمال الأطلسي في ليبيا في العام 2011 للإطاحة بالرئيس معمر القذافي انتهاكاً آخر من هذا القبيل للقانون الدولي. فبعد موافقة مجلس الأمن على قرار يقضي بإقامة منطقة حظر طيران واتخاذ تدابير أخرى بدعوى حماية المدنيين، استخدم حلف شمال الأطلسي القرار كذريعة للإطاحة بنظام القذافي من خلال القصف الجوي. وقد اعترضت روسيا والصين بشدة، بحجة أن حلف شمال الأطلسي تجاوز صلاحياته إلى حد خطير. وما تزال ليبيا غير مستقرة وغارقة في العنف، في غياب أي حكومة وطنية فعّالة حتى يومنا هذا.
كما أشارت روسيا ذاتها مراراً وتكراراً، فإن أعمال الولايات المتحدة في سورية كانت غير قانونية على نحو مماثل. فعندما بدأت احتجاجات الربيع العربي في أوائل العام 2011، طالب المتظاهرون السلميون في سورية بالإصلاح. ثم اتخذ نظام الرئيس بشار الأسد تدابير صارمة عنيفة ضد المحتجين، الأمر الذي أدى إلى تمرد بعض الوحدات في المؤسسة العسكرية السورية. وعند تلك النقطة، في صيف العام 2011، بدأت الولايات المتحدة في دعم التمرد العسكري، وأعلن الرئيس باراك أوباما أن الأسد لا بد أن "يتنحى".
منذ ذلك الحين، قَدَّمَت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وتركيا وغيرها من الدول المساعدات اللوجستية والمالية والعسكرية للتمرد، في انتهاك صريح لسيادة سورية والقانون الدولي. ولا شك أن الأسد تصرف بوحشية، لكن من المؤكد أيضاً أن جهود دعم التمرد التي تقودها الولايات المتحدة هناك تشكل انتهاكاً لسيادة سورية، وهو ما أسهم في نشوء دوامة صاعدة من العنف الذي أودى بحياة أكثر من 130 ألفا من المواطنين السوريين، ودمر قدراً كبيراً من التراث الثقافي للبلاد وبنيتها الأساسية.
يستطيع المرء أن يضيف إلى هذا العديد من التصرفات الأميركية الأخرى، بما في ذلك شن هجمات بالاستعانة بطائرات من دون طيار على أراضي دول ذات سيادة من دون الحصول على إذن من حكومات هذه البلدان؛ وتنفيذ عمليات عسكرية سرية؛ وعمليات الترحيل القسري وتعذيب المشتبه بهم في جرائم الإرهاب؛ والتجسس الواسع النطاق لوكالة الأمن القومي الأميركية. وقد دأبت الولايات المتحدة على تجاهل اعتراضات الدول أو منظمات الأمم المتحدة التي تطعن في تصرفاتها.
لقد أصبح القانون الدولي ذاته على مفترق طرق. فقد بات من المعتاد أن تستشهد به الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي عندما يكون في صالحها، وتعمد إلى تجاهله عندما ترى أنه مصدر إزعاج لها. ومرة أخرى، ليس المقصود من هذا تبرير تصرفات روسيا غير المقبولة، وإنما إضافتها إلى سلسلة من التصرفات المتعارضة مع القانون الدولي.
قد تمتد هذه المشاكل نفسها قريباً إلى آسيا. فحتى وقت قريب، كانت دول مثل الصين واليابان وغيرها في آسيا تدافع بشدة عن شرط موافقة مجلس الأمن على أي تدخل عسكري خارجي في الدول ذات السيادة. لكنه حدث مؤخراً أن أصبحت بلدان عِدة في شرق آسيا حبيسة دوامة من المطالبات والمطالبات المضادة بشأن الحدود والممرات الملاحية والحقوق الإقليمية. وحتى الآن، ظلت هذه النزاعات سلمية في الأساس، ولكن التوترات آخذة في التصاعد. وينبغي لنا أن نتمسك بالأمل في استمرار بلدان المنطقة في إدراك القيمة العظيمة المتمثلة في تحكيم القانون الدولي باعتباره حصناً للسيادة، والتصرف وفقاً لذلك الإدراك.
لفترة طويلة، كان هناك العديد من المتشككين في القانون الدولي -أولئك الذين يعتقدون أنه من غير الممكن أبداً أن تكون له الغَلَبة على المصالح الوطنية للقوى الكبرى، وأن الحفاظ على توازن القوى بين المتنافسين هو كل ما يمكن القيام به حقاً للحفاظ على السلام. ومن هذا المنظور، تكون أفعال روسيا في القرم ببساطة مجرد تصرفات قوة عظمى تؤكد امتيازاتها.
بيد أن مثل هذا العالم سيكون بالغ الخطورة بلا داع. فقد تعلمنا مرة تلو الأخرى أن "توازن القوى" الحقيقي هو أمر لا وجود له. وهناك دوماً اختلالات التوازن وتحولات القوة المزعزعة للاستقرار. وفي غياب بعض الضمانات القانونية، سيصبح اندلاع الصراعات المفتوحة أمراً مرجحاً للغاية. ويصدق هذا بشكل خاص اليوم، حيث تتنافس الدول على النفط وغيره من الموارد الحيوية. وليس من قبيل المصادفة أن تندلع أغلب الحروب المهلكة في السنوات الأخيرة في مناطق غنية بالموارد الطبيعية القيمة والمتنازع عليها.
عندما نسترجع الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى هذا العام، فسوف يتبين لنا بشكل متكرر أن المسار الوحيد الممكن إلى السلامة هو القانون الدولي الذي تدعمه الأمم المتحدة وتحترمه الأطراف كافة. صحيح أن هذا التصور يبدو ساذجاً، لكنه ليس من الضروري أن يسترجع المرء أحداث الماضي لكي يدرك مدى سذاجة الاعتقاد بأن سياسة القوى العظمى كفيلة بالحفاظ على السلام وضمان بقاء البشرية.
في أزمة أوكرانيا، ينبغي لمجلس الأمن أن يساعد في إيجاد حل تفاوضي يحفظ سيادة أوكرانيا وسلامة ووحدة أراضيها. ولن يحدث هذا في وقت قريب، لكنه يتعين على منظمة الأمم المتحدة أن تثابر في البحث عن انفراجة في وقت لاحق. وكما تلجأ الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن للفصل في هذه القضية، فإنه ينبغي لها أيضاً أن تحاسب نفسها أمام القانون الدولي، فتساعد في بناء حصن ضد عدم الاستقرار العالمي الخطير.

*أستاذ التنمية المستدامة، أستاذ سياسة وإدارة الصحة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا. من كتبه "نهاية الفقر والثروة المشتركة".
*خاص بالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق