الغد في حوار جلالة الملك مع "الغد"

تم نشره في السبت 16 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً
  • جلالة الملك عبدالله الثاني-(أرشيفية)

المحامي سائد كراجة

رسائل محلية استراتيجية، أطلقها الحوار الملكي مع "الغد"، والمنشور في 9/8/2014. رسائل تتعلق بمستقبل الأردن، سياسياً واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، وأكثر من ذلك تتعلق بشأن شكل الحكم كما يراه جلالة الملك.
في نظري، فإن أهم تلك الرسائل، تأكيد جلالة الملك أن الظروف المحلية والمحيطة على حدود المملكة، لن تكون مبرراً لأي نكوصٍ أو تلكؤ عن السير قدما في مسيرة الإصلاح، وفي هذا توجيهان أساسيان:
الأول للحكومة، مفاده أن إرادة جلالة الملك قاطعة في متابعة مسيرة الإصلاح، بوصفه الدعامة الإساسية لاستقرار الأردن، وأن تدعيم الديمقراطية والحياة السياسية في الأردن، هو الطريق لحماية كيانه ومستقبله.
كما أن إرادة الملك السياسية، لا تقبل مبرراً للرجوع أو القعود عن الإصلاح، فالملك يدعو وبكل ثقة، شعبه وأجهزة الدولة كافة، للمشاركة والانشغال الحقيقي في عملية الإصلاح.
التوجيه الثاني هو للشعب، ومفاده أن الإصلاح يتطلب مواطناً فاعلاً مشاركاً في الحياة السياسية بعقلانية، وفي ظل سيادة القانون. ذلك أن الإصلاحات الدستورية والقانونية ستظل - من دون مشاركة فاعلة من المواطنين - بلا أثر لها على أرض الواقع.
وقد حرص الملك على التأكيد أن الأردن سيتمسك بأسلوبه الخاص بالإصلاح؛ ذلك الأسلوب الذي يسير على إيقاع الأردن ومصالحه. وهو إيقاع يحرص على وحدة الوطن وأمنه وإنجازاته من دون أن يلتفت لضغوط خارجية أو أمزجة الصالونات السياسية، انطلاقا من إيمان جلالته بعدم جواز التلكؤ أو النكوص من جانب، وحرصه بألا ينقلب الإصلاح وبالاً على الوطن والشعب من حانب آخر.
إن مسيرة الإصلاح في ذهن الملك بينة جلية، تهدف الى تهيئة كل الظروف الدستورية والموضوعية والاقتصادية  للوصول إلى تشكيل حكومات برلمانية، تنبثق عن أحزاب سياسية برامجية فاعلة، تظل تدير دفة الحكم طالما رضي عنها ممثلو الشعب، وبرلمان مراقب من مواطنٍ مشارك يقيم الرقابة الشعبية على أداء البرلمان، ويحمل على عاتقه هم المشاركة في الرقابة الشعبية الفاعلة على أداء البرلمان، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات.
من خلال هذه الرسالة أيضا، تجلت رؤية واضحة لخريطة الإصلاح التي بدأت بتعديل ثلث نصوص الدستور لغايات تكريس الملكية الدستورية، وبإضافات نوعية لمؤسسات دستورية رقابية ضرورية وأساسية، تمثلت في المحكمة الدستورية، والهيئة المستقلة للانتخاب.
وهذه المسيرة مستمرة نحو تطوير آليات الحكم المحلي، وإنجاز قانون البلديات لترسيخ مفهوم اللامركزية، ثم إنجاز قانوني الأحزاب والانتخاب، بحيث تحمل المجالس المحلية عبء الواجب الخدمي، فيما يرتقي البرلمان لواجباته الدستورية في التشريع والرقابة.
إن هذا الطرح للإصلاح، يؤكد أمرا في غاية الأهمية، وهو أن التدرج الإصلاحي عند الملك ليس له علاقة بـ"مخاوف" من طرح قانون انتخاب تمثيلي، ذلك أن الملك الواثق يعتمد ويُعوِلُ على وعي شعبه، وهو الذي يقول إنه والشعب في بوتقة واحدة.
أما الرسالة الثالثة، فمفادها الوعي الكامل لمؤسسة الحكم وعلى رأسها جلالة الملك، ومن ثم ولي عهده الذي يحضره هاشمياً منذورا لخدمة الوطن، ويؤكد على تلقيه العلم والتدريب اللازمين ليكون جاهزاً في تولي مسؤولياته في ملكية دستورية، يكون فيها الملك عنواناً للوحدة الوطنية ورمزاً لمؤسسات الدولة الدستورية، وحكماً بينها وضامناً لتطبيق الدستور من دون تدخل في العملية الدستورية التي يمارس الشعب فيها دوره، باعتباره مصدر السلطات.
أما الرسالة الرابعة، فهي عن علاقة مؤسسة الحكم مع الشعب، والملك الواثق المطمئن يعتمد في ثقته على أنه وشعبه في بوتقةٍ واحدة.
وهذا الموقف في ذهن الملك، راسخٌ لثقته بوعي الشعب وحرصه على انجازات الوطن. وهنا، فإن الملك لا يُغفِل التحدي الأساسي الذي يواجه الأردن، ألا وهو التحدي الاقتصادي الذي يعتبر التحدي الأصعب الذي تواجهه المملكة.
ويؤكد الملك على أن همه الأساسي في وضع حلول شاملة للتحدي الاقتصادي. ولهذا، فقد أوعز للحكومة بوضع استراتيجية اقتصادية شاملة، وهذا يُخرج الحل الاقتصادي من مفهوم الفزعة والحلول الآنية.
أخيراً، عرج جلالة الملك في حواره مع "الغد" على موضوع سيادة القانون، فأكد أن الخروج على القانون مرفوض من أي كان، كون ذلك انتهاكا لهيبة الدولة، بل هو مِعوَل هدمٍ للعملية الاصلاحية برمتها.
وبهذا الصدد، وضع الملك معان حيث تستحق من تقدير دورها الوطني والأمني، وتثمين دور أهلها في البناء والتعمير، وفي الوقت نفسه، رفض الخروج على القانون ودعا لتسليم الخارجين عنه للعدالة.
وبهذا الطرح، تجلت رسالة الملك بأن الدولة الحديثة المدنية، هي دولة سيادة القانون الذي يجب أن يسري على الجميع من دون تمييز.
هذه في نظري أهم الرسائل المحلية التي وجهها جلالة الملك في حواره مع "الغد"، وحملها برسائل واضحة قوية واثقة بقوة الأردن ومنعته، ودوره الإقليمي والدولي. ولكن بقي أن أقول إن الكلام الفصل في هذه الرؤية الملكية يكمن في أمرين أساسيين:
أولهما، أن تستوعب الحكومة وكل مؤسسات الدولة هذه الرؤية الملكية، وأن تعمل بها عمل الواثق المطمئن والوطني المستنير، تنهض بها بثقة تستمدها من ثقة القائد بشعبه، وبحرصه على الوصول بالأردن إلى دولة مدنيةٍ تقوم على أساس مؤسسات دستورية فاعلة، وعلى قاعدة سيادة القانون. وقد كان الملك واضحا في مفهومه لهذا الحرص؛ فالحرص على الوطن يكون فقط بالاستمرار في مسيرة الإصلاح، وبتطبيق الديمقراطية على إيقاع مصلحة الأردن ووحدة شعبه وأراضيه. وتنسيق الخطى الإصلاحية جميعها، ووضعها في برنامج زمني واضح، مع ترجمة ما ينجز منها إجراءات فعلية عل كل هيكلية الدولة كافة، أضحى أمر ملحا، لأنه يتعلق بثقة الناس بمسيرة الإصلاح، وهو أمر لعمري عزيز ومهم.
أما الأمر الثاني، فهو مشاركة المواطن مشاركة فاعلة في الحياة السياسية؛ مشاركةً لا تنتظر إصلاح كل شيء لبدء المشاركة، بل المساهمة والفاعلية في الإصلاح منذ اللحظة الراهنة، وإن لم تكتمل كل عناصر الإصلاح  وأبعاده. ذلك أن الإصلاح في ذاته عملية تنويرية توعوية، ولا يقتصر فقط على تحقيق أهدافه الدستورية والسياسية والاقتصادية، فوعي المواطنين يكتمل بالمشاركة في بناء الإصلاح وتحقيق أهدافه، معارضةً وتأييداً.
ولعل هذا في رأيي رسالة واضحة لقوى المجتمع المدني والأحزاب والمثقفين والإعلاميين لوقف التشكيك، وحمل لواء التغيير والمشاركة بوطنية ومسؤولية عالية.
عليه فإن السؤال: هل تكون رسائل الملك في هذا الحوار وسابقا في الأوراق الملكية المنشورة، أرضية توافقية للبدء بانخراط شامل (شعبي، وحكومي) في عملية الإصلاح؟
إن الإرادة السياسية لجلالة الملك تعلن عن نفسها بوضوح كامل، فهل تنهض الحكومة والشعب لحمل تلك الرؤية والسير بها نحو أردنٍ مدني؟ الأمل في المستقبل كبير.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رؤيا اصلاحية فاعلة (يارا الفواز)

    الأحد 17 آب / أغسطس 2014.
    اعتقد ان نهج جلالة الملك ورؤيته لسياسة التدرج الاصلاحي وفقا لما بينه كاتب المقال (أ.سائد كراجة ) هو النهج الافضل للإصلاح خاصة في ظل ما تواجهه الاردن من تحديات على الصعيدين الاقليمي والشأن الداخلي ،، على ان السؤال هنا هل ستتخذ الجهات المعنية نهج الاصلاح ضمن خطة شمولية زمنية واضحة المعالم بما يتناسب ورؤية جلالته .. الامل بالمستقبل كبير فعلا استاذ والقادم كفيل ليثبت ان الشعب بمؤسساته سيقف جنبا الى جنب للوصول الى اردن الديموقراطية والحرية والعدالة يعكس المفهوم الامثل لدولة المدنية