كيف كسبت حماس: نجاح إسرائيل التكتيكي وفشلها الاستراتيجي

تم نشره في الاثنين 28 تموز / يوليو 2014. 10:20 مـساءً
  • الدبابات الإسرائيلية خلال العملية البرية ضد قطاع غزة الفلسطيني - (أرشيفية)

آرييل أيلان روث* - (فورين أفيرز) 20/7/2014

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بغض النظر عن كيف ومتى ينتهي الصراع الأخير بين حماس وإسرائيل، فإن هناك أمرين مؤكدين. الأول هو أن إسرائيل ستكون قادرة على ادعاء انتصار تكتيكي. والثاني هو أنها ستكون قد عانت من فشل استراتيجي.
على المستوى التكتيكي، استطاع نجاح نظام القبة الحديدية للدفاع الصاروخي أن يبقي الخسائر الإسرائيلية قريباً من الصفر، وقلل بقدر يعتد به من الضرر المادي الناجم عن الصواريخ المنطلقة من غزة. كما أن غزو إسرائيل البري الذي انطلق يوم الخميس قبل الماضي سوف يجني المكافآت بدوره. بل إنه فعل مسبقاً في الحقيقة: فقد كشفت القوات الإسرائيلية ودمرت العديد من أنفاق حماس، بما فيها البعض الذي كان القصد منه إتاحة النشاط عبر الحدود إلى داخل إسرائيل، وأخريات كانت وظيفتها تسهيل حركة البضائع، والذخيرة، والمتشددين في داخل غزة نفسها.
لا ينبغي التقليل من شأن هذه المنجزات التكتيكية. لكنها لا تساوي نصراً استراتيجياً. وكان كلاوزفيتز قد علمنا أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وتخاض الحروب من أجل إعادة تنظيم السياسة بطريقة تفيد المنتصر وتضر بالخاسر. لكن الإسرائيليين فقدوا الاستبصار اللازم لإدراك هذا التمييز.
في واقع الأمر، تمتلك إسرائيل تاريخاً من ادعاء النصر عندما تكون في الحقيقة قد عانت الهزيمة؛ وتشكل حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 خير مثال على ذلك. فقد زعمت إسرائيل حينها أنها كسبت لأن قواتها أنهت حربها وهي على الجانب الغربي من قناة السويس، بينما كانت القوات المصرية محاصرة جزئياً وراءها. والحقيقة هي أن مصر هي التي حققت النصر الاستراتيجي. فكل الوقت، كان هدف الرئيس المصري أنور السادات هو الاستيلاء على بعض الأراضي والتمسك بها من أجل الدفع بالمفاوضات السياسية العالقة، ثم في نهاية المطاف، استعادة شبه جزيرة سيناء المحتلة إلى مصر. وقد حصل السادات في النهاية على ما يريد.
قد يعتقد الإسرائيليون، رغم أنه من غير المحتمل أن نرى إعادة تنظيم سياسي في نهاية هذه الحرب، بأن حماس لن تكون قد حققت أهدافها الاستراتيجية الخاصة على الأقل. ويذهب التفكير إلى أن غياب وقوع أعداد كبيرة من الوفيات الإسرائيلية هو علامة فشل حماس. ولكن الإسرائيليين مخطئون هناك، أيضاً. إن قتل أعداد كبيرة من الإسرائيليين سيكون بمثابة علاج جيد لحماس، ولكنه ليس الشيء الحاسم لتعريف نجاح المجموعة الاستراتيجي.
إن هدف حماس الاستراتيجي هو تحطيم شعور إسرائيل بطبيعية الحياة. وسيكون من الممكن لإسرائيل أن تكون في الوجود كدولة ديمقراطية مزدهرة وتعيش في رخاء في ظل ظروف الثكنة المتسمة بالصراع المستمر، فقط عندما يكون مواطنوها قادرين على الاحتفاظ بوهم أن حياتهم شبيهة -أكثر أو أقل- بما كانوا يطمحون إليه في لندن وباريس، أو نيويورك. ومع تدمير هذا الوهم، تصبح نتائج عدة قيد الإمكان، والتي ليس أي منها جيدا لإسرائيل. فلدى اليأس من إمكانية السلام، ربما تقرر أعداد صغيرة من اليهود الإسرائيليين الهجرة إلى الخارج. لكن الأكثر ترجيحاً هو أن الخلافات حول كيفية التعامل مع المشكلة الفلسطينية سوف تتعمق وتزرع الشقاق داخل المجتمع الإسرائيلي، وتقوض الرواية الإسرائيلية القائمة على أساس عدالة الصهيونية. وكان التماسك حول هذا السرد حافزاً رئيسياً لتقديم التضحيات ومواجهة الأخطار التي غالباً ما تنطوي عليها الحياة في إسرائيل، بما في ذلك الخدمة العسكرية الإلزامية الطويلة التي هي حقيقة من حقائق الحياة بالنسبة لمعظم اليهود الإسرائيليين. ورغم أن هذه التشققات الداخلية لن تجعل إسرائيل تهبط على ركبتيها، فإن أي تآكل للقوة الاسرائيلية -بما في ذلك قوة إرادة السكان- سيكون كسباً لحماس.
كانت إسرائيل منذ فترة طويلة حريصة على إحباط توسع نفوذ منظمات المقاومة الإسلامية التي تنظر إليها على أنها الأعداء الأكثر إصراراً وعناداً. ولنأخذ بعين الاعتبار أن الانتفاضة الأولى، من العام 1987 إلى العام 1993، أدت إلى إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية العلمانية، وإلى صعود خطير للمنظمات الفلسطينية المتشددة مثل حماس والجهاد الإسلامي. وقد دفع التهديد القادم من هذه المنظمات الإسلامية الزعيمين الإسرائيليين؛ إسحق رابين وشمعون بيريز، إلى تعزيز الحظوظ الفاشلة لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات والشروع في عملية أوسلو للسلام، والتي كانت ستشكل، لو أنها نجحت، طريقاً مسدوداً لحماس.
في واقع الأمر، كان عنف الانتفاضة الثانية التي أزهقت أرواح ما يقرب من 1000 من الإسرائيليين بين الأعوام 2001 و2004 من خلال موجة تلو الموجة من الهجمات الانتحارية في قلب المدن الكبرى في إسرائيل، كان هو ما تسبب في اهتزاز ثقة المواطنين الإسرائيليين وأقنعهم في نهاية المطاف بدعم الانسحاب أحادي الجانب للمواطنين والمستوطنات من قطاع غزة. وكانوا يأملون أن تخفف هذه الخطوة من حجم الغضب الفلسطيني. لكنها لم تفعل.
لم يتسبب القصف الصارخي المستمر منخفض المستوى لمدن جنوب إسرائيل منذ انسحابها من قطاع غزة في إثارة ما يكفي من الاضطراب وتعطيل الحياة في بقية إسرائيل بحيث يجلب لحماس أي فوائد استراتيجية. وبعبارة أخرى، لم تتمكن هجمات حماس على المدن الحدودية من إيقاف معظم الإسرائيليين عن الذهاب إلى أعمالهم اليومية في نسيان شبه كامل للحالة السياسية والإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة.
لكن هذه الجولة الجديدة من العنف، من ناحية أخرى، تسببت في إحداث اضطراب هائل. فقد شملت الصواريخ التي تطلق من غزة صفارات الإنذار في تل أبيب والقدس وحيفا وبئر السبع -أي كل المدن الكبرى في إسرائيل- وبقية النقاط الواقعة فيما بينها كذلك. ومع أن هذه الصواريخ لم يقتل أي شخص حتى كتابة هذه السطور، فإنها دفعت الجميع تقريباً إلى الجد في البحث عن ملجأ مرات عدة في اليوم، وبددت الوهم بأن ما يحدث "هناك" لا يؤثر على الحياة "هنا".
سوف يكون ذلك كافياً لأن تعلن حماس تحقيق النصر. لكن المجموعة ظلت تراكم الفوائد الاستراتيجية الإضافية كذلك. أولاً، جعل العدد غير المتناسب من الضحايا في إسرائيل وغزة إسرائيل تظهر، على الأقل في عيون الكثير من الغرب، على أنها الطرف المعتدي، رغم أن حماس هي التي أطلقت النار أولاً هذه المرة. ثانياً، جعل نظام القبة الحديدية تغطية القصة داخل إسرائيل مملة بالنسبة للصحفيين الأجانب. "الصواريخ تنطلق، الصواريخ يتم اعتراضها، والحياة تستمر" ليست قصة مثيرة. أما عمليات الانتقام الإسرائيلية التي تسوي مباني غزة غير المدعومة بالأرض وتترك مكانها هيئات مهترئة، فإنها تبيع المزيد من الصحف. وهكذا، ركز العالم على غزة. وقد يتحسر أصدقاء إسرائيل على ذلك باعتباره غير عادل -إسرائيل تُعاقب على الدفاع عن مواطنيها بنجاح، في حين تترك حماس مواطنيها مكشوفين. لكن ذلك يغفل الفكرة الأساسية. إن الحرب ليست تمريناً في الإنصاف، وإنما هي تدور حول تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
وفي هذا الخصوص، فازت حماس بالفعل. فقد استطاعت تحطيم ذلك الوهم الضروري لدى الإسرائيليين بأن حالة الجمود السياسي مع الفلسطينيين هي أمر خال من الكلفة بالنسبة لإسرائيل. وبينت للإسرائيليين أنه حتى لو لم يكن بوسع الفلسطينيين قتلهم، فإنه يمكنهم أن يجعلوهم يدفعون ثمناً نفسياً ثقيلاً. كما أثارت حماس أيضاً ملف القضية الفلسطينية وعززت الاعتقاد بأن الفلسطينيين هم ضحايا ضعفاء يقفون في وجه معتد قوي. وعلى الطريق، سيكون من شبه المؤكد أن يترجم هذا الشعور إلى ضغط على إسرائيل، ربما من قبل السياسيين وبالتأكيد من قبل الحركات الاجتماعية التي تهدف إلى عزل إسرائيل سياسياً وإلحاق الأضرار بها من خلال المقاطعة الاقتصادية.
ما يزال هناك أولئك الذين سيتخيلون أن هذه الهزيمة سوف تأتي بالجانب المشرق الذي جلبته خسارة إسرائيل في العام 1973. فرغم أن هجمات السادات على الإسرائيليين في سيناء حطمت الشعور بالدولة التي لا تقهر والذي غذاه الإسرائيليون منذ نهاية حرب 1967، أدت تلك الحرب على الأقل إلى إبرام اتفاقات كامب ديفيد، وإحلال سلام دائم -ولو أنه بارد- والذي ضمن الأمن الإقليمي لإسرائيل منذ أواخر السبعينيات. ربما سيسفر فوز حماس الاستراتيجي في هذا الصراع عن أرباح مماثلة لإسرائيل أسفل الطريق. ومع ذلك، تبدو مثل هذه النتيجة غير محتملة على الإطلاق. كانت للسادات أهداف ملموسة، بالتحديد إعادة فتح قناة السويس وعودة شبه جزيرة سيناء إلى مصر -وهي أهداف كان يمكن توفيقها مع احتياجات إسرائيل نفسها. لكن حماس، من ناحية أخرى، تدعو إلى إزالة إسرائيل، وهو هدف يترك مجالاً ضئيلاً للتفاوض.
في نهاية المطاف، سوف تذهب هذه الجولة لصالح الفلسطينيين، كما فعلت الجولة السابقة الرئيسية من القتال في العام 2008. وينبغي أن لا يعمي التركيز على النجاح التكتيكي إسرائيل عن الأخطار التي تواجهها من هذه الهزائم الاستراتيجية المتكررة. ليس هناك الكثير الذي يمكن لإسرائيل أن تقوم به لتغيير سلوك حماس. لكن ما يجب عليها القيام به لمنع حماس من الاستفادة من النجاح الاستراتيجي هو تذكير الإسرائيليين المعاصرين بما كان قادتهم يعرفونه في وقت مبكر جيداً. وكما قال موشيه ديان، رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي ثم وزير الدفاع في وقت لاحق: "إننا نعلم أنه من أجل جعل أملهم (العرب) في إبادتنا يذوي، فإنه يتعين علينا -صباحاً ومساء- أن نكون مسلحين وجاهزين". إن التحدي الذي تواجهه إسرائيل حالياً هو الحفاظ على تلك الحالة من الاستعداد، بينما تقوم في الوقت نفسه باتخاذ الخيارات الإنسانية والمناسبة التي تضمن أمنها، وتعزز جاذبيتها كشريك استراتيجي وتجاري للدول الغربية، والحفاظ على التماسك الاجتماعي الداخلي على المدى الطويل. ربما يبدو هذا المسعى مستحيلاً، لكن الأعوام التسعة عشر الأولى من وجود إسرائيل الوطني تقترح غير ذلك.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: How Hamas Won: Israel's Tactical Success and Strategic Failure
*المدير التنفيذي لمعهد إسرائيل.

ala.zeineh@alghad.jo

@alaeddin1963

التعليق