هل تستطيع كردستان مستقلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

تم نشره في الاثنين 11 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً
  • رجل أمن كردي يحرس معدات لمنشأة نفطية في إقليم كردستان العراق - (أرشيفية)

جوناثان فورمان - (نيوزويك) 29/7/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

عندما اجتاح متشددو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" مدينة الموصل العراقية، تكشفت الهشاشة الكارثية للقوات المسلحة في العراق. كما أنها قدحت زناد عملية قد تفضي إلى قيام أول دولة كردية مستقلة في العالم.
منذ مغادرة القوات الأميركية للعراق في العام 2012، تدهورت العلاقات بين الإدارة العراقية بقيادة نوري المالكي وبين حكومة إقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي. ووفق الممثلة السامية لكردستان في لندن، بيان رحمن، فإن إدارة المالكي فرضت "سياسة الرقابة والعقاب" على ذلك الإقليم.
تشرح رحمن بالقول إن معاناة الإقليم مع المالكي تتضمن فشل بغداد في تسليم الحكومة الإقليمية في كردستان حصتها الكاملة من الموازنة القومية، والبالغة 17 % من الموازنة (لم تدفع أكثر من 11 %، كما أنها لم تدفع أي شيء منذ كانون الثاني-يناير 2014)، كما فشلت في دفع رواتب الحرس الوطني الكردستاني المعروف بالبشميرغا، بالإضافة إلى جهودها المزعومة في عرقلة مبيعات النفط والغاز الكرديين إلى الخارج.
بالإضافة إلى ذلك، تقول رحمن إن الحكومة المركزية فشلت في الوفاء بالتزاماتها بموجب الدستور العراقي للعام 2005، والتي تنص على إجراء استفتاء في الأراضي الكردية التاريخية المتنازع عليها، مثل مدينة كركوك التي يدعي الأكراد بأنها يجب أن تكون جزءاً من كردستان.
وتقول رحمن "إن 40 % من الأراضي الكردية تقع خارج الحدود المناطقية التي رسمها من جانب واحد (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين في العام 1991. وكانت هذه المناطق، وبعضها غني بالنفط، قد أخضعت لتطهير عرقي من الأكراد واستيطان بأمر الحكومة لعرب من أجزاء أخرى من العراق. وأمست راهناً تحت السيطرة الكردية نتيجة لتقهقر الجيش العراقي أمام زحف "داعش"".
نتيجة لذلك، ويوم 3 تموز (يوليو)، طلب مسعود البرزاني، رئيس إقليم كردستان، من برلمانه التحضير للتصويت على تقرير المصير. وهي خطوة أولى في عملية من شأنها أن تفضي إلى عقد استفتاء، ومن ثم إعلان الاستقلال عن العراق. وتنطوي هذه الخطوة على تداعيات كبيرة على المنطقة كلها، ومن شأنها أن تؤكد "اللعبة الكبرى الجديدة" القائمة بين تركيا وإيران من أجل السيطرة على الهلال الخصيب.
على النقيض من العديد من مجموعات الأقليات العرقية التي قاتلت بلا طائل من أجل إنشاء دول خاصة لها في أواخر القرن العشرين، فإن كردستان العراقية أنجزت شيئاً قريباً من الاستقلال من دون الإعلان عن ذلك فعلياً. وليس ذلك لأن أكراد العراق لا يريدون الاستقلال بشكل رسمي. ويقول الدبلوماسي السابق والخبير في الشأن العراقي، بيتر غالبريث: "ما أزال أذهب إلى كردستان منذ 30 عاماً، ولم يسبق لي أن قابلت كردياً قال إنني أفضل أن أكون مواطناً في العراق على أن أكون مواطناً من كردستان مستقلة، وذلك يشمل الرئيس (السابق) للعراق نفسه".
بدلاً من ذلك، ولأن قادة الحكومة الإقليمية في كردستان يرون حتى الآن ثمة مزايا في البقاء مرتبطين قانونياً بالعراق، وبسبب العوائق التي تعترض سبيل الاستقلال، وبشكل خاص المعارضة من جانب عرب العراق، فقد بدا أن من المستحيل التغلب على ذلك.
منذ تم التفاوض عليه أول الأمر في الستينيات (من القرن الماضي) أثبت الحكم الذاتي الكردي أنه صعب على الإنجاز والصمود. وحتى عندما منعت قوات صدام من اكتساح المناطق الكردية العراقية عبر تحديد مناطق حظر الطيران، ثم عبر الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في العام 2003، بقيت كردستان العراق تحت التهديد من جانب تركيا. ولطالما نظرت أنقرة إلى أي تجسيد للقومية الكردية في المنطقة باعتبار أنه يشكل خطراً جسيماً على تماسكها الاجتماعي، وظلت راغبة في استخدام القوة لتحييده.
مع ذلك، ثمة تقارب بدأ بين الأكراد والأتراك منذ العام 2009، إلى درجة أن المسؤولين الأتراك ألمحوا إلى أنهم سيشعرون بالارتياح مع إعلان استقلال كردستان.
هذه الأيام، نرى أن إيران هي التي تشكل المعارض العنيد للاستقلال الكردي. ومن المحتمل أن تكون سورية معارضاً آخر، لكن نظامها الحاكم منهمك راهناً في الحرب الأهلية. وكانت إيران ودودة مع كردستان العراق عندما كانت الأخيرة مصدر دعم في الحرب ضد عراق صدام حسين. لكن تعاطفها برد عندما أصبحت طهران هي صاحبة النفوذ والسطوة على بغداد.
يقول غالبريث: "إنك إذا نظرت إلى الإعلام العراقي، فإنك ستجد حملة ضد الأكراد، والتي تقول إن الاندفاع نحو الاستقلال هو برمته مخطط إسرائيلي".
وفي تلاق غرائبي للمصالح، نرى أن البلد الوحيد الذي يبدو معارضاً بقدر مساوٍ لاستقلال كردستان العراق هو الولايات المتحدة. وقد تعمق الالتزام الأميركي بالحفاظ على بقاء دولة عراقية مركزية واحدة في ظل إدارة أوباما، رغم اقتراح نائب الرئيس، جون بايدن، ذات مرة تقسيم العراق إلى ثلاثة بلدان.
يقول غالبريث إن إدارة أوباما دعمت بغداد ومارست ضغوطاً على الحكومة الإقليمية الكردية من خلال "محاولة وقف الناس عن شراء نفط كردستان ومن خلال التهديد باتخاذ إجراء قانوني ضد الشركات التي تحاول استيراده إلى داخل الولايات المتحدة"، من بين أمور أخرى.
لا يعد هذا الضغط الاقتصادي تهديداً بسيطاً بالنسبة لبلد تعداد سكانه ستة ملايين نسمة، والذي استوعب نحو 250.000 لاجئ من سورية، وحوالي 750.000 لاجئ من أجزاء أخرى من العراق. ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت أميركا تنطوي على الكثير من القدرة على التأثير في هذه المسالة، بما أن المعارضة الأميركية لم تحدث سوى النزر اليسير من الفارق بالنسبة لتقسيم يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي من قبل.
في هذا السياق، لا يشعر بعض الخبراء، بمن فيهم الصحفي والمستثمر بارتل بل، الذي يكتب تاريخ العراق، بأن استقلال هو أمر حتمي بشكل أكيد. ويقول بل: "نعم، إن حكومة إقليم كردستان هي كاسب كبير من التطورات الأخيرة، وما تزال تتقوى بفعل النزاع مع بغداد". لكنها إذا كسبت حكومة إقليم كردستان الاستفتاء في كركوك (بانضمام المنطقة الغنية بالنفط والكردية تقليدياً إلى كردستان) فسوف ينخفض عندها حجم معاناتها مع بغداد".
ذلك، سوف يكون الاستقلال، بكل تعقيداته ومخاطره، أقل ضرورة. ويعتقد بل بأن "مصير" كردستان العراق سيكون "دائماً مرتبطاً بوثوق وعلى نحو غير مريح، لكنه أكيد مع باقي بلاد ما بين النهرين". وهو يشك في أن الدفع نحو الاستقلال قد يفقد الزخم إذا تمت هزيمة "داعش" واستبدال المالكي كرئيس للوزراء بسياسي شيعي مقبول وأكثر قدرة. ويقول: "من المرجح أن أي حكومة ستحكم أفضل، ومن غير الممكن أن تكون غير كفؤة وطائفية ومتوجسة مثل حكومة المالكي، وستجعل من خيار البقاء في إطار دولة العراق أكثر جاذبية بكثير بالنسبة للأكراد والسنة على حد سواء".
لكن غالبريث والعديد من المراقبين الآخرين لا يتفقون مع ذلك، ويعتقدون بأن العراق "غير قابل للتفكيك". ويرى غاري كنت، الذي يترأس المجموعة البرلمانية للأحزاب كافة في المملكة المتحدة حول المنطقة الكردية من العراق، أنه "من غير المرجح أن تتمكن بغداد بزعيم جديد وشكل جديد من الحوكمة من الوصول إلى السنة والوفاء بوعودها التي قطعتها للأكراد وإلحاق الهزيمة بداعش".
سوف يجعل تحول المالكي إلى مزيد من العداء تجاه حكومة إقليم كردستان منذ مأزق الموصل، متهماً إياها بالتآمر مع "داعش"، من أمر التصالح أقل ترجيحاً. وإذا أعلنت كردستان الاستقلال، فإنها قد تعاني من أجل الحصول على الاعتراف الدولي.
وفق بريندان أوليري من جامعة بنسلفانيا، فإن الدولة الجديدة قد تحظى بالاعتراف بسرعة من جانب تركيا وإسرائيل، "لكنه سيكون من الأفضل لها بكثير أن تحصل على اعتراف شامل". ويعتقد بأنه من غير المرجح وبدرجة كبيرة أن تعترف أي دولة عضو في جامعة الدول العربية بكردستان مستقلة. وتبعاً لذلك، سيكون الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة رئيسيين في موقفهما من الدولة الجديدة. لكن اعتراف الاتحاد الأوروبي قد يكون مخادعاً لأن "إسبانيا ستمتنع على نحو شبه مؤكد عن الاعتراف بكردستان على ضوء موقفها من كوسوفو".
بشكل عام، من النادر أن تقدم المجموعة الدولية على الاعتراف بدول جديدة ما لم تعترف بها القوة الحاكمة السابقة فيها أولاً. وقد عنى رفض الصومال الاعتراف بجمهورية أرض الصومال التي تنعم بالاستقلال منذ عقدين أنه لا يوجد أي بلد آخر يفعل ذلك. وبقدر مساوٍ، قد تكون بغداد غير راغبة في الاعتراف بأي استقلال عن العراق. ويرى أوليري أن لدى الحكومة الإقليمية الكردية خيارين آخرين على ضوء ضعف حكومة بغداد. فهي تستطيع إعادة التفاوض حول الدستور الموجود مع بغداد التي لا تثق بها. أو أنها تستطيع العمل باتجاه إعادة قولبة العراق ككنفدرالية من دولتين أو ثلاث دول مستقلة، مع الاحتفاظ بحق هذه الدول بالانشقاق بعد مدة محددة.
لكن مثل هذه الكنفدراليات نادرة. ولعل أحد الأمثلة الحديثة عليها هي الكنفدرالية القائمة بين صربيا ومونتينيغرو. وثمة مثال ثانٍ هو الكنفدرالية بين السودان وجنوب السودان، لكن الكنفدراليتين انهارتا في النهاية.
سوف يكون من شأن كردستان مستقلة أن تكون قابلة للحياة من الناحية الاقتصادية بكل تأكيد. فلقد تعافت المنطقة بسرعة مشهودة من الكارثة التي كانت قد حلت بها على يد قوات صدام قبل العام 1991 ثم بسبب العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، كما تدلل على ذلك المطارات والفنادق والأسواق المركزية الجديدة التي أنشئت هناك. وقد جعل منها جمعها بين الأمن والاستقرار، وحيث القوانين المحبذة لدى الاستثمار الأجنبي، مكاناً مستقطباً للشركات الأجنبية التي تشعر بالقلق من العمل في بلد عربي.
أما ما إذا كانت كردستان مستقلة تستطيع أن تزدهر، فهي مسألة أخرى. لن يترتب عليها التعامل مع تهديدات "داعش" والفوضى العارمة القاتلة في سورية وحسب، وإنما ستحتاج إلى الدفاع عن نفسها أمام أي دولة قد تنجم في العراق. وحتى في أفضل الظروف، ستحتاج كردستان مستقلة إلى الاستثمار في أصدقاء أجانب آخرين خشية أن تصبح عالة على أنقرة. ولطالما أملت الحكومة الإقليمية في كردستان في إقامة تحالفات أوثق مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبلدان غربية أخرى، لكن الدول الخليجية مثل الإمارات العربية المتحدة كانت أسرع إلى الاستثمار في كردستان. ونظراً لأن المساعدة الخليجية تأتي غالباً متصلة بحبال إسلامية، فإن فكرة إقامة العلاقات الوثيقة مع بلدان مثل قطر تجعل بعض الأكراد يتوترون. ولا يتوافق الخبراء حول مدى سرعة وما إذا كانت كردستان ستعلن استقلالها على هذه الأسس.
في كل الأحوال، يبدو أن هناك فرصة ضئيلة في العودة إلى الوضع القائم أصلاً. وكما قال رئيس الوزراء في كردستان العراقية، نيشيرفان برزاني، فإنه "ثمة عراق ما قبل الموصل وعراق ما بعد الموصل".
بغض النظر عما إذا كانت كردستان العراقية ستحقق السيادة بالإضافة إلى الكنفدرالية أو الاستقلال التام، فإنها تواجه في الوقت الراهن مشكلة أكثر إلحاحاً. فكما قال خبراء أدلوا بشهاداتهم عن الوضع الكردستاني أمام البرلمان البريطاني مؤخراً، فإن للحكومة الإقليمية في كردستان حدوداً بطول 1000 كيلومتر مع خلافة "داعش" وحدوداً بطول 50 كيلومتراً فقط مع العراق.
بالإضافة إلى ذلك، تتوافر "داعش" راهناً على عربات مدرعة وقطع مدفعية كانت غنمتها من الجيش العراقي الفار، بينما لا تتوافر القوات الكردية سوى على ما هو أكثر قليلاً من الأسلحة الصغيرة. وكما يقول غالبريث، فإن "الحقيقة المنطوية على مفارقة هي أن الولايات المتحدة سلحت "داعش" التي هي عدونا، ولم تسلح البشميرغا الذين يعتبرون أصدقاءنا".

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Can an Independent Kurdistan Reshape the Middle East?

التعليق